متى  نعمل؟


هذا السؤال قد يوحي بظاهره وبمعناه القريب إلى من يمر على  العنوان مر الكرام أن الأمر يتعلق بالبحث عن سوق الشغل، ومن كان فهمه كذلك ففهمه مُبَرَّرٌ، ذلك أن واقع عالمنا العربي والإسلامي قد نال من البطالة حظه الأوفى، ونصيبه الأقوى. ومع ذلك فالسؤال عن زمنية العمل : (متى نعمل) لم يَرُمْ حط الرحال ههنا، ولم يكن ذلك مربط فرسه الأسمى.

لا، لأن (السؤال) يهدف إلى الترقية به إلى مستوى سلم القول. بصريح العبارة نتساءل عن متى تعادل أقوالنا أعمالنا، ومتى نجسد في حياتنا مقولة الملك فيصل الشهيرة : “نحن قوم نريد أن تكون أقوالنا أفعالا، ولا نريد أن تكون أفعالنا أقوالا”؟.

إنن عالمنا العربي الإسلامي لا يشكو خصاصا في الأقوال، وإنما يشكو خصاصا في الأعمال، فأزمتنا أزمة أعمال لا أزمة أقوال، حيث إن الانسان في عالمنا هذا، يكاد تنعدم عنده أدنى صعوبة في تقلي العلم والمعرفة ـ ولاسيما الميسورين ـ فنحن نتلقى العلوم والمعارف صباح مساء في المدارس، والجامعات، إضافة إلى خطب الجمعة والوعظ والإرشاد ومحو الأمية وتنظيم المحاضرات في مختلف المناسبات… علاوة على  ذلك أمست القنوات الفضائية التي فتحت الأبواب على مصراعيها تساهم بقسط لا يستهان به في ترويج العلم والمعرفة ـ وطبعا لمن يحسن استغلالها واستخدامها.

ورغم توفر كل هذه الجهود وتظافرها، فلم لم نر لذلك أثرا في سلوكنا وحياتنا وواقعنا؟ ترى أين الخلل؟

صحيح أن العمل متوقف على العلم، وأن العمل بدون علم سقيم، ولكن لا ينبغي أن ننسى أن العلم بلا عمل عقيم، ولكي نخرج من المأزق علينا أن نجمع بينهما الصراط المستقيم، أكثر من هذا إن شرعنا الحكيم، يعتبر العلم أفضل من العبادة باعتبارها متوقفة عليه وهو ما يومئ إليه حديث حبيبنا محمد  “فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم”(جامع الترمذي. كتاب العلم، باب : ما جاء في فضل الفقه على العبادة رقم الحديث 2685).

إنه ليس عبثا ولا من باب الصدفة أن يكون أول فعل ابتدأ به نزول القرآن هو : “اقرأ” و”اقرأ” فعل أمر، والأمر يفيد الوجوب. كما تقرر أصوليا، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى لم يفرض علينا في الوهلة الأولى  الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الجهاد، وإنما فرض علينا القراءة : لأن القراءة هي مفتاح كل شيء وهذا غيض من فيض، وإلا، فالآيات والأحاديث التي تبجل العلم وترتب الجزاء الأوفى للمشتغلين به في غنى عن بيان، وحسبنا أن الله سبحانه نفى المساواة بين من يعلم ومن لا يعلم في قوله : {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}(الزمر : 9)، وجعل المدخل الصحيح إلى خشية الله هو العلم في قوله بأسلوب القصر والحصر : {إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ}(فاطر : 28).

والخشية هي سبب الرضى لقوله تعالى : {رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه}(البينة : 8).

وإذا كان العلم تحصل بفضله الخشية من الله… فإنه قد يكون مكسرا لهذه الخشية بل ومبعدا عنها، إذا لم يكن قائما على أسس صلبة ومتينة، أُمًُّ هذه الأسس : أن يعمل الانسان بما علم، وأن يطبق ما يقول، إذا فالعلم الصحيح، والقول المبارك يقتضيان المبادرة والفعل، وإن كان العلم والتعليم مطلوبين فليسا كافيين للخروج من أزماتنا وفك معاناتنا.

أريد أن أقول : إننا في حاجة ماسة إلى أن يكون أساتذنا ومعلمونا ومرشدونا ووعاظنا ومن سار في فلكهم قدوة حسنة للناس. يُجَسّد ما يَتَفَوَّهون به في السلوك والواقع. حينئذ ـ بلا شك ـ ستجد دعوتنا آذانا صاغية وقلوبا خاشعة وعقولا مشتاقة وجوارح عاملة وفاعلة، أما أن نأمر الناس بالفعل وننسى أنفسنا. فهذا ضرب من الجنون لقوله تعالى : {أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}(البقرة : 43).

وقد جاء في الأثر أن الحسن البصري طُلِب منه أن يخطب خطبة في تحرير العبيد، فلم يخطب في الجمعة الموالية، ولا التي بعدها، فلما خطب في الثالثة، هَبَّ الجميع لتحرير العبيد تلبية لخطبته المؤثرة، فلما سئل عن سر تأخره : أجاب بأنه كان يجمع شيئا من المال، ليكون هو القدوة والمحرر الأول، وهذا ما حصل.

فأين أمثال الحسن البصري؟

صالحي محسن

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *