العولمة الثقافية وتنميط الفكر الإنساني


 

يَحْكي “سرْْج لاتوش” في  كتاب “تغريب العالم”(1) عن ما أسماه التأحيد الكوني Uniformisation planétaire  فيقول : خلال سنة 1985، وأنا أتجول في شوارع الجزائر العاصمة مع أحد قدماء طلبتي، بادرني بالقول : “أنظر، إن الشوارع فارغة، إنه  موعد بث مسلسل دالاس، وكان الأمر فعلا ملفتا للنظر في مدينة تتميز بالصخب والازدحام، إن هذه  الظاهرة تبرز مع عالمية وسائل الإعلام قضية العولمة  شبه التامة، التي لا تمس إلا جانبا من جوانب وجودنا، ولكن بشكل عميق جدا”… لقد خرج العالم الإسلامي مثخنا من هيمنة الاستعمار العسكري، غير أن هذا النوع من الاستعمار رغم قسوته ودمويته يبقى شكلا تقليديا من أشكال التغريب والسيطرة، بيد أن أحدث طريقة للتغريب هو الذي   عرف إبان الحقبة الاستعمارية، فأندونيسيا مثلا، رغم الاستعمار القاسي الذي عرفته على يد البرتغال والذيكان قصيرا نسبيا، ثم على يد الهولنديين والذي يوصف بحدته عادة، استطاعت أن تحافظ على جوهر عاداتها وتقاليدها، ولكن بضع سنوات من السياحة كانت كافية لتحطيم نمط حياتها بعد الاستقلال(2).

إن سعي الغرب إلى تنميط الكون لم يكن وليد اللحظة، وما نهاية التاريخ “لفرانسيس فوكوياما” إلا خلاصة لهذه المحاولات، فقد كتب بنجامين كوستن Benjamin Costaut سنة 1813 يقول : إن  الحديث  الذي يتردد على الألسنة  اليوم هو حديث التأحيد : نفس الرموز، نفس المعايير، نفس القوانين والنظم، وقد يتدرج بنا الأمر إلى توحيد اللغة  نفسها، ونسعى إلى تحقيق الكمال في كل   تنظيم اجتماعي، ونأسف لعدم قدرتنا على نسف كل المدن لإعادة بنائها وفق تصميم واحد، وأستغرب  كَوْنَنا لم  نَأْمر بعد بحمل الناس على نفس  اللباس  حتى لا يصطدم وينزعج “السيد” يقصد -الانسان الغربي- برؤية مناظر مشينة(3).

إن ما يسمى الآن بالثقافة العالمية، ماهو في الأصل سوى ثقافة المجتمعات الغربية، وأن الفكر العربي والفكر غير الغربي عموما لم يسهم بأي شكل من الأشكال في صياغة هذه الثقافة التي تم فرضها بكل الوسائل، وجعلها غاية ما يتوصل إليه الفكر البشري، فهذا الفكر المتعالي يكشف عَما أسماه إدوارد سعيد في كتابه استشراق التمحور العميق حول الذات :

إن الولايات المتحدة تسعى إلى فرض نمط واحد من الحضارة، وهو ما تحدث عنه “مونتسكيو” حين كتب في “رسائل فارسية” عن تعود الشرقيين على الاستبداد، وانه بمثابة طبيعة ثابتة لديهم، بينما الفكر السياسي في أوربا والولايات المتحدة يرى في الديمقراطية الليبرالية غاية كل تطور سياسي، وأن التنمية الحقة لا يبدو أنها تقود إلى هذا الشكل من أشكال التنظيم السياسي(4) إن فوكوياما لم يضف جديدا في كتابه “نهاية التاريخ” عما جاء به مونتسكيو، سوى إظهار نوع من الحدة في الطرح وأمثلة للإقناع، أماالخلفية والكبرياء فواحدة.

————-

1- Serges Latouche : lصoccidentalisation du Monde la decouverte Paris 1989

2- سرج لاتوش ـ تنميط  العالم، ترجمة وتعليق مصطفى لمرابط ومحمد أمزيان، مجلة  المنعطف    المغربية عدد 11 ص 41-1416/1995.

3- نفسه ص 45.

4-  الفكر العربي والغرب ـ د علي  الدين  هلال،   مجلة الدوحة   القطرية عدد 112 ص 32- 33- 34- 1985/1405.

ذ.أحمد الأشهب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *