الرسول  في رسائل النورسي


5- منهاج السنة والإخبار بالغيب

منهاج السنة

في  الرسالة التي تتضمنها اللمعة الرابعة من اللمعات …ص 28 – 38، والتي ارتأى النورسي تسميتها بـ …منهاج السنة، معالجة موجزة لمسألة محبة آل البيت …رضي الله عنهم، وتطورها في مراحل تالية الى الانقسام المعروف بين اهل السنة والجماعة وبين الشيعة وهي مسألة ذات بعد تاريخي يخرج زمنياً عن اطارات السيرة والسنة النبوية الشريفة، ولكنها بسبب من تجذرها هناك، في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يمكن اعتبارها اضافة اخرى يغنى بها النورسى معطياته عن الموضوع.

يستشهد النورسي بالآيتين الكريمتين …128 – 129، من سورة التوبة: {لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت و هو رب العرش العظيم} وبالآية …23، من سورة الشورى {قل لا أسألكم عليه اجراً الا المودة في القربى}.

ينتقل النورسي في ضوء هذه الآيات من العام الى الخاص، من رأفة الرسول  بأمته كلها وشفقته عليها ورحمته بها، الى محبته لآل البيت وشفقته عليهم ورحمته بهم ودعوة المسلمين جميعا الى التأسي به، وهو يضرب مثلا على مكانة الحسن والحسين رضي الله عنهما من نفس رسول الله .

ثم ما يلبث النورسي ان يغادر عصر الرسالة موغلاً في عصر الراشدين …رضي الله عنهم، والفترات التي تليه ، حيث اخذت بدايات الانقسام تطل برأسها، فيما يخرج بنا عن الموضوع فلا مسوغ لمتابعته. وهو يرى ان المنهاج المطلوب ازاء هذا كله هو عدم الافراط والتفريط والاستقامة على الحد الوسط الذى اختاره اهل السنة والجماعة في محبة آل البيت، دونما غلو او انحراف تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويدعو سائر الاطراف الى تجاوز النزاع …الذي لا معنى له ولا حقيقة فيه ، وهو باطل ومضر في الوقت نفسه(1)..

الإخبار بالغيب

في صفحات عشر تنطوي عليها اللمعة السابعة …ص 40 – 49، يتحدث النورسي عن سبعة انواع من اخبار الآيات الكريمة بالغيب، وما يجعلها ذات علاقة بالسيرة انها تجئ تعقيباً على الآيات الكريمة …27 -29، من سورة الفتح التي تتحدث عن رؤيا رسول الله  بدخول المسجد الحرام وتصديق الله سبحانه لها بالحق، وعن ظهور الاسلام على الدين كله، وعن صفات رسول الله  واصحابه …رضوان الله عليهم،.

ويجد النورسي نفسه هنا قبالة التاريخ، اى قبالة احداث السيرة التي تنبئ بها وتتحدث عنها الآيات المذكورة، وازاء الجيل الفريد الذي رباه الرسول المعلم عليه افضل الصلاة والسلام.

ولا يجد النورسي نفسه ملزماً بالرجوع الى مصادر السيرة او اسباب النزول. انه – كشأنه في معظم الحالات – يستمد تحليله من خزينه المعرفي وذاكرته الحادة.

وهو يتحدث في رسالته الموجزة هذه عما يسميه بوجوه اعجازية عديدة: الرؤيا التي تخبر إخبارا قاطعاً بفتح مكة قبل وقوعه بسنتين.. صلح الحديبية الذي وإن بدا ظاهراً انه ليس في صالح المسلمين وان لقريش ظهورا عليهم الى حد ما، الا انه سيكون بمثابة فتح معنوى مبين ومفتاحا لبقية الفتوحات.. دخول البيت الحرام والطواف حول الكعبة بامان تام دونما خوف، رغم ان معظم قبائل الجزيرة العربية حوالي مكة، وغالبية قريش اعداء للمسلمين وهو اخبار ينطوى ايضا على حقيقة ان الجزيرة ستدين للمسلمين بالطاعة وستكون قريش في حظيرة الاسلام ويعم الامن والامان .. ظهور الاسلام على الاديان كلها ، علماً ان النصرانية واليهودية والمجوسية التي يعتنقها مئات الملايين من الناس، كانت ادياناً رسمية لدول كبرى كالصين وايران وروما، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لم يظهر بعد ظهورا تاما على قبيلته نفسها .. تقويم جيل الصحابة الكرام بانهم افضل بنى الانسان بعد الانبياء عليهم السلام، وما ستتميز به طبقات الصحابة في المستقبل من صفات ممتازة مختلفة خاصة بهم.. الاخبار عن اوصاف الصحابة الواردة في التوراة والانجيل وهي في حكم الغيب بالنسبة لرسول امي  .

وثمة سؤال مهم يثيره النورسي في سياق تعامله مع الآيات المذكورة: ان صحابة الرسول الكريم وهو حبيب رب العالمين، قد غلبوا امام المشركين في نهاية معركة احد وبداية معركة حنين، فما الحكمة في هذا؟

وما يلبث ان يجيب قبل ان يمضي لمتابعة الدلالات التاريخية لآيات سورة الفتح: انه حينذاك كان بين المشركين كثيرون من امثال خالد بن الوليد ممن سيكونون في المستقبل مثل كبار الصحابة في ذلك الزمان، فلأجل ألا تكسر عزتهم كليا اقتضت حكمة الله ان تكافأهم مكافأة عاجلة لحسناتهم المستقبلية، بمعنى ان صحابة في الماضي غُلبوا امام صحابة في المستقبل لئلا يدخل هؤلاء – اى صحابة المستقبل – خوفاً من بريق السيوف بل شوقاً الى بارقة الحقيقة، ولئلا تذوق شهامتهم الفطرية الهوان كثير(2).

وقد لا نتفق مع النورسي في استنتاجه هذا، فحكمة الله سبحانه من هزيمة المسلمين في احد وبدايات حنين اكبر بكثير من مصائر الاشخاص وهي – كما حدثنا القرآن الكريم نفسه – ترتبط بمسألة السنن التاريخية، او ما يسمى بقوانين الحركة التاريخية التي شاءت ارادة الله سبحانه ان ينهزم المسلمون هنا وهناك لكي يكونوا اكثر وعيا بهذه السنن والتزاما بمطالبها اذا ارادوا حقا ان ينتصروا على اعدائهم وان يكونوا الاعلون في الارض.

————

1- اللمعات ص 38.

2- نفسه ص 41.

أد.عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *