تربية الرسول  للناس وأسلوب تربيته


كـون دعوته عالـمية

إن نجاح المربي وكماله يقاس بمدى عالمية وشمول دعوته وبالأبعاد الكمية والنوعية لمنتسبيه، فقد قام المعلمون والمرشدون الذين رباهم في حياته بنشر الحق في مناطق واسعة شاسعة ما بين مَراكَش ونهر أمودَريا القريب من بخارى، وتأملوا كيف أن المربي الوحيد في تلك المساحة الشاسعة من البلدان آنذاك لم يكن سوى النبي ، وكان النظام الذي أتى به نظاماً شافياً ووافياً لمشاكل مختلف الأقوام والجماعات التي كانت تموج بها هذه المنطقة الشاسعة.

فكل من الإيراني والتركي والصيني.. الخ على اختلاف أمزجتهم ومشاربهم وثقافاتهم كانوا يهرعون إليه ويتقبلونه هو وكل ما أتى به. إذن، فإن نظم التربية التي جاء بها نظم عالمية تصلح دواء لأمراض  بشرية كلها. إذن، فإن محمداً  كان أكثر المربين تأثيراً في طول التاريخ وعرضه وأكثرهم مصداقية. ثم إننا نبحث عن مدى عظمة المربين في مدى بقاء وثبات أسس النظم التربوية التي يأتون بها، والآن انظروا إلى الناس الذين يتربون على أسس النظم التربوية التي جاء بها محمد  قبل كل هذه القرون، فسترون أن الملائكة تغبط معظم هؤلاء في أخلاقهم. وإن نظم تربيته لا تزال تربي الأجيال حتى الآن.

والآن لنفكر ولنتأمل: لقد ظهر النبي  في أمة بدوية متخلفة بل متوحشة وبدائية، ولكنه استطاع أن يربي من هذه الأمة طوال عصور وعصور قادة أطهاراً قادوا الإنسانية إلى الخير. إذن، فإن الرسالة التي جاء بها كانت رسالة كافية لإنقاذ البشرية بنفحة واحدة منها. وأنا شخصيا لا أحب تصوير الباطل، ولكني لا أملك نفسي من عرض بعض المناظر التي تبين مدى فساد المجتمع في العهد الذي ظهر فيه الرسول .

لقد ظهر في مجتمع تغلغلت فيه الوحشية إلى نفوس أفراده وأصبحت طبيعة فيهم: كانوا يشربون الخمر ويلعبون القمار ويقترفون الزنا علنا، ولم يكونوا يعدون هذه الفواحش شيئاً معيباً. انتشر الزنا حتى أصبح علنيا، فقد خصصوا بيوتاً للدعارة ونصبوا أمامها الأعلام..(1) كانت الفواحش منتشرة بشكل يجعل الإنسان يخجل من إنسانيته… ولو لا الحياء لذكرت أموراً أخرى. ثم إن هؤلاء القوم كانوا من النوع الذي لا يتورعون عن إثارة المشاكل الكبيرة والمنازعات الخطيرة لأسباب تافهة، وكان من المستحيل تقريباً جمعهم على صعيد واحد ومزجهم بعضهم مع بعض وتأليف قلوبهم، فقد سادت الفرقة والشحناء في أرجاء شبه الجزيزة العربية إلى درجة بدت أنها غير قابلة للعلاج.. أجل، فما من سوء إلا وجدته هناك. ولم يكن من الممكن أبداً لمثل هذا القوم الاستماع إلى النبي ، ولكنه استطاع أن يسل هذه العادات السيئة منهم واحدة بعد واحدة، ثم زينهم بمزايا وأخلاق عالية بحيث سبقوا الأمم كلها وأصبحوا لها أساتذة ومعلمين.

شــهــادات غـربـيـة

من هذه الأمة البدوية المتوحشة أنشأ أمة مدنية لا تستطيع الأمم المدنية حتى في عصرنا الحالي بلوغ كعبها، لذا يقول …موليير (Molière) بحقٍّ …يستحيل أن توجد جماعة أخرى مستعصية على العلاج مثل جماعة نبي الإسلام. والاستحالة الثانية هي القيام بإصلاح مثل هذه الجماعة في وقت قصير جداًّ لا يتجاوز 23 عاماً ورفعها إلى مصاف الإنسانية، ولم يتيسر هذا إلا لمحمد

ويقول مفكر غربي آخر: …لقد استطاعت البشرية أن تقطع 25% من التقدم المقدر لها من يوم ميلادها وحتى عهد محمد ، أما في عهده فقد ازدادت هذه النسبة بشكل عمودي وأصبحت 50% وعلى الرغم من كل الجهود المبذولة منذ عهده حتى الآن فإن النسبة ارتفعت إلى 75% فقط.

ومعنى هذا الاعتراف المخلص أن الثمار الناتجة من جهود جميع الأنبياء والفلاسفة وكبار رجال العلم والدولة والسياسة وصل إلى مثلها الرسول  في مدى ثلاثة وعشرين عاماً فقط، وأنه رغم جميع التقدم التقني والعلمي الحاصل منذ أربعة عشر قرناً فإن البشرية لم تستطع سوى إنجاز نفس النسبة التي استطاع الرسول  إنجازها في حياته وهي نسبة 25%، أما نسبة 25% الباقية فستحصل عليها البشرية فيما بعد ضمن عمرها الباقي… هذا هو محمد ، وهذه هي خدماته للبشرية التي تنعكس في القلوب والضمائر الحية. وتقول …الموسوعة البريطانية في هذا الخصوص: …لقد جاء مصلحون كثيرون في تأريخ البشرية كان من بينهم أنبياء استطاعوا إنجاز بعض النجاح، غير أننا لا نشاهد عند أي أحد منهم النجاح الذي سجله محمد.

ويقول الباحث …وهل (Wahl) وهو من المنصفين: …لقد ترك كل رجل عظيم أثراً وراءه. أثر للنبي، وأثر للمصلح وأثر للمجدد وأثر لرجل الدولة العظيم. وقد ترك محمد  أيضاً أثراً بعده. وهذا الأثر عظيم إلى درجة أننا إن ذكرنا …الأثر تبادر إلى الذهن أثره هو وحده، وهو أثر عظيم إلى درجة لا يمكن مقارنته مع الآخرين. وهذا الباحث رجلُعلمٍ أيضاً وقد حصل على جوائز علمية، إذن، فالصديق يعترف، والعدو يعترف أيضاً ولا أدري ماذا يقول بعض الجهلاء عندنا.

يعرفنا الله تعالى نفسه إلينا فيقول: {يُخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحيّ} (الأنعام: 95). فكأن الله تعالى يسري عن رسوله محمد  بعرض صفاته المدهشة هذه عليه. فكأنه أعطى لرسوله  التراب والحجر والمعدن في تلك الصحراء الموحشة وبين البدويين المتخلفين لكي يصنع منهم رجالاً من الذهب الخالص من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد بن الوليد وعُقبة بن نافع وطارق بن زياد ] أجمعين حتى يوم القيامة.

———-

1البخاري، النكاح : 36، أبو داود، الطلاق : 33.

محمد فتح  الله كولن

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *