في ظل التخبط العام للمسلمين : {قُل إن هُدَى الله هُوَ الهُدى} (البقرة : 119)


في ظل التخبط العام للمسلمين :

{قُل إن هُدَى الله هُوَ الهُدى}

(البقرة : 119)

إن الإسلام نِعْمةٌ ربّانية فمن قَبِلها واهتدى بهَدْيها، وشكر الله تعالى عليها شكراً يليق بجلاله، ويليقُ بالنِّعْمة المُهْداة له كان من الفائزين دُنْيا وأخرى، ومن كفر بنعمة الإسلام وجَحَد هُداها وفَضْلها كان من الأشقياء دنيا وأخرى {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم منِّي هُدًى فَمَن اتَّبَعَ هُدَايَ فلاَ يَضِلُّ ولاَ يَشْقَى. ومَن أعْرَضَ عن ذِكْري فإنَّ لَهُ معِيشَةً ضَنْكاً ونَحْشُرُه يَوْمَ القِيامَة أعْمَى. قال : رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمَى وقَدْ كُنْتُ بَصِيراً؟! قالَ كَذَلِك أتَتْكَ آياتُنا فنَسِيتَها، وكَذَلِك اليَوْم تُنْسَى، وكذلِك نجْزِي من أسْرَفَ ولمْ يُومِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ، ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقَى}(طه : 120- 125).

آيات مُحْكماتٌ حاسِماتٌ تَضَعُ المُسلم فرداً أو جماعةً أو دولةً بين أمْريْن لا ثالث لهما، هما :

< إمّا قَبُول الهدى الربانيّ بقَبوله وشروطه ولوازمه وشُموله وفي ذلك الضّمانةُ الكبرى للفوز في الدّنيا والأخرى، والوقايةُ العُظمى من كُلّ المهالك، والمعاطب دنيا وأخرى.

< وإما إعْراضٌ تامٌّ عن هُدى الله تعالى، وإسرافٌ كبيرٌ في عِصْيانه ومُحَادّاتِه وجحُود نِعمه الشاملة، فتكون النتيجة شَقَاءً على كُلّ صعيد، ومَهلكاً في كُلّ طريق، وعذاباً تِلْوَ عذاب إلى العذاب الأشَدٍّ والأبقى يوم القيامة.

وإلقاءُ نظرة عَجْلَى على العالم الإسلامي بِأُسَره، وشُعوبه، ودوله، ومؤسّساتِه وأهدافه وتخطيطاته، وحكوماته ومجالس تشريعاته، وإعْلامه وأحزابه.. يَرى ويُدرك بسُرْعة فائقة أنّه يتخبَّطُ تخبُّطاً تامّاً في كُلِّ اتجاه، ويعيشُ اضطراباً لا نظيرَ لهُ في كُلِّ ميدان.

تخبُّط وصَلَ إلى حَدِّ الضَّلال والتَّلَفِ والتّيَهان عن كُلّ معالم الطريقالمُنقِذة والمُنجية من التردّى والسقوط.

تخبُّط في :

1) العقيدة : تلِفوا عن عبادة الله تعالى وحْده إيماناً وإخلاصاً وشريعةً، فأرادُوا المُواءَمَة والمُزَاوجَة بين الله تعالى ومَن دُونه من أصْنامِ العَصْر : طاعة الله تعالى وطاعة الحِزْب الجاحِد للربوبية والألوهية، طاعة الله تعالى وطاعة النّظم المجاهِرة بالكُفران والجحود لنعمة الهداية الربانية، طاعة الله تعالى وطاعة العولمة الكفرية المؤسسة أساساً على ضَرْب الإسلام ومحاربة وجوده، طاعة الله تعالى وطاعة الحَدَاثة الوافِدة من دُوَل لمْ تذُق طَعْم الدين الصّحيح أصلاً، فاخترعَتْ لنفسها دِيناً مُنْبَثِقاً من هواها، خَدَعَت به نَفْسَها أولا، ثم خدعتْ به أصحاب النفوس الضعيفة، ثانيا.

فهؤلاء الباحثون عن المواءمة والمزاوحة يظنون أنفسهم أنهم أذْكى الناس وأنجبُهم وأفطنُهم لأنهم عَرَفوا كيف يُرْضُون الله – في ظنهم- ويُرضُونأهواءَهم وشياطينَهم في نفس الوقت. مع أن البحْث عن هذه المُزاوجَة عرَفَتْها قُريش قبلهم، وأرادُوا اسْتِمَالَة الرسول  إليها، فقالوا لرسول الله  : نَعْبُد معَك إلهكَ سنَةً، وتعْبُدُ معنا أصنامنا وآلهتَنا سنَةً، فأيْنَما كان الخَيْر -في إلَهِك أو آلِهَتِنا- لمْ يُخْطِئْنا، فقال له الله تعالى، قُلْ لهم بجَرَاءَةٍ جريئة، وبراءة صارمة : {قُلْ يَا أَىُّها الكَافِرُون لا َأعْبُدُ ما تَعْبُدون ولا أنْتُم عَابِدُون ما أعْبُد ولا أنا عَابِدٌ ما عَبَدْتُم ولا أنْتُمْ عَابِدُون ما أعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُم ولِيَ دِين}(الكافرون).

لا التقَاء لا في مَبْدَإ الطريق، ولا في وسطه، ولا في نهايته، لكم دينُكُم ولي دين، لأن دين الله عز وجل لا يُبيحُ لا نفاقاً، ولا رِياءً، ولا مخاتَلةً ومداهنةً، ولا يبيح كَذِباً وغِشاً وابتزازاً ومحاباةً، وانتهازيةً وأنانيةً، ولا يُبيحُ تدَيُّنا لجَمْع الأموال واحتكار الثَّروات، وتجْميع السُّلط للتسلط على الرقاب، رقاب الأفراد والشعوب أمّا دين هؤلاءِ المُزَاوِجين فهو يُبيحُ كلّ ذلك وأكثر من ذلك.

ولَقد فضَحَ اللّه عز وجل نفسية هؤلاء المُزاوجين قديماً وحديثاً، وكيف يغْمُرهم الفرح بالمزاوجَة المرذُولة، فقال تعالى : {وَإذَا ذُكِر اللّه وحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الذِينَ لا يُومِنُون بالآخرَة وإذاَ ذُكِر الذِينَ من دُونِه إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُون}(الزمر : 42) فَرحٌ غَامِرٌ ليس بالله تعالى، ولكن بِمن دُونَه.

وقال تعالى أيضا : {ذَلِكُم بأَنَّه إذَا دُعِي اللَّه وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْركْ بِه تُومِنُوا، فالحُكْمُ للَّهِ العَلِيِّ الكَبِير}(غافر : 11).

فأيُّ ذكاء في هؤلاء الذين يحاولون المزاوجة بين الدّين، ولا دين، وبين الكفر والإيمان، بين تطليق الدّين في الصّور العِلمانية والحداثية والمجتمعات المدنيّة، والدّول الحديثة، ودولَة القانون.. وما إلى ذلك من الشعارات البراقة الكذَّابة الخدّاعة التي خَدَعَتْ الشعوب أزْماناً وعُقوداً.. وبَيْن الدّىن العادِل الصادق الذي حَكَم على هؤلاء جميعا بالكذابين، ونهى عن المَيْل إليهم أو طاعتهم فيما يَذْهبون إليه من تحريف الأفراد والشعوب والضحك على ذُقونهم، فقال تعالى : {ولاَ تُطِع كُلّ حَلاّفٍ مَهِينٍ هَمّازٍ مشَّاءٍ بنَمِيمٍ مَنّاعٍ للخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم أنْ كان ذَا مَالٍ وبَنِينَ إذَا تُتْلَى علَيْه آياتُنَا قَالَ أسَاطِيرُ الأَوَّلِين}(القلم : 15).

2) وتخبُّطٌ في الفكر : خطورةُ هذا التخبُّط الفكري تتَجَلّى في انْعِدام مرجعيّة الانْطِلاق للتخطيط للمُسْتقْبل في أيّ أُفُقٍ من آفاقِ البِناء الحضاريّ، والبناء الاقتصاديّ، والبناء السياسيّ، والبناء الاجتماعيّ، والبناء العلميّ، والبناء التجاريّ، والبناء العسكريّ، والبناء المُخَابَراتي، إلى غير ذلك من مختلفِ الآفاق العميقة والدقيقة، فعلى أيّ أسَاسٍ تمَّ :

> تَحْيِيدُ القرآنِ العظيم من التعليم الرّسْمي؟! : إذا كُنّا مسلمين، فالقرآن أصْلُ إسْلامِنا، وإذا كُنّا نصارى أو يهوداً أو بوذيين فلْتُوضَعْ كُتب هؤلاء لتعليم هذه الديانات؟!

> وعلى أيِّ أسَاسٍ تمّ تهْمِيشُ اللُّغةِ العربيّة؟! ألِأَنَّنَا نَسْتَطِيع أن نُصَلِّيَ ونَقْرأ القرآن بغير العربية؟!  ما هي اللغة المُقترحة للقيام بهذا الدّور؟! فلْتُوضَعْ، ولْتُعْلَمْ؟!

> عَلى أيّ أساسٍ يَتِمُّ التّخْطِيطُ للاقْتِصَادِ؟! للتكافل وتقريب الفوارق الطبقية؟! أمْ لتسْمين الكبار واستغلال الصغار؟!

> وعلى أيّ أساسٍ يتِمُّ التّخْطِيطُ لسِياسَة البِلاد؟! لتَفْجير الطاقات، وتنْمية المواهب، وتحْفيز الهِمَم للْعَمل والإبْداع؟! أمْ لكَبْتِ الطّاقاتِ وإحْباطِ التّطلُّعات؟!

> وعَلى أيّ أساسٍ تُقْبَرُ مَراكِزُ البَحْثِ العِلميّ؟! أَلِأَنَّنا خَطَطْنَا للجَهْل والتّجْهِيل؟! أم أننا نريدُ أن نرفع شعاراً فريداً في العالم؟! هو شِعارُ محْو العِلْم وتعْميم الأمّية الفكريّة، والثقافية، والقَلمية، والأسريّة، والسياسيّة، والخُلُقيّة، لتَنْقَلِبَ شعوب أمَّة {اقْرَأ} إلى أمّة >اجْهَلْ< لتُسْتَحْمرَ وتُسْتَبْغَلَ ويُركَب عليْها بدون برْدعة ولا وِطاءٍ؟! فليْس عيْباً أن نكون من أمّةِ الحمير والبغال ولكِن بتخْطيط واضِحٍ، أمّا أن يُكذَبَ عليْنا بإيهامِنا أنّنا من بني آدم المُكَرّمِين والحقيقةُ أنّ التخطيط الذي يُخطط لنا هو تخطيطٌ لتخْرِيج المُسْتَحْمرين؟! فذلك هو العَيْبُ المَعيب؟! والتفكير المريض؟!

أمّا العَيْب الأكبر فهو اللّجوء بدون حَياء لتَرْقيع خُواءِ فِكْرنا بالمُرَقّعَاتِ مِن هُنا وهُناكَ بَدعْوى التفتّح والتنوّر؟! والأخْطَر والأدْهى اللجوءُإلى المُسافَحَة الفكريّة بدُون حِشْمة ولا غَيْرة؟! فنسْتأْجر فنادِقَنا وجامعتَنا ومعاهِدنا وبيوتَنا ومدارسنا لممارسة البِغاء الفكري الممْقوت؟! فهذه نَدْوةٌ للتنمية الاجتماعية، وهي في الحقيقة ندوة لقتل التنمية، وهذه ندوة للحوار الديني، وهي ندوة لاستئصال الدين الإسلامي الصحيح، وهذه ندوة لمحاربة الإرهاب، وهي في الحقيقة ندوة لترسيخ فَرْعَنَة الإرهاب الدّولي. وهذه ندوة للحوار الديمقراطي وهي في الحقيقة نَدْوة لقَتْل الديمقراطية وتفريخ الاستبداد. وهذه ندوة للحقوق وهي في الحقيقة ندوة لتضييع الحقوق؟!

إلى غير ذلك من السّفاحات التي ترُومُ قَتْلَ الغَيْرة واستِئْصالها من الفطرة النظيفة لتَمْرير المُخَطَّطاتِ الكفيلة بتخريج الأجيال المُسْتحْمَرة فكراً وديناً، ولغةً، وآداباً، وثقافة تُقادُ باللّجُم الحديديّة فتوجَّهُ حيْثُ يُريد سائِسُها؟!

قال رسول الله  : >ثلاَثَةٌ لا يَدْخُلُون الجنَّة أبداً : الدّيُّوثُ، والرجُلَة من النّساءِ، ومُدْمِن الخَمر< فقالوا : يا رسول الله أمّا مُدْمن الخمْر فقد عرفناه، فما الدّيُّوث؟! قال : >الذِي لا ىُبَالِي مَنْ دَخَلَ على أهْلِهِ< قيل : فما الرَّجُلَةُ من النساء؟! قال : >التِي تَتَشَبَّهُ بالرِّجَال<(الطبراني، والنسائي، والحاكم).

وقد روى البخاري أن سعد بن عُبادة قال للنبي  >لو رأيْتُ رَجُلاً مع امْرأَتِي لَضَرَبْتُه بالسّيف غَيْر مُصْفَحٍ< فقال النبي  >أتَعْجَبُون مِن غَيْرةِ سَعْدٍ؟! لأنَا أغْيَرُ مِنْهُ، واللَّهُ أغٌيَرُ مِنِّي<.

إنّ الذي لا يغارُ على عِرْض زوجته يُحْرَمُ من رِضْوان الله تعالى، ويُحْرم من تقدير الناس واحترامهم، فكيف بَمن لا يغَارُ على شعبه؟! وعلى أمته؟! وكيف بمن لا يغار على دِين ربّه؟! ودِين أُمَّته؟! ودِين الإنقاذ للإنسانيّة جمعاء؟! وكيف بمن يعْمل على تسهيل المُخَادَنةالدينيّة؟! والمُسافحة الأخلاقية؟! غَيرة سعد بن عبادة ] حَمَلَتْه على أن يكون مستعدّاً على الضرب بالسيف غَيْر المُصْفَح -أي يَضْربُ بحدِّ السّيف لا بِعَرْضه لقتْل المنتهِك لعرضه) أمّا غيرةُ الله تعالى على دينه وهُداه الذي هو الهُدى وحْده فتَتَجَلَّى في :

1) الإضْلال عن الطريق : ومن ضلَّ عن الطريق عاش حياته كُلّها قَلِقاً مُضْطربا نفسياً وأسريّاً واجتماعياً، وساسيا، لا يدري أي طريق يتّبِع؟!

2) السُّخط والإشْقاء : لأن من عاش تائها حائراً عاش شقيّاً ساخِطاً ناقِماً على كل شيء، وتلك هي الشقاوة الصغرى أمّا الشقاوة الكبرى فهي في الأخرى.

3) الحرمان من رحمة الله تعالى : لأن من نَسِي الله عز وجل أنْساه نَفْسَه فعاش مقطوع الصلة بالله تعالى الذي أوْكَلَهُ إلى نفسه فارْتَمى في قبضة الشيطان الذي صار يرميه من مَهْلَكٍ إلى مَهْلك.

4) السّقوط في عُبودية البشريّة الطاغية : لأن الإنسان المُسْرف في الإعْراض عن دين الله تعالى يَظُنّ أنه بتطليقه للدين يتحرَّرُ، فَيهْرب من شريعة الله وهداه إلى دسَاتِير الإنسان الطاغي لتَضمن له حقوقه وكرامته وإنسانيّته، فماذا يَجد؟! يَجِد أن ذلك كُلّه خَيالاتٌ وأوهامٌ وشعاراتٌ. أما الحقيقة فهِي السّحْقُ الكامِلُ للحريّة، والطحْن التامُّ للكرامة، والقتلُ التّامُّ للإنسانيّة الآدمية؟!

فهل تعي شعوبُنا وقادتُنا ومسؤولونا ومفكِّرونا هذا الشقاء الذي أوْقَعَنا فيه الإعراضُ عن هُدى الله؟! والإسراف في عصيانه؟! وفي المجاهَرة بعُقوق دينه؟! إن الله تعالى -برحمته- فتح لنا طريق الهُروب من هذا الشقاء، فقال : {فَفِرُّوا إلى اللَّهِ} لننجُوَ من الضلال والشقاء، أما إذا تمادَيْنا فقال لنا {وكَذَلِك نجزي من أسْرَفَ ولَمْ يُومِنْ بآيَاتِ رَبِّه ولَعَذَابُ الآخِرةِ أشَدُّ وأبْقَى}.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *