تربية الرسول  للناس وأسلوب تربيته(4)


ج- الـحركـة والعـمـل

يقول الرسول  في حديث له عن العمل والنشاط الذي يحتاج إلى التأمل والتفكير: (إن الله تعالى يحب العبد المؤمن المحترف)(9) ولم يكن بالإمكان قول غير هذا لأن القرآن الكريم يقول: {وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسوله والمؤمنون}(التوبة: 105). أي إن عملكم سوف يقيم حسب مقياس ومعيار معين. وهذه الأعمال بأجمعها سوف تشهر وتعرض يوم القيامة أمام الأنظار حيث يأتي الناس ويشاهدونها ويدققونها: أتُعد هذه أعمالاً أم لا..؟ إذن، فالناس يجب أن يعملوا آخذين هذا بنظر الاعتبار.

ويقول الرسول  في حديث آخر: (إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)(10) والآية الكريمة من أهم الآيات التي تحض على العمل، وأنا أعتقد أنها تصلح للكتابة على غلاف كل كتاب. ويشير حديث (إن الله تعالى يحب العبد المؤمن المحترف) إلى أحد أبعاد هذا العمل. أجل، إن الله تعالى يحب العبد الذي يعمل ويكدح ويتعب في الأعمال التي تسمح بها الشريعة. والرسول  يقول: (ما أكل أحد طعاما قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده)(11) ويقول أيضا: (لأن يحتطب أحدكم حُزْمَة على ظهره خير من أن يسأل أحدا فيعطيَه أو يمنعَه)(12)

ونستطيع تناول الموضوع في ظلال سورة العصر: {والعصر ` إن الإنسان لفي خسر ` إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}(العصر: 1-3).

فالإيمان والعمل الصالح والارتباط بالحق والتواصي بالحق والصبر والتعلق بالصبر والتواصي بالصبر… كل هذه أنواع من العمل والحركة، والله تعالى يحب أصحاب هذه الأعمال. فالعمل والنشاط حسب مفهوم النبي  وضمن دائرته يعد من أفضل الأعمال وأقربها لنيل رضى الله تعالى، فهو لم يقل أبداً كونوا كالرهبان واقضوا حياتكم في الصوامع وتجنبوا الزواج وابتعدوا عن الأكل الطيب وعن الشراب، ولا تهتموا بالدنيا بل انبذوها لكي تحصلوا على رضا الله تعالى وتصلوا إليه.

فقد تناول الشهوة الجنسية ووجهها نحو الجهة المشروعة فقال : (تزوجوا الودود الولود)(13) وفي حديث آخر يقول: (تناكحوا تكثُروا فإني أباهي بكم الأمم)(14) أي كلما كثرتم فرحت وسعدت بذلك وعندما أنظر إلى خلفي فأرى الجموع الكثيرة وهي تركع وتسجد وتكبر وتهلل بخشوع فإن فرحي يزداد. فلم يحاول الرسول  تحجيم الغزيزة الجنسية أو تحريفها أو حبسها، ولم يسلك أي طريق يؤدي بالإنسان للإصابة بالعقد النفسية في هذا الموضوع. فقد أدار هذه الغريزة وصبها في مسار مشروع ووضع الطرق التي توصل الأمة الإسلامية في هذا الموضوع أيضاً للحصول على رضا الله تعالى، فتربيته هي توجيه الفطرة والطبيعة البشرية نحو الاتجاهات التي تحقق الغاية من الخلق.

د- الـتـجارة والـزراعة والجهاد

ليس هناك مثيل له ولا شبيه في موضوع موازنة الأشياء. ففي حديث شريف يقول : (إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم.)(15) والتبايع بالعينة هي قيام شخص بشراء بضاعة من شخص آخر عن طريق الدين ثم بيعه له بسعر أرخص. هذا هو أحد تعاريف هذا البيع وهو يكفي هنا.

وسواء عدّ هذا البيع صورة من صور الربا المخفي أو شيئاً آخر فإن صاحب الشرع لا يرضى به. وأنا أعتقد بأننا لم نعرف المعنى الحقيقي لهذا الحديث إلا بعد الثورة الصناعية إن كنا قد فهمناه بحق.. كنا قد نسينا الجهاد، وعندما نوينا التوجه للصناعة لم نحسن موازنة الأمور فأهملنا الزراعة وتربية الحيوانات.

علماً بأن الرسول  كان يخبرنا -وقبل أربعة عشر قرناً- بما يجب علينا فعله. فقد كان متوازناً في هذا الأمر مثلما هو متوازن في جميع الأمور الأخرى. طبعا يجب أن تكونهناك زراعة وتربية الحيوانات. والدليل على هذا وجود أحاديث شريفة تحض على هذا.. ولكننا نخطئ عندما نقصر كل جهودنا في هذين المجالين فقط.

وهذا يشمل من يترك المدينة لكي يقضي حياة هادئة على قمة جبل ويبقى هناك وحده ليستغرق في تأملاته، ويشمل كذلك المزارع ومربي الحيوان الفاقدين للنشاط والحيوية في مهنتهما… إذن، فهذا الحديث الشامل يعلمنا درساً مهماً في الاقتصاد، كما يقول لنا: إنكم إن تركتم الجهاد، أو لم تمتلكوا القوة التي تؤهلكم لأن تأخذوا مكانكم اللائق ضمن التوازن الدولي فإن الله تعالى سيرسل عليكم ذُلاًّ لا يزول بسهولة.. إذ ستبقون تحت الاحتلال وتحت القهر والظلم إلى أن تعودوا إلى الإسلام وتحيون حياة إسلامية.. وهذا المعنى غيض من فيض، فلرسول الله  أحاديث أخرى عديدة حول هذا الموضوع، ولكننا نكتفي هنا بهذا الحديث. وكما أن الرسول  لم يحدد القابليات والمهارات والاستعداداتولم يضيق عليها، فإنه لم ينظر إلى القوة البدنية نظرة تحقير واستهانة، على العكس من هذا فقد قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)(16)

والذين يريدون أن يكونوا محبوبين من قبل الله تعالى عليهم أن يكونوا أقوياء في أبدانهم وأقوياء في قلوبهم. أي يكونوا أقوياء في الروح بجانب القوة الجسدية. وهكذا يتبين لنا أن الرسول  لا يقول لنا: صوموا لكي تضعفوا، واضعفوا بدنيا لكي تحصلوا على رضا الله وقبوله. بل يحارب الرهبانية بقوانين الفطرة الإلهية ويوجهنا إلى هذه القوانين.

———

(9) (فيض القدير) للمناوي 2/290

(10) (كنز العمال) للهندي 3/907

(11) البخاري، البيوع، 15) ابن ماجة، التجارات، 1

(12) البخاري، الزكاة، 50، 53، البيوع، 15) الترمذي، الزكاة، 38) النسائي، الزكاة، 85) (المسند) للإمام أحمد 1/134

(13) أبو داود، النكاح، 3) النسائي، النكاح، 11) (المسند) للإمامأحمد 3/158، 245

(14) (فيض القدير) للمناوي 3/269

(15) أبو داود، البيوع، 54) (المسند) للإمام أحمد 2/84

(16) مسلم، القدر، 34) ابن ماجة، المقدمة، 10

محمد فتح الله كولن

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *