الرسل عليهم الصلاة والسلام، والمدافعة بين ثقافة الرحمة وثقافة الاستكبار


3- الرسول   بين الحاقدين والمنصفين

لقد عانت البشرية الويلات من ثقافة الاستكبار وأمام هذا الوضع بالغ السوء أدرك العقلاء في البشرية من العرب ومن العجم : أن المآسي المحيطة بالبشرية لا يمكن أن تزول إلا بدين حق، يعتمد كلمة الله تعالى وكلمة رُسُله عليهم الصلاة والسلام، ويرفض الشرك بكل أصنافه : الشرك الديني لدى اليهودية والمسيحية، والشرك الوثني لدى العرب وغيرهم، وهكذا تحرك زيد بن عمرو بن نفيل بن الخطاب فيما يرويه الإمام البخاري، من مكة نحو الشام أرض الأنبياء، باحثا عن الدين الحق، فقال لحبْرٍ يهودي في الشام :

إني لعلي أن أَدين دينكم، فأخبرني.

فقال الحبر اليهودي : لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله.

فقال زيد بن عمرو بن نفيل : ما أفِرُّ إلا من غضب الله، ولا أَحمل من غضب الله شيئا أبدا، وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟

قال الحبر اليهودي : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا.

فقال زيد : ومال الحنيف؟

قال الحبر : دين إبراهيم، لم يكن يهوديا، ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله.

فخرج زيد فلقي عالما من النصارى، فذكر مثله، فقال عالم النصارى : لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله.

فقال زيد بن عمرو بن نفيل : ما أَفَِرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا، وأنى أستطيع ذلك ؟ فهل تدلني على غيره؟

قال عالم النصارى : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا.

قال زيد : وما الحنيف؟

قال عالم النصارى : دين إبراهيم، لم يكن يهوديا، ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله.

فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم، عليه السلام، خرج، فلما برز رفع يديه فقال : اللهم إني أشهد : أني على دين إبراهيم(1).

ثم قال زيد بن عمرو بن نفيل لأحد أصدقائه، وهو عامر بن ربيعة : أنا أنتظر نبيا منبني إسماعيل، يبعث، ولا أراني أُدركه(2), وأنا أومن به ، وأُصدِّقه، وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة فأقرئه مني السلام.

قال عامر بن ربيعة : فلما أسلمت أعلمت النبي  بخبره، فرد عليه السلام، وترحم عليه، وقال : رأيته في الجنة يسحب ذيولا، وقال : يبعث يوم القيامة أمة وحده(3).

وخرج سلمان الفارسي من المعبد الذي كان يقيم عليه للنار المجوسية في أَصبهان بشمال إيران، باحثا عن الحق الذي خرج من أجله زيد بن عمرو بن نفيل، فقال له راهب نصراني في عمورية بالعراق نفس ما قاله الحبر اليهودي والعالم النصراني لزيد بن عمرو بن نفيل، في الشام، بَشَّرَهُ بنبي يبعث قَرُبَ زمانه :

قد أَظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم ، يخرج بأرض العرب، مهاجرا إلى أرض بين حرتيْن(4)، بينهما نخل، به علامات لا تخفى : يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل(5).

وبعث الرسول محمد بن عبد الله  بإحياء ملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، القائمة على التوحيد الخالص، وعلى عبادة الله وحده، عقيدة، وشريعة، وأخلاقا، أعني بعث بمقومات ثقافة الرحمة :

{ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين}.

{إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبيء والذين آمنوا}(آل عمران : 66-67).

وهم الباحثون عن الحق بالبعثة النبوية في مكة، فاتصلوا برسول الله ، وكان من أوائل المسيحيين الذين اتصلوا به : ورقة بن نوفل ابن عم أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها. قال للرسول ، وقد قصّ أمامه ما حدث له في غار حراء :

هذا الناموس(6) الذي نزل الله على موسى، ياليتني فيها جَذَعا إذ يخرجك قومك. فقال الرسول  : أَوَ مخرجيَّ هم؟ قال ورقة : نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا(7).

فآمن ورقةبن نوفل برسول الله ، وقد قال عنه ] : >لا تسبُّوا ورقة، فإني قد رأيت له جنة أو جنتين<(8).

وفي المدينة المنورة ومباشرة بعد الهجرة النبوية، جاء إلى النبي، وهو في دار أبي أيوب الأنصاري، الحبر اليهودي عبد الله بن سلام، فسأل الرسول ، عن ثلاث مسائل : قال عنها، فما كان من الحبر إلا أن قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله(9).

ومن المدينة المنورة، وبعد صلح الحديبية سنة 6هـ كتب رسول الله  كتابا إلى أكبر علماء النصرانية بروما مركز المسيحية وهو الأسقف الأكبر ضغاطر، فآمن الأسقف الأكبر برسول الله ، ونزع الملابس السوداء للرهبان، ولبس لباسا أبيض وخرج يدعو إلى  الاسلام، فضربه المسيحيون ورهبانهم، حتى أكرمه الله تعالى بالشهادة في سبيله(10).

وفي مقابل هذا الموقف الإيجابي للمسيحيين واليهود الباحثين عن الحق، وللحنفيين العرب وبعض من كانوا وثنيين، كان موقف المستكبرين الرفض والعداء للرسالة وللرسول، سواء في ذلك اليهود أو النصارى، أو الوثنيون العرب، كأبي جهل، وأبي لهب، وحُيي بن أخطب وأمثالهم، الذين أعلنوا تعجبهم من دعوة الرسول محمد ، إلى عبادة الواحد الأحد، وقد كانت الديانة الأخيرة تدعو إلى عبادة ثلاثة : الأب، والابن، والروح القُدس، أو اثنين : الأب والابن وحدهما لدى بعض النصارى  واليهود {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق}(ص : 4-7).

{وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يوفكون}(التوبة : 30).

وصابر الرسول  في مواجهة ثقافة الاستكبار كما صابر الرسل أولو العزم مِنْ قبله : نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكان عليه السلام يردد ما كان يردده نوح عليه السلام : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون(11).

وبعد 23 سنة من تنزل القرآن المتوازي مع البيان النبوي، وبعد جهاد متواصل باللسان، وبالمال، وبالنفس للنبي  وللصحابة رضوان الله عليهم اكتملت رسالة الرحمة، ونزل قوله تعالى ممتنا بهذا الاكتمال في حجة الوداع.

{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا}(المائدة : 4).

فما هي ملامح الرحمة في منهج الإسلام الخاتم، الذي حمله الرسول ، وتمثَّله، ودعا إليه، وأمر المسلمين بتمثله، والدعوة إليه؟ وما هي ملامح الرحمة في أوصاف الرسول  وفي خصائصه.

هذا ما سنتعرف عليه في حلقاتنا القادمة بحول الله.

————

1- صحيح الامام البخاري فتح الباري، ج، 7، ص : 142، رقم 3.826 والمعجم الكبير للطبراني، رقم : 4.663

2- توفي زيد بن عمرو بن نفيل قبل البعثة النبوية بخمس سنوات.

3- نفس المصدر

4- الحرة أرض ذات حجارة سوداء، وللمدينة حرتان من جهتين.

5- صفة الصفوة، ج : 1، ص، 201، لعبد الرحمن ابن الجوزي.

6- صاحب السر أي الوحي، وهو جبريل عليه السلام.

7- صحيح الامام البخاري بشرف فتح الباري، ج 1، ص، 23، رقم : 3.

8- مستدرك الحاكم، ج 2، ص 609، وصححه الألباني في الصحيحة، رقم : 405.

9- صحيح الإمام البخاري بشرح فتح الباري ج7، ص : 272، رقم :3.938

10- طبقات ابن سعد، ج : 1، ص : 276، و   النبي[ ج2، ص : 92.

11- صحيح الامام مسلم. رقم : 1.792

د.محمد الحبيب التجكاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *