العقيدة الإسلامية بين الفكر والممارسة


الذي يلقي نظرة سريعة في كتب العقيدة التي يدرسها طلبتنا اليوم في المعاهد الشرعية وفي المؤسسات التي تعنى بالدراسات الإسلامية يجدها ما تزال تحفل بتلك النظريات الكلامية المعقدة والجدال المرير،الذي كان يدور بين مختلف الفرق التي كانت موجودة في العصر الأموي والعباسي والذي يليه، من معتزلة،ومرجئة، وقدرية، وخوارج، وفرق تفرعت عن هذه الفرق الأصلية، والذي يسوؤني حقا هو تدوين آراء هذه الفرق ودراستها على أنها جزء من مادة العقيدة، فيدرسها الطالب وهو يحسب أنه إن لم يحط بها علما فلن يفهم من مادة العقيدة شيئا، وأحسب أن هذه الفرق وآراءها لو قررت في مادة التاريخ لكان ذلك أولى وأجمل، وأحسن وأكمل، أقول هذا،في الوقت الذي أرى فيه أن الطالب عندما يدرس آراء هذه الفرق، ينظر يمنة ويسرة عله يلقى لها على أثر فلا يسمع عنها شيئا، بل إنه ليسمع عن فرق جديدة، ظهرت بأثواب مختلفة وأفكار متباينة قد تكون استفادت من الفرق المتقدمة، لكنها غيرها على كل حال، والذي أريده في الحقيقة، من هذه المقالة أمرين اثنين :

الأمر الأول : أن تجرد مادة العقيدة والتوحيد عن الخلافات التاريخية سواء منها تلك التي كان منطلقها فكريا محضا، أو تلك التي كانت منبثقة عن وجهات نظر سياسية مختلفة، وخليق بهذه الآراء أن تقرر في المواد التي تعنى بالتاريخ السياسي للأمة الإسلامية، أو التاريخ الاجتماعي والحضاري.   أما أن تضاف إلى صلب العقيدة فلا، حتى لا يتوهم الطالب والدارس أن الإيمان بتلك الأفكار هو جزء لا يتجزء من المعتقد.

الأمر الثاني : وهو الأمر الأساسي والجوهري الذي أود التأكيد عليه وطالما عرضته على كثير من الطلبة والأساتذة، ألا وهو الاهتمام بالجانب التطبيقي والعملي للعقيدة، فإن مادة العقيدة هي في حقيقتها أصول ومعتقدات تستقر في العقل والقلب يكون لها أثر في الواقع، وهذا الأثر هو الذي نتلمس وجوده بيننا فلا نكاد نجد له أثرا إلا من رحم الله وقليل ما هم، وكأننا فصلنا بين ما نعتقد وبين ما نعمل،ونحن في الواقع عندما نـتأمل حياة الجيل الأول من الصحابة والتابعين الذين كانوا يفهمون هذه العقيدة على الوجه الصحيح والأكمل نجد أنهم كانوا يستجيبون دوما لكل ما يعتقدون،وكانت تلك الاستجابة بارزة في سلوكهم وأعمالهم وسوف أضرب لذلك أمثلة : من الأصول العقدية التي يؤمن بها كل المسلمين أن الله سبحانه وتعالى هو الرازق، وأنه قال لنا إن ما أنفقناه في سبيله فهو يخلفه، هذا أصل عقدي مهم لا يماري فيه مسلم، ولا يختلف حوله اثنان، لكن تعالوا لنقارن أثر هذا الإيمان في حياة الجيل الأول، وأثره في حياتنا نحن اليوم،إن أبا طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه عندما نزل قول الله عز وجل : {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}.  تصدق ببستانه بيرحاء وجعلها صدقة في أقاربه وفيها سبعمائة نخلة، وذلك لإيمانه العميق، ويقينه الصادق أن الله تعالى سيخلف له ما أنفق، فهو الذي يقول : {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه}. فكم سمع جيلنا هذه الآية تتلى، وكم عدد أولائك الذين استجابوا لها؟ ولنضرب أيضا مثلا آخر حتى يتضح المقصود ويظهر المراد، إن المسلمين جميعا يؤمنون إيمانا صادقا لا يخالطه ريب، ولا يدانيه شك أن اليوم الآخر آت لا محالة، وأن الدار الآخرة حق، وأن الجنة حق وأن النار حق، هذه عقيدة يؤمن بها كل المسلمين،لكني أتساءل أين هو اثر هذا الإيمان في سلوكنا اليومي ؟ إن الجيل الأول الذي آمن بهذا الأصل كان دوما يترقب الموت، ويخشى لقاء الله، وكان أحدهم إذا ذكرته بذلك اليوم اصفر لونه، وانزجر عما حرم الله، والأمثلة على ذلك لا تحصى، لكن أين أثر هذا الإيمان باليوم الآخر في جيلنا؟ إن إيماننا باليوم الآخر ليست قضية فكرية عقلية نحتفظبها في الدماغ أو القلب،ونجادل فيها مع الممارين ونقيم الحجج والبراهين والأدلة العلمية والعقلية والنقلية لإثبات هذا الأصل حتى إذا ما قدمنا لنرى أثر هذا الإيمان في السلوك لم نجد شيئا، كلا بل هذا الإيمان يحتم علينا أن نراقب سلوكنا ونحاسب أنفسنا، ونكون دوما على أهبة الاستعداد لذلك اليوم حتى نكون حقا قد جمعنا بين الفكر والممارسة، بين العقيدة والتطبيق، إنني أضيق ذرعا بأولائك الذين يقيمون الحروب، ويسودون الصفحات، ويجادلون طويلا في بعض القضايا التي قد تكون من صلب العقيدة، وقد تكون مما أدرجت فيها، لكني عندما أنظر في سلوكهم لعلي أرى أثرا لذلك المعتقد لا تقع عيني على شيء من ذلك، أذكر أنني سمعت من أحد أساتذتنا يوما قصة قال فيها: إن أحد علماء الكلام كان مشهورا جدا وكان له تلامذة وأتباع ومريدون،فمر ذات يوم في حي كانت تسكن فيه عجوز مسنة، فسمعت المرأة جلبة وصياحا فسألت من يكون هذا ؟ قالوا لها : هذا الذي أقام ألف دليل على وجود الله، قالت لهم : لو لم يكن في نفسه ألف شك لما أقام ألف دليل.

وهل يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل، هل وجود الله يحتاج إلى دليل؟.

واعجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آيــة تدل على أنه واحــد.

إن فطرة هذه المرأة خير من تلك الأدلة العقلية والفلسفية والكلامية التي ساقها ذلك العالم، فالعربي بفطرته النقية قال : البعرة تدل على البعير، والمشي يدل على المسير، وسماء ذات أبراج، وجبال ذات فجاج، ألا يدل ذلك على وجود الإله القدير؟.

أعتقد إذا أن ما يجب التركيز عليه في هذه المادة هو أثر العقيدة في النفوس والقلوب والسلوك، حتى نخرج من عالم الأفكار والنظريات، إلى عالم السلوك والأخلاق والأعمال، فنجمع بين العقيدة وثمرة العقيدة.   وللحديث في هذا الموضوع بقية إن شاء الله.

سعيد بن أحمد بوعصاب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *