تفسير سورة الطلاق


5- حق المطلقة في السكنى

ما زلنا مع الفقه القرآني في قضية خاصة وهي قضية آثار الطلاق وما ينجر عنها  من حقوق لله وللزوجة يجب مراعاتها واحترامها.

يقول تعالى : {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}.

{لا تخرجوهن من بيوتهن} وإسناد البيت هنا للنساء، وهذا الإسناد في هذا المقام لا يعني أن هذا البيت مملك للمرأة بشراء أو بعقد أو كذا  فقد لا يكون البيت للمرأة ما لم تَسْتَوْل عليه أو تصل إليه بطريق شرعي. أي أن عقد الزواج لا يجعل المرأة صاحبة البيت بمعنى مالكته. نعم، هي صاحبة المنفعة فيه ما دام العقد قائماً والزوجية قائمة فهي أكثر تصرفاً في البيت من الزوج ولذلك نسب البيت إليها، لأنها تدير شؤونه يومياً، وهذا ليس معرة لها، هذا فقط من باب اقتسام الوظائف في الحياة.

ولكن عندما أصبحت الأمور معكوسة ومنكوسة أصبحت نسبة البيت للمرأة ترى فيه نوعاً من المعرة، بمعنى أن الرجل يريد أن يجعلها حبيسة البيت، ويقال : البيت ليس من مهام المرأة، المرأة لها مهام أكبر، إنها تسير أموراً أوسع وتشارك في نهضة الأمة و… وسواء سلمنا بهذا الأمر أم لم نسلم فإن هذا لا يلغي أن هناك بيتاً للمرأة رغم أننا قد نعطي للمرأة ما نشاء من اختصاصات ومن مهام كبيرة أو صغيرة.

والبيت هنا بمعنى الأسرة والأبناء والزوج والجو الصالح للنشء ليكبر صالحاً، فمن يقوم بذلك؟ هل نقتسم هذا الأمر؟ هل تسمح طبيعة الحياة باقتسام هذا الأمر؟..

أقول : إن الطلاق لا يكون سبباً لإخراج المرأة من البيت، ولا يخرجن هن أيضاً، وهذا ما يقع الآن بحكم العرف، وهذا ينهى عنه الشرع. فعلى المرأة أن تبقى في بيتها حتى تنقضي عدتها، فهذا من حقوق المرأة، بل هو كما قيل من حقوق العدة أي من مستلزماتها.

ويبدو -والله أعلم- أن تنصيص الشرع على هذا الأمر لأشياء :

أولا : لحفظ الأعراض، لأن المرأة إن طُلِّقت فربما لا تستطيع أن تجد على الفور مكاناً يؤويها أو يمكن أن تلجأ إليه. فمن يضمن بقاء هذه المرأة على طهارتها ونظافتها، ألا يكون ذلك سبباً إلى الضغط عليها واستغلالها في هذه المرحلة من حياتها؟ وإلى خلط الأنساب.. ربما.

وثانيا : إن بقاءها في بيت الزوجية في حالة الطلاق الرجعي يجعل صورتها باقية في عين الزوج وذهنه، وربما راجعها بعد إشهاد رجلين ذوي عدل ويعود إليها مباشرة. وتأتلف العشرة بينهما بسبب القرب الذي بينهما وبدون حجاب ساتر بينهما.

لأن الحجاب الساتر يكون في حالة الطلاق البائن، وإذا كان البيت ضيقاً لا يسمح بوضع الستائر فعلى الرجل مغادرة البيت لصالحها حتى تنقضي عدتها.

ولذلك كان رسول الله  يتشدد في هذا الأمر وسار الصحابة على ذلك، كان الرسول  إذا جاءته المرأة تريد أن تخرج من بيت زوجها ينهاها. جاءته الفُرَيْعَة بنت مالك كان زوجها قد خرج في طلببعض أعبده (جمع عبد) أبِقُوا -هربوا- منه وفروا، فعثروا عليه وقتلوه فمات. فلما علمت بمقتله استأذنت النبي  في أن تعود إلى قومها بني خذرة. فقال لها النبي  : لا بأس بأن تذهبي إلى قومك، لكن ما إن خرجت المرأة حتى ناداها أحد بالعودة إليه . فقال : أعيدي على ما ذكرت؟ فذكرت القصة، فقال : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. فبقيت في ذلك المكان أربعة أشهر وعشراً ثم خرجت. وكان عمر بن الخطاب ] يرجع النساء المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء حتى تنقضي  عدتهن.

المرأة اليوم حينما يتوفى عنها زوجها ينصحها البعض بالحج حتى تنساه وتتخطى مرحلة الحزن عليه، وهذا لا يجوز لأنه وقع قبل انقضاء العدة. وقد وقع بين الصحابة فيما بعد خلاف في هذه القضية بسبب وجود أحاديث ظاهرها يوهم خلاف هذا الأمر.

ذلك أن فاطمة بنت قيس التي كان لها زوج وكان قد بعثه النبي  إلى اليمن مع معاذ بن جبل فبعث إلى زوجته طلاقها البائن من اليمن وأوصى بعض أهله أن ينفقوا عليها، فأهل الزوج لم يقبلوا بهذه الوصية، وقالوا لها : لا ننفق لك إلا أن تكوني حاملا، ثم ذهبت هذه المرأة إلى النبي  تستشيره في الأمر، فقضى لها بما قالوا مع حقها في السكنى. فكأنها قالت : إن بيتي عورة، فأذن النبي ، فانتقلت من ذلك البيت، فأصبحت بدون نفقة ولا سكنى، وكانت تتحدث بذلك.

وكان عمر  عندما يسمع هذا الحديث من فاطمة يرده ويقول : لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا إلى قول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت.

وكانت عائشة رضي الله عنها ترى ذلك عذراً وأمراً خاصاً بفاطمة بنت قيس بسبب خاص، ولذلك عندما طلق يحيى بن سعيد زوجته عمرة بنت عبد الرحمن وكانت ملازمة للسيدة عائشة وأكثر النساء أخذاً للحديث عن عائشة عن رسول الله ، ولذلك كانت من أوائل الجمّاعات للحديث، وحتى حينما دعا عمر بن عبد العزيز إلى كتابة الحديث أمر ابن شهاب الزهري : انظر ما كان من حديث رسول الله  عند عمرة فاكتبه لي فإني خشيت دروس العلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً

هذه المرأة طلقها زوجها وكان والي المدينة هو عمها مروان بن الحكم فأخذ عمرة إليه وأخرجها من بيتها وضمها إليه.

فرفضت عائشة ذلك منه وكتبت إليه أن اتق الله وأرجعها إلى بيتها، قال : أما سمعت حديث فاطمة بنت قيس؟

قالت : ما يضرك ألا تذكر حديث فاطمة بنت قيس.

فرد عليها مروان بن الحكم وقال : إن كان بك الشر فحسبك من الشر ما بين هذا وهذه، بمعنى إن كان السبب هو الشر الذي كان موجوداً في بيت فاطمة بنت قيس وأحمائها وقرابتها ولذلك أخرجها النبي ، فهاته المرأة كذلك ولذلك سكتت عائشة ولم ترد عليه.

لقد أمضى الرسول  طلاق هذا الرجل الذي بعث بطلاقه من اليمن ولم يعترض عليه. وهذا الأمر الآن لم يعد معمولاً به، فلابد من حضور الزوجة وقبولها حسب مطالب الحركات النسوية، في إطار الهجمةالشرسة على الاسلام، وخاصة على الأسرة، ومحاولة ادماجها في النظام العالمي الذي يريد تنميط الأفكار والأشياء والأشخاص والقيم والأسرة والقوانين و.. لذلك وجب تكوين تيار مضاد لهذا التيار الذي يريد العلمانية صراحة بعدما ظل يدعي الاجتهاد في إطار الشريعة الاسلامية ويتمسح بها، حتى لا تصدر قوانين تخدم المنكر وتشيع الفساد.

ويستفاد مما سبق :

1- إن الطلاق كان ماضياً حتى لو وصل من اليمن إلى المدينة المنورة، وما أجازه الرسول  صار تشريعاً.

2- إن عمرة بنت عبد الرحمان امرأة وعائشة امرأة وكل واحدة منهما كانت تدافع على ما تعتقد أنه صواب، ولكن هذا الدفاع ليس فيه دفاعاً عن جهة معينة أو عن أنوثة المرأة، فيه دفاع عن الحق، عكس دعاوى العلمانيات الحالية.

المهم أن الذي تأسس من هذا أن الفقه الاسلامي مضى في اتجاه أن المرأة لا تبارح بيت زوجها ولا تتركه إذا كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها واختلفوا في هذا على درجات :

– أما الحنفية فكانوا يقولون إن المطلقة رجعياً لا تخرج لا ليلاً ولا نهاراً وتبقى في بيتها حتى ينتهي أجل عدتها، وأما المتوفى عنها زوجها فإنها تخرج نهاراً ولا تخرج ليلا، وذلك بسبب أن الأولى المطلقة رجعياً لا زالت نفقتها وسكناها على زوجها. أما المتوفى عنها زوجها فلها السكنى وتتصرف في اليوم كما تشاء من أجل النفقة.

– الحنابلة : يتساهلون أكثر من الحنفية، ويقولون بخروجها نهاراً في الحالتين والذي عندهم من هذا هو ما حكاه جابر ] عن خالته أنها طلقت وكانت في عدتها فخرجت تقطع نخلها. فنهاها أحد الصحابة، فذهبت إلى النبي  تستشيره فقال : جُذِّي نخلك، فلعلك تتصدقين أو تفعلين خيراً.

ولهم دليل ثان وهو ما وقع عقب غزوة أحد من أن كثيراً من الصحابة استشهدوا فبقيت نساؤهم بالمدينة، فذهبن إلى النبي  يشتكين، فقلن له : إننا نريد أن نبيت عند إحدانا كل مرة فإذاجاء الصباح بادرنا إلى بيوتنا، فأمرهن  : أن يتجمعن عند بعضهن فإذا أحسسن بقرب النوم عُدْنَ إلى بيوتهن ولا يبتن خارجها.

د.مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *