المعرفة الانسانية بين الاستيعاب والاستلاب


 

إن الضبابية التي صحبت عملية استيعاب المعارف الغربية وضعت أجيالا من المفكرين والمبدعين العرب في إشكال معرفي عنيف، فبدل أن نستوعب هذه المعارف ونكيفها وفق متطلبات شعوبنا وخصوصياتنا الحضارية وكذا حاجاتنا التنموية، استوعبنا فكرا مجردا من عمقه المعرفي، ثم حاولنا بكل فجاجة إسقاطه على واقع لا تتوفر فيه نفس الشروط والمعطيات، فأصبحنا كما عبر عن ذلك الأستاذ محيي الدين عطية “كمن حُشِرَ في مقعد غيره، وبدل أن يبحث عن مقعد يلائم حجمه بدأ يحاول التكيف مع وضعه الحرج في صورة كاريكاتورية مضحكة”.

إن المرء حين يفتح الحوار مع الفكر الآخر في إطار تداول المعرفة وعولمة الثقافة، إنما يسعى  إلى إدراك المناهج العلمية، لا التربوية التي ارتكزت عليها عملية التنمية لدى هذا الآخر، أما التربية فيستمدها من دينه وتراثه والعرف السائد الذي لا يصطدم بالقيم الحضارية لمجتمعه، وبذلك يصبح الهدف من هذا التلاقح الفكري هو إدراك الحضارات الإنسانية في عمقها المعرفي، وليس الولوغ في فكرها التربوي وفلسفتها الحياتية، والتجربة اليابانية شاهدة على ا لطريق، وهذا أيضا ما فطن له الغرب إبان بناء نهضته العلمية، فقد أخذ الأسلوب الحضاري العربي الإسلامي بعلمه وخصوبته، ولم يأخذ معه الدين الإسلامي، بل استطاع أن يكيف المعارف الإسلامية بشكل أفقدها صبغتها الروحية وفق المفهوم الإغريقي، يقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه “شبهات في الفكر الإسلامي” (إن الأمم حين تقتبس من أمم أخرى لا تنقل الثقافة ولكنها تنقل الحضارة المتمثلة في الوسائل المادية في الحياة الاجتماعية، أما الفكر فلا سبيل لنقله، لأن لكل أمة فكرها، وتجربة أوربا مع الحضارة الإسلامية قد سبقت على الطريق : فقد نقل الغربيون الحضارة الإسلامية، وترجموا العلوم، ونقلوا المعامل وأدوات التجارب، ولكنهم لم يقبلوا الفكر الإسلامي المستمد من القرآن والتوحيد وأقاموا فكرهم وثقافتهم على أساسها القديم المستمد من الفلسفة اليونانية الإغريقية… فلماذا لا يقف المسلمون مثل هذا الموقف ويقلدون الغرب في هذه الخلة؟؟، وذلك هو الأمر الطبيعي للأمم والثقافات والاتجاه الصحيح للعلاقات الحضارية بين الشعوب.

هنا يكمن الفرق بين الاستيعاب والاستلاب، وشتان ما بين الاثنين من تفاوت قد يدفع بالأمم إما إلى قمة التنافس الحضاري أو إلى ذيلية الارتهان السياسي والاقتصادي.

ذ.أحمد الأشهب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *