تربية الرسول  للناس وأسلوب تربيته


3- تشجيع القابليات الروحية والعقلية

عندما ظهر سيدنا محمد  بنبوته وبرسالته في ذلك المجتمع وتعرف على معاصريه، كان لمعاصريه هؤلاء استعداداتهم وقابلياتهم القلبية والروحية والعقلية الخاصة بهم، فلم يحاول النبي  طمس هذه القابليات وإضعافها، بل استغلها وحركها وقواها وجعل منها قوة عظيمة وطاقة كبيرة. ويقدم أحد المفكرين الكبار(3) أنموذج عمر ] قبل الإسلام وعمر بعد الإسلام… فعمر قبل الإسلام شخص جبار مهيب يملك الاستعداد لأن يكون رجلاً عظيماً. وقيامه في مراحل طفولته بالتسابق مع هذا أو ذاك وليِّ أعناق الإبل وصرعها قد يكون إشارة إلى بذرة نفسه.. أما عمر بعد الإسلام فهو الإنسان الرقيق الحساس الذي يحذر من أن تطأ قدمه نملة، وكان إحساسه المرهف وشفقته إلى درجة جعلته يقول: …والله لو مات جمل ضياعاً على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه(4) وهكذا بلغ عمر وأمثاله إلى مستوى فوق مستوى البشر، وذلك بالتربية التي تلقوها عن الرسول …

أجل، فقد استطاع الرسول  أن يربي أمثال هؤلاء الرجال من بين أولئك البدو المتخلفين الملتزمين بعاداتهم وعنجهياتهم بتعصب لا مثيل له. والآن لنشرح هذا الموضوع بمثال صغير شرحاً مختصراً: تحاول الدولة بكل وسائلها ووسائطها وإمكانياتها مكافحة عادة التدخين -التي تعد عادة بسيطة- فلا تستطيع ذلك، بل لا تستطيع مجرد خفض نسبة التدخين -المستمرة في التصاعد- إلى نسبة معقولة. ولا تعجز دولتنا فقط في هذا الموضوع، بل تعجز كل دول العالم، هذا بالرغم من كل المحاضرات وكل المقالات وكل الندوات التي تعقدها لمكافحة هذه العادة. ومع أن العلم وعالم الطب يصرحان بأن التدخين يؤدي إلى الإصابة بسرطان الحنجرة والرئة وسقف الفم، ومع أن الإحصاءات تقول إن نسبة الإصابة بهذه الأمراض نسبة كبيرة قد تبلغ 95% إلا أن كل هذهالجهود وهذه المعلومات والإحصاءات لا تفيد في مكافحة عادة التدخين. إلا أن أهل ذلك العهد كانت لهم عشرات العادات الضارة التي تشربتها نفوسهم واختلطت مع دمائهم فأصبحت أقوى بكثير من عادة التدخين، ولكن رسول الله  استطاع بنفحة واحدة أن يزيل هذه العادات الضارة. وأن يزينهم بدلاً منها بعادات جميلة وبخلق حسن وبخصال حميدة إلى درجة كانت ملائكة السماء تغبطهم عليها وتتعجب فتقول: …عجباً! هؤلاء ليسوا ملائكة.. ولكنهم أفضل منها. وفي يوم الحشر عندما تكاد أنوار هؤلاء تطفئ نار جهنم ستذهل الملائكة وتقول: من هؤلاء؟ أهم من الأنبياء أم من الملائكة..؟(5) إنهم ليسوا بأنبياء ولا ملائكة ولكنهم أفراد من أمة محمد  نشأوا على تربيته وتربوا على مبادئه.

كان عبد الله بن مسعود ] يرعى غنم عُقبة بن أبي مُعيط،(6) فأخذه النبي  وجعله من أصحابه ومن تلاميذه وجعل منه مرشداً كبيراً بحيث يمكن القول إنهصاحب مدرسة الكوفة.. هذه المدرسة التي خرجت علماء أمثال علقمة وحمّاد والثوري وأبي حنيفة حيث كان كل منهم قمة في ساحة علمه وقد استقوا معظم مصادر علومهم من ابن مسعود ] الذي كان في الجاهلية راعي إبل وغنم… وهكذا جعل رسول الله  من راعي الغنم مثل هذا الشخص العبقري.

هناك بعض علماء الإسلام الذين أصبحوا موضوعاً للدراسة من قبل علماء الغرب منذ سنوات وكتبت حولهم مجلدات عديدة.. أحد هؤلاء العلماء هو أبو حنيفة ] الذي يعد …سولون (Solon) و…حَمّورابي في مرتبة تلاميذه حسب رأى أحد المفكرين… بينما يُعد هذا الرجل العظيم أي أبو حنيفة تلميذ تلميذ تلميذ ابن مسعود راعي الغنم وتلميذ رسول الله … وأنا لا أريد هنا التهوين من شأن أبي حنيفة حاشا لله ولكني أريد بيان عظمة أستاذهم. أجل، فبفضل تربية الرسول  وتنشئته ظهر هؤلاء العظام بعد أن لم يكونوا شيئاً يذكر.. فقد تم إخراج الحي من الميت، وجعل الفحم ماساً.

وبفضل التربية نفسها استطاع عبد بربري، أن يعبر برج هرقل وأن يغير اسمه لكي يقول لأهالي بلاد ما وراء البحار ما لم يسمعوه من قبل، ويعرض أمامهم ما عجزت عقولهم عن إدراكه… فأوروبا قبل تعرفها بالإسلام ما كانت لتعرف معنى الرغبة في الشهادة واستحقار الحياة واستصغارها والشوق إلى الموت وإلى الشهادة، لذا فإنها لم تفهم كيف يقوم طارق بن زياد ومعه اثنا عشر ألف مقاتل بحرق سفنه والالتحام في قتال ضارٍ مع (90­- 100) ألف من جيش أعدائه الإسبان والاستمرار في القتال حتى في أقسى الأحوال وأكثرها مدعاة للتشاؤم واليأس… لقد ذهلت منه… ذهلت من هذا الشخص الذي يحارب جيشاً يبلغ تقريباً تسعة أضعاف جيشه ويجمع جيشه ليقول لهم:

…أيها الناس! أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام.

والتأريخ يقول لنا إن القتال لم يستمر سوى عدة ساعات انتصر بعدها جيش طارق انتصاراً كبيراً على أعدائهم.. ولم يلبث طارق إلا وكان في قصر طُلَيطُلة / توليدو (Toledo) حيث توجد فيه خزائن الملك الإسباني.. إذن، فانظر إلى حال هذا القائد الذي كان من قبل عبداً… انظروا إليه لكي تدركوا ما يفعله الإسلام عندما ينفخ معانيه في القلوب وفي النفوس.. لقد وضع طارق قدمه على خزائن الملك قائلاً: …يا طارق! لقد كنت من قبل عبداً، فأعتقك الله وجعلك قائداً، ونصرك ففتحت الأندلس وأنت الآن في قصر الملك، ولكن لا تنسى فغداً ستكون بين يدي الله.

يا سبحان الله..! ما هذا الفهم العميق!! المعتاد هنا أن الشخص الوضيع عندما يصل إلى القمة يحمل معه عقدة النقص فيتظاهر بالكبرياء وبالغرور ويكون دائم الفخر بنفسه ودائم الحديث عنها إلى الناس. هذا ما نراه لدي الذي تسلطوا على رقاب الأمة. ما هذه التربيةالمذهلة التي جعلت من عبد شخصاً عزيز النفس كريمها، وجعلت منه إنساناً يراقب نفسه ويحاسبها بدلاً من الوقوع في خلق الخسة كما كان منتظراً من غيره في مثل هذه المواقف.

ومن الذين نشأوا في ظلال تربيته عُقبة بن نافع الذي فتح إفريقيا من أقصاها إلى أقصاها. وعندما بلغ المحيط الأطلسي خاض بجواده البحر حتى الركبة قائلاً: …يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك(7) ويتناول الشاعر التركي …عبد الحق حامد هذا الموضوع في مسرحيته …طارق بن زياد فيقول: …لا أدري أهذا القول من عُقبة بن نافع أسمى أم قول الملائكة في السماء؟(8) أجل، هذا هو عُقبة بن نافع… تلميذ من تلاميذ محمد .

لقد كان  يتناول الإنسان من جميع جوانبه العقلية منها والقلبية والروحية والوجدانية دون أن يهمل أو يطمس أي قوة منها، بل نشطها جميعاً وحركها كلها فأخرج من أفسد الناس أفضل الناس. وتسجيله كل هذا النجاح وكل هذا التوفيق في التوجيه وتربيته القابليات -وبهذا القدر من الإصابة ومن التفوق- دليل آخر من أدلة نبوته، ولا يمكن تقديم أي تفسير آخر في هذا الصدد، لأنه لم يعرف الإحباط أو الفشل أو الإخفاق في هذا الموضوع.

———-

(3) المقصود هو الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي. (المترجم)

(4) (تاريخ الأمم والملوك) للطبري 5/195) (حلية الأولياء) لأبي نعيم 1/53) (الطبقات الكبرى) لابن سعد 3/305

(5) (مجمع الزوائد) للهيثمي 10/360

(6) (المسند) للإمام أحمد 1/379) (الطبقات الكبرى) لابن سعد 3/150

(7) (الكامل في التاريخ) لابن الأثير 4/106

(8) (طارق) لعبد الحق حميد طرخان (باللغة التركية)

محمد فتح الله كولن

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *