العصر الذهبي عند المسلمين “عصر النهضة” (750م-1100م)(2)


د. محمد حمدون

لنتابع مسيرة أعلام العرب والمسلمين الذين أغنوا التاريخ بعطاءاتهم الفلكية و تحليلاتهم الرياضية والفيزيائية عبر المراصد (الشمسيات) وداخل المختبرات التي كانت تعرف آنذاك ببيوت الحكمة، ومن أهم هؤلاء الأعلام:

1- ابن سينا (أبو علي الحسن بن عبد الله 980- 1037):   ويعد من أكبر فلاسفة العرب في الحضارة الإسلامية، كان يلقب بالشيخ الرئيس أو حجة الحق وقد عرف بالمعلم الثالث للإنسانية بعد آرسطو والفارابي وهو فيلسوف وفلكي وطبيب، وأول من اعتبر أن الضوء مكونٌ من جسيمات أولية دقيقة تنبع من مصادر ضوئية تسير بسرعة محدودة أسماها بالحبيبات، وذلك قبل نظرية اينشتاين التي تقول إن الضوء مكون من وحدات أطلق عليها اسم الفوتونات والتي نال على إثرها جائزة نوبل، كما أدرك ابن سينا طبيعة كل من الحرارة والقوة  والحركة وله عدة مؤلفات منها كتاب “المجموع” وكتاب “الحاصل والمحصول” في 21 جزء وقيام الأرض في وسط السماء و”الأرصاد الكلية” و”القانون” وله في الفلسفة عدة مؤلفات مثل كتاب “الشفاء” ولقد تطلب منه هذا الكتاب عشر سنوات من التأليف وضعه في أربعة أجزاء هي : (المنطق، الطبيعيات، الرياضيات والاهوتية)، ولقد قوبلت نظرياته الفلسفية بهجوم من طرف الإمام الغزالي.

2-  أبو الريحان بن أحمد البيروني (973- 1051) : وهو عالم أفغاني من معاصري ابن سينا لم تترجم أعماله إلى اللغات الأوروبية لذلك بقيت أعماله العملاقة مجهولة لدى الغربيين وله حوالي 150 مؤلف ورسالة. ويقول معاصروه: (إن يده كانت لا تفارق القلم وعينه النظر وقلبه الفكر)، ومن أشهر كتبه” القانون المسعودي” تميز بنظريته المعاصرة وابتعاده عن روح القرون الوسطى، ويقول البيروني في تقييم ونقد أعمال آرسطو: (كان الناس يغالون في احترام آراء آرسطو وأن أفكاره دوما صائبة).

وهو أول من اكتشف مبدأ التناظر الأساسي في الطبيعة والمسمى بمبدأ غاليلو:”إن القوانين العلمية التي تطبق على الأرض هي نفسها التي تطبق على النجوم الساكنة في أفلاكها”، وهو صاحب القولة الشهيرة” إنما أخدم العلم للعلم لا للمال” عندما رفض الهبة التي أعطاها إياه السلطان مسعود الغزتوني على إثر كتابه “القانون المسعودي” والذي جمع فيه علوم الفلك والهندسة والجغرافيا ومن مؤلفاته الأخرى نذكر كتاب “الآثار الباقية عن القرون الخالية” و”تاريـخ الهنـد” و”كتاب التفهم” و”الكتاب الشامل”.

ولقد قال عنه المستشرق الألماني”Edward Sachau” سنة 1887 بجامعة برلين (إنه يجب اعتباره أكبر ظاهرة منهجية دقيقة وموضوعية في البحث عن المعلومات).

ولقد زاول التدريس بمجمع العلوم الذي أسسه أمير خوارزم مامون بن مأمون إلى جانب كل من الشيخ الرئيس ابن سينا والمؤرخ العربي ابن مسكويه.

أما عن نظريته في الكون فهو لم يستطع تحديد عمر الكون لأن الخالق لم يقل شيئا عن ذلك في كتابه الكريم حسب قوله وهو الذي قال إن الزمن عند البشر لا يشبه الزمن عند الله {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما يعدون}(الحج : 47).

كما أنه كان يعتقد أن قوانين الطبيعة لابد أن تكون ثابتة عبر الزمن، وتعتبر هذه النظرية اليوم من المبادئ الأساسية للفيزياء الحديثة.

وما يمكن قوله هو أن أعظم ما أنجبته عصور النهضة الإسلامية وإلى يومنا هذا هما العالمان البيروني وابن سينا ولا نجد في القرون الأخيرة أي نظريات حول الكون تستحق الإنتباه إليها أو الإطلاع على مكنونها، فالعلماء المسلمون والمفكرون الذين ظهروا في الفترات الأخيرة إنما أرادوا إعادة الأمور إلى نصابها وحاولوا الدفع بعربة العلم إلى الأمام لكنهم وجدوا الركب قد فات ومن ثم انصبت اهتماماتهم على العلوم الاجتماعية والأدبية أكثر منها  على العلوم العلميةوالكونية.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *