حتَى تتبع ملتهم


يقول القرطبي رحمه الله في بداية تفسير هذه الآية رقم 120 من سورة البقرة : {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم قل إن هُدَى الله هو الهُدَى ولئن اتّبعْت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير} :

>المعنى ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يومنوا بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك، وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الاسلام واتباعهم<. (والخطاب للرسول  والمراد به أمته). أما الشهيد سيد قطب رحمه الله فعلق على هذه الآية الجليلة بقوله : >فتلك هي العلة الأصيلة، ليس الذي ينقصهم هو البرهان، وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق وأن الذي جاءك من ربك هو الحق، ولو قدمت إليهم ما قدمت ولو توددت إليهم ما توددت لن يرضيهم من هذا كله شيء إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها<(في ظلال القرآن 108/1 ط دار الشروق القاهرة 1973/1393).

يُطالب الغرب بزعامة أمريكا قادة المسلمين وشعوبهم بمطالب تمس عقيدتهم وأخلاقهم وتشريعاتهم الاسلامية وسيادتهم وحرياتهم فمنهم من صار يسارع في الاستجابة لتلك المطالب حتى ترضى عنه اليهود والنصارى وقد شاهدنا مواقف ذل وهوان لبعض قادة المسلمين يقولون بأنهم قاموا بخطوات مهمة لتغيير مناهج التعليم ولكن الأمر يقتضي التدرج والأناة.. أما ممثلة النصرانية الجمهورية الأمريكية فتصرح بصلف وكبرياء وخبث وحقد بأن “الدولة الفلانية” ما تزال تتلكأ في موضوع اصلاح مناهجها التعليمية والتربوية.  أي أنها لن ترضى بتلك الانجازات لصالح المطالب الأمريكية بل تريد أن تصبح هذه الدولة الاسلامية وفق الشروط الأمريكية وذلك بالتخلص عن تعاليم القرآن والسنة والشريعة وتهيئ البلد ليصبح على ملتهم!! ويفتح أبوابه للتنصير والتهويد والدعارة والديمقراطية الكاذبة.

وهناك قادات عُرِفوا بصرامتهم مع شعوبهم وانتهاكهم حقوقهم في الحرية والكرامة وممارستهم دينهم وتضييق على كل من تسول له نفسه أن يدعو إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة وحرموا مساجد الله من دروسهم ووعظهم بل من هؤلاء القادة من شنق وعذّب وسجن وطارد الدعاة لكنهم فيما يتصل بتغيير المناهج وتفسيخ الاعلام وتمسيخه وترسيخ حقوق فرضت عليه هي في الحقيقة عقوق لله وللرسول وصيانة الفساد الأخلاقي من المجدين المجتهدين حتى يحوز رضا الإلهة المعبودة الجديدة ونبيها الجديد بوش وينال كلمة تقدير وإشادة في تقريرهم السنوي وإعادة نشر ذلك في الصحف المحلية وإذاعته عبر الراديو والتلفزة.

إن من أسباب سقوط الأندلس استجابة معظم ملوكها ورؤسائها لمطالب ملوك النصارى يوم كان هؤلاء الرؤساء أو زعماء الفتن يستعين بعضهم على بعض بالممالك النصرانية، وكلُّهم كانوا يؤدون الجزية والتعويضات والمكافآت والتنازلات عن مدن وقلاع ومراكز استراتيجية وذلك في سبيل أن يعينه على محاربة جاره المسلم لضم مملكته إليه أو الانتقام منه. وهكذا استنزف ملوك النصارى بإسبانيا رؤساء الطوائف وملوكهم حتى كادوا يستأصلونهم جميعاً لولا أن الله أكرم الأندلس بالمرابطين ثم الموحدين.

إن رؤساء المسلمين جربوا وشاهدوا ما جرَّت على شعوبهم وبلادهم تنازلا تهم للابتزاز الأمريكي والغربي مباشرة أو بواسطة مجلس الأمن.. وقد رأينا اندونيسيا التي هجم عليها بشراسة البنكُ الدولي بعد ما طعنها سوروس طعنته النجلاء فأجهز عليها البنك الدولي بوحشية وشراسة  ليضع حداً لنموها العظيم وتقدمها التكنولوجي الشامل، ولتقطع أمريكا عبر مجلس أمنهم تيمور الشرقية شقيقة تيمور الغربية الاندونيسية لتؤسس دولة مستقلة برئاسة راهب كاتوليكي وليتخذها قاعدة عسكرية وتجسُّسِية وضراراً لاندونيسا وغيرها. وقد حدثني الجنرالويرانطو حفظه الله عن هذه المؤامرة وأبعادها وقد ذرفنا الدموع في جلسة لا أنساها مدى الحياة.

إن مصير كثير من دولنا سيكون مأساويا وكارثياً فإن الأمر لا يتوقف عند حد بعض التنازلات والاستجابة إلى بعض المطالب.. إن “الأقوياء” لا يرضيهم إلا تمزيقنا التام وتقويض حياتنا وتخريب مجتمعاتنا وترسيخ تخلفنا وتحقيق تبعيتنا وشل تنميتنا وإفساد خططنا الصالحة وعرقلة مسيرتنا.. وقد كان ذلك من قبل يتخذ أساليب ملتوية وطرقاً غامضة أما اليوم فقد صرح الشر بما يريد وكشرت الذئاب عن أنيابها وأظهر الجزارون سكاكينهم الحادة وقد شرعوا في ملحمتهم ومجزرتهم مع أننا بدلنا المناهج وخضعنا للبنك الدولي وسمعنا وأطعنا لارادة الكبار ولكنهم كما قال تعالى  : {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم}. نسأل الله أن يلهم المخلصين من هؤلاء الرؤساء والملوك إلى اتخاذ خطوات عملية لاعداد شعوبهم إعداداً إسلامياً قويا وللخشية من ربهم فهو أحق بالخشية من أمريكا للدعوة الصادقة لوحدة المسلمن وتقويتهم بالنصح والمال حتى يكونوا في المستوى القوي لدفع الأخطار عن هذه الأمة.. آمين.

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *