شيخ العلوم  الفقيه محمد المرير التطواني وكتابه(الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية)2/1


ترجمة الفقيه المرير

هو محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله المرير التطواني، ترجم لنفسه في (النعيم المقيم)، وترجم له الفقيه الرهوني في (عمدة الراوين- ج7)، والفقيه محمد داود في (على رأس الأربعين)، و الأستاذ عبد الله الجراري في (التأليف)، وابن الحاج السلمي في (إسعاف الراغبين)، ود.إدريس خليفة في (الحركة العلمية بتطوان)، وذ.عبدالرحيم الجباري في (أصيلا تاريخ وأعلام)، و ذ. عبد الواحد أخريف في (من أعلام تطوان)، و ذ.أحمد المرير في (معلمة المغرب – ج 21).

موطن أجداده من قرية أوشتام، من قبيلة بني سعيد، وكانوا ينتسبون إلى بني العيش وهم من بني قاسم بن إدريس الثاني، و يقول الفقيه المرير: ” انتماؤنا لهذه التسمية كان معروفا من قديم بين العائلة، ولكن نجد الآباء والأعمام لم يكونوا يلقون لذلك بالا، إذ يرون أن الشرف إنما هو بالتقوى…كان الشريف النسابة مولاي الحسن ابن ريسون، كثيرا ما يقول لي في ملإ من الناس: مالك أهملت نسبك وأنتم شرفاء. وكتب لي بخط يده مرارا يحضني على التصريح بالنسبة.. وكثيرا ما كان يذكر ذلك بحضرة العلامة سيدي أحمد الرهوني. ولكن كنت أجيبه بأنه يكفيني أن أكون مسلما”.

كنّي بأبي عبد الله غير أن شيخه العلامة أبا العباس أحمد الرهوني كنّاه بأبي محمد، وقد حلاه بقوله:” الفقيه العلامة المشارك في جميع العلوم المحقق للمنطوق منها والمفهوم.. من أعيان هذا العصر ونبهائهم ومحققيهم”. ووصفه ابن الحاج في (الإسعاف) بالفقيه المحقق الفهامة المشارك.. وأحد أعلام العلم المتين والأدب الرصين، وجهبذا من جهابذته النحارير، وعمودا من أعمدته البارزة، ضرب بسهم وافر في حلبة المعرفة. وقال عنه الأستاذ عبد الغفور الناصر الرئيس الحالي للمجلس العلمي بتطوان:” أمكن له أن يكون حجة ومرجعا في كثير من العلوم على اختلافها وتنوعها، حيث كانت له مشاركة قل نظيرها بين أقرانه من الشيوخ الأجلة رحمهم الله. كما كان شغوفا بالدراسات الحديثة القانونية والاجتماعية، الشيء الذي أهله لأن يكون موسوعة علمية تتحرك”.

اختلف مترجموه في تحديد سنة ولادته، إذ قال الرهوني 1300هـ ، وقال ذ.محمد داود  1304/1887، وقال د. إدريس خليفة 1305/1888، وقال السلمي ما بين 1305و  1306/1889، وأظن أن ابنه قد حسم الخلاف حين ذكر في ترجمته له أنه ولد سنة 1304.

وتوفي رحمه الله عشية يوم الاثنين 15 محرم 1398هـ موافق 26 دجنبر 1977م، وشيع إلى مثواه الأخير يوم الثلاثاء، شيعه جمع غفير من أهل تطوان وخاصتها و تقدم للصلاة عليه العلامة البشير بن التهامي أفيلال، وأبنه العلامة محمد الطنجي. ودفن بزاوية سيدي يوسف حنصل من حومة جامع القصبة.

شـــيــوخــه

نشأ الفقيه محمد المرير بتطوان مسقط رأسه، والتحق أول الأمر بالكتاب كسائر أقرانه فحفظ القرآن الكريم على الفقيه عبد الكريم كركيش، ثم تلقى مبادئ التجويد على الفقيه الأمين بوحديد. ومع حلول سنة 1318/1900 انطلق في تحصيله العلمي فسمع وأخذ عن خيرة علماء تطوان في مختلف العلوم من فقه وحديث وسيرة وتوحيد ومنطق ونحو وبلاغة، ومن شيوخه:العلامة محمد البقالي، العلامة محمد بن الأبار، شيخ الجماعة العلامة الفقيه أحمد الزواقي، مؤرخ تطوان العلامة أبو العباس أحمد الرهوني، العلامة أحمد العمراني الغماري، العلامة العدل عبد الله بن عبد الرحمن لوقش، الوزير العلامة المختار الجامعي.

ودرس في هذه الفترة على هذه الثلة من العلماء الأجلة الكتب التالية: المرشد المعين بشرحي ميارة وبنكيران، والسنوسية، والرسالة، والمختصر بالدردير والزرقاني، والتحفة بشرح التاودي بنسودة، وجمع الجوامع بالمحلي، والأجرومية، والألفية بشرح المكوديوتوضيح ابن هشام، والموضح، ولامية الأفعال، ولامية المجراد، والتلخيص، والاستعارة، وكتاب السلم، والبخاري، والموطأ، والشمائل، والهمزية، والشفا.

وأواخر سنة 1325/1908 انتقل مترجمنا إلى فاس بإشارة من شيخه الرهوني بغية ملء الوطاب و التوسع في التحصيل والنهل من معين القرويين الذي لاينضب، فأخذ عن:

شيخ الجماعة العلامة أحمد بن الخياط الزكاري، وكان عمدته. العلامة محمد بن جعفر الكتاني، العلامة الفاطمي الشرادي، العلامة أحمد ابن الجيلالي الأمغاري، العلامة التهامي كنون، العلامة عبد الصمد كنون، العلامة محمد بن رشيد العراقي، العلامة عبد السلام بن محمد بناني، أخيه العلامة عبد العزيز بن محمد بناني، العلامة محمد بن محمد بناني، العلامة أحمد بن المامون البلغيثي، العلامة عبد الرحمن بن القرشي، الشيخ عبد السلام بن عمر العلوي، العلامة عبد الله بن إدريس الفضيلي، العلامة محمد (فتحا) النميشي، الشيخ محمد العلمي، الشيخ الحافظ العلامة أبي شعيب الدكالي، العلامة عبد السلام الهواري، العلامة الحسن بن عمر مزور، العلامة إدريس المراكشي، العلامة القاضي محمد بن محمد زويتن.

أخذ عنهم:الألفية بشرحي المكودي والأشموني وبالموضح، السنوسية، المرشد بشرح بنكيران، المختصر بالزرقاني، التحفة بشرح التاودي ابن سودة، الزقاقية، التلخيص بمختصر السعد، جمع الجوامع بالمحلي، تفسير الخطيب الشربيني، البخاري بالقسطلاني، الشفا، الهمزية، الشمائل، مصطلح الحديث، رسالة الوضع، شرح بناني على أرجوزة الطيب بنكيران في الاستعارة.

حين أوبته لتطوان (1328/1910)، ” لم يشأ أن ينقطع عن التلقي وعن حضور مجالس أشياخه” بل وحتى أثناء اشتغاله بطنجة كان يحضر دروس العلامة محمد بن الطالب الفاسي الذي كان قاضيا بها “.

تطوع الفقيه المرير للتدريس ببعض مساجد تطوان وزواياها كجامع لوقش وجامع الربطة وجامع القصبة وزاوية الحاج علي بركة، كما درّس بأصيلا والقصر الكبير. وعمل مدرسا بالجامع الكبير بعد تأسيس النظام الدراسي به، ومدرسا كذلك بالمعهد الديني العالي بتطوان. ومن الكتب التي درّسها برحاب تلك الجوامع: الألفية بشرحي المكودي وابن عقيل، السلم بشرح بناني، مختصر السعد، الاستعارة، شمائل الترمذي، المرشد المعين، الزقاقية، صحيح مسلم، مختصر خليل بالدردير، وأحكام ابن العربي.

تلامذته

من طلبته الذين أخذوا عنه نذكر على سبيل المثال لا الحصر:الفقيه البشير أفيلال، والفقيه العلامة أحمد الحداد، والفقيه العلامة الحاج محمد داود ، والفقيه العلامة عبد السلام بلقات، الفقيه العلامة محمد طنانة، الفقيه عبد السلام الجباري.

وظائفه

عمل بخطة العدالة بطنجة وغيرها من الأشغال العلمية والشرعية، ثم كاتبا بمندوبيتها (1330/1912). بعدها تولى وظيف الكتابة بإدارة الدين المخزني. وفي سنة 1331/1913 نقل إلى الكتابة العدلية بالمشور الخليفي، ثم وظّف (1335/1917) بنيابة الأمور الوطنية لتحرير القسم العربي من الجريدة الرسمية وقائم مقام المستشار الشرعي في الوقت ذاته. سنة ونصف بعد ذلك تم نقله للكتابة بالصدارة العظمى. وقد أظهر حزما وعزما وكفاءة وتفانيا، و ” عرف في جميع وظائفه بالعفة التامة والنزاهة الكاملة والترفع عما في أيدي الناس.. وله مواقف شريفة دلت على عزة النفس وعلو الهمة”.

ثم التحق بخطة القضاء فسمّي عام (1338/1919)قاضيا بالقصر الكبير، ثم بأصيلا (1343/1925) ثم تولى القضاء بتطوان (1345/1926). فأظهر – كما يقول العلامة الرهوني- جدارة وحسن كفاءة و فتح باب الشريعة وسد (باب الفتوح) وأحيا طريق الجد وأمات سبيل الطمع، وأقام للقضاء هيبته وأخذ للمعاد أهبته.

وفي عام  1353/1934 سمي شيخا للعلوم بتطوان، وقد تفرد بهذا المنصب إذ ألغي بعده فكان الفقيه المرير الوحيد الذي شغله. وبموجبظهير مؤرخ في عام 1358/1939 عيّن رئيسا للمحكمة العليا للاستئناف الشرعي بالمنطقة الشمالية. وبعد الاستقلال عرض عليه الالتحاق بالرباط قصد تعيينه بالمجلس الأعلى لكنه اعتذر لاعتلال صحته، فسمي رئيسا للاستئناف الإقليمي بتطوان (1376/1956) .

كما تمتع بعضوية عدد من الهيئات العلمية مثل المجمع العلمي بتطوان، والمجلس الأعلى للأحباس، ولجنة مراجعة قانون المحاكم بالشمال، ومجلس إصلاح التعليم، ولجنة امتحان المفتشين، ولجنة تحضير أنظمة العدلية. وشارك في تأسيس المعهد الديني العالي لتخريج القضاة.

بعد أن أحيل على التقاعد، اعتكف ببيته للعبادة والتحصيل، وكان منزله قبلة للطلبة والفقهاء والقضاة والوجهاء. وكان يعقد مجلسا علميا ببيته عصر كل جمعة لم ينقطع حتى وافاه الأجل، وكان يرتاده الأساتذة والطلبة على السواء بل و علية القوم بتطوان، وقد حرص الجميع على المواظبة على الحضور كما أجمعوا على التنويه بهذا المجلس لما كان يتحفهم به مترجمنا من الفوائد والدرر. قال المرحوم الحاج الطيب بنونة عن دروس الفقيه المرير:” كنا نتعبد في مجلسه بآذان صاغية وقلوب واعية، عندما ينثر درر المواعظ والأخلاق ويغدق علينا من مناهل العلم الصافي ما يثلج الفؤاد، ويطهر الضمائر والأرواح”. ومن الشخصيات التي كانت تحضر مجلسه أب الحركة الوطنية الحاج عبد السلام بنونة.

بعض أحواله

قال العلامة أحمد الرهوني في وصف تلميذه الفقيه محمد المرير:” كانت بدايته تدل على نهايته، ملازما لما يعنيه، تاركا لما لا يعنيه، معتنيا بدروسه وأمور ديانته، سالكا مسلك أهل الحياء و المروءة.. مطوي القلب على التقوى والاستقامة”.

كان فقيهنا ذكيا لبيبا حاد الذهن، أبي النفس عالي الهمة، قليل الاختلاط بالناس، متميزا بالتؤدة والوقار وحسن السمت، والمحافظة على رسوم المنصب بالبعد عن العامة، وملازمة الاستقامة، والاشتغالبالعلم والبعد عن السفاسف، والحرص على الاطلاع على أحوال العصر والتقلبات السياسية والاجتماعية.

وهو على العموم من طبقة المحافظين فهو بعيد عن الاتجاهات العصرية في العوائد والأخلاق، لا يميل إلى الآراء الحديثة والأفكار المجددة إلا إذا كانت واضحة الدلالة ثابتة الفائدة بعيدة الريبة، ولكنه مع ذلك عالم متنور يطالع الصحف والمجلات والمؤلفات الحديثة.. كما أنه غير غافل عن تتبع سير النهضة الحديثة ومعرفة اتجاهاتها.. وهو من العلماء الذين يظهرون غيرة على سمعة السلف الصالح من العلماء والصلحاء.

أما تصوفه فكان تصوفا سنيا بعيدا عن البدع والخرافات و ” يقول بالتصوف الذي نقرأ مبادئه وآدابه في كتب علماء التصوف الذي يصفونه بأنه لب الشريعة”، وكتابه عن القطب الكبير مولاي عبد السلام ابن مشيش يعطي صورة واضحة للروح الصوفية الإسلامية التي كان يتحلى بها شيخنا، لأنه كان من العلماء السلفيين الذين ينكرون البدع والخرافات والأضاليل.

وقد عرف عنه ولعه بالكتب وانقطاعه للمطالعة في شتى المجالات وتمكنه من الأدب والتاريخ وقرض الشعر، إلا أنه تبحر في الفقه والمالكي على الخصوص وكان مطلعا على فروعه ودقائقه. وكانت له صولة في علم النوازل والأحكام – وكما يقول عنه الفقيه الرهوني- ” فإن الله قد منحه من ذلك ما حرم منه عددا من الأعلام”. لقد كان رحمه الله من الفقهاء القلائل الذين مخضوا الفقه مخضا و استوعبوا نوازله وأحكامه، وألحقوا أصوله بفروعه حتى تمكن من حاسة فقهية فاق بها أقرانه من جهابذة الفقه المعاصرين، لما أوتي من ذهن ثاقب واطلاع واسع، وعقلية متجددة، الشيء الذي أهله لأن يكون المرجع في القضايا الشائكة المستعصية والتي كان يتنزل لها ويحل مغلقاتها. لقد زاول الفقيه المرير القضاء مدة تزيد عن الأربعين عاما.. وقد برز على الجميع كقاض أريب ألمعي، واع متفتح مرن، غير متحجر ولا فقيه جامد.. وكقاض نزيه ورع مبتعد عن الشبهات، وكقاض متبحر في مختلف العلوم شديد الاطلاع.

تآليفه

>أ – المطبوعة:

* (الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية)، طبع بعناية ألفريد البستاني ضمن منشورات (معهد فرانكو للأبحاث العربية الإسبانية).

* فهرسته: (النعيم المقيم في معاهد العلم ومجالس التعليم )، وهو في سبعة أجزاء صدر لحد الآن منها أربعة بتخريج ابن المؤلف الأستاذ أحمد بن محمد المرير ومراجعة الأستاذ د. جعفر ابن الحاج السلمي.

>ب- المخطوطة:

* (الروض الباسم من غيث نظم ابن عاصم)، وهو شرح على التحفة.

* (منتهى العمل في شرح العمل) أو (بلوغ الأمل بالمهم من شرح العمل)، وهو شرح للعمل الفاسي، يقع في نحو 400 صفحة وفرغ من تأليفه متم غشت 1921.

* (العقود الإبريزية على طرر الصلاة المشيشية)، وذيلها بترجمة موسعة للقطب الرباني مولاي عبد السلام بن مشيش.

* (مبهج الحذاق المحاذي للامية الزقاق) رجز في حوالي 500بيت لما احتوت عليه لامية الزقاق مع بعض الزيادات.

* (السبائك الذهبية على الأحكام القرآنية) أو (الدرر العقيانية على غرر الأحكام القرآنية)، وهو حاشية على أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي المعافري.

* (البيان المعرب عن تاريخ وسياسة ملوك المغرب)أو (اللسان المعرب من تاريخ دول المغرب)، وهو تأليف مختصر في التاريخ.

* (تسهيل العسير من خطبة الدردير)، يقع في ستين صفحة شرح فيه خطبة الدردير لمختصر خليل.

* (إقامة الدليل والبرهان على حرمة تمثيل قصة أهل الكهف من القرآن في مسارح اللهو ومراصد الشيطان)، ألفه سنة 1362.

* (القول الفصل والحكم العدل في مسألتي القبض والسدل).

* (المباحث اللطاف في الفطر والصوم بالتلغراف) في نحو عشرين صفحة.

* (غاية الأماني في تعلق صفات المعاني)، وهو تقييد في شرح أبيات الشيخ عبد السلام القادري، ألفه سنة 1335/1916.

* (الدرر المؤتلفة في أقسام المعرفة).

* (كشف الغطاء عن مسائل الجلسة والجزاء).

*  (القضاء في الإسلام)و(النظام في حسبة الإسلام)، وقد جعلهما الفقيه المرير فصلين في كتابه السابق الذكر (الأبحاث السامية).

* رسالة حول مناسك الحج.

* رسالة حول ترجمة السلطان محمد بن عبد الله.

* رسالة حول الدولة السعدية.

* (بهجة الخواطر) قصيدة شعرية.

* رسالة حول إخراج زكاة الفطر بالمال.

* رسالة مسماة ( قرة العيون في إقطاع ابن ريسون).

* دفاتر أثبت فيها فتاويه وأجوبته على الرسائل التي كانت توجه إليه من الدوائر العليا تتعلق بأمور مختلفة مهمة، وكان رحمه الله مولعا بإثبات التقاييد والأخبار والمراسلات وبعض الفوائد والحكم والأشعار وتراجم بعض الشيوخ.

عدنان الوهابي

>> ملحوظة :

تـــرحب جريدة المحجة بكل المقالات التي تعرف بعلماء المغريب قديما وحديثاً إسهاماً منها فــــي رد الاعتبار لمؤسسة العلم والعلماء بالمغرب.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *