الرسول  في رسائل النورسي


3- المعراج النبوي

أ. د. عماد الدين خليل

يمثل هذا الموضوع الذي تنفرد به الكلمة الحادية والثلاثون مساحة واسعة تقارب الاربعين صفحة…666- 701، ويوليه النورسي اهتماماً خاصاً لكونه يترتب على اصول الايمان واركانه …فهو نور يستمد ضوءه من انوار الاركان الإيمانية،، ولهذا السبب بالذات يحذر النورسي من اقامة الحجج لإثبات المعراج بالذات للملحدين المنكرين لأركان الإيمان …بل لا يُذكر اصلاً لمن لا يؤمن بالله جل وعلا ولا يصدق بالرسول الكريم  أو ينكر الملائكة والسماوات، الا بعد اثبات تلك الأركان لهم مقدماً،. وبهذا يصير المؤمن الذي تساوره الشكوك والاوهام فيستبعد المعراج موضع الخطاب من اجل فائدته وشفائه باذن الله.. ومع ذلك يلاحظ بين آونة واخرى …ذلك الملحد الذي يترقب في موضع الاستماع، وهذا قد يتلقى ايضاً جانباً من الخطاب الذي يفيده(1).

وردت لمسات عن حقيقة المعراج في كتابات النورسي، مبعثرة هنا وهناك، لكنه في هذه الكلمة يريد ان يلمها ويربطها مع اصل الحقيقة نفسها …لجعلها مرآة تعكس دفعة واحدة كمالات جمال الرسول الكريم (2).

لا يلجأ النورسي وهو يتحدث عن …الظاهرة، موغلاً في حقائقها وابعادها الى المرويات النبوية، اللّهم الا في مكان واحد(3) حيث يورد جزء من حديث اخرجه الامام احمد والترمذي، كما انه لا يستمد شيئاً من المرويات التاريخية في كتب السيرة، وانما يمضي، بعد ايراده المقطعين القرآنيين اللذين ترد فيهما الحادثة(4) الى ما وراء هذا كله لكي يبني على تأسيسات …الحديث،  و…التاريخ، تحليله واستنتاجاته معتبراً اياهما، على ما يبدو مسائل متفقاً عليها ومقدمات للأيغال فيما وراء الوقائع المنظورة بحثاً عن الجوهر والمغزى.

يقسم بحثه الى اسس أربعة يعالج في كل منها جانباً من الظاهرة، ففي اولها يعلل سر لزوم المعراج وحكمة ضرورته، وفي ثانيها يتحدث عن حقيقة المعراج، وفي الثالث يقدم الجواب عن حكمته، اما في الرابع فيعدد ثمراته وفوائده.

وهو في كل الأحوال يشحذ قدرته على المقارنة والتحليل والاستنتاج ويكثر من سرد الامثلة التي تقرب الحقائق البعيدة وتخيلها لقرائه وسامعيه، كما انه يتفنن في إثارة الاسئلة، والاعتراضات لكي ما يلبث ان يفككها الى مفرداتها الاساسية ويجيب عنها واحدة واحدة، وهذا يقوده احياناً الى اعتماد صيغة الحوار المناسبة لتقابل كهذا والتي تتجاوز بالتحليل حالته الفكرية الصرفة.

والنتيجة التي يخلص اليها بصدد سر لزوم المعراج وحكمة ضرورته، ان هذا العالم مادام شبيها بمملكة في غاية الانتظام، وبمدينة في غاية التناسق، وبقصر في غاية الزينة والجمال، فلابد ان له حاكماً، مالكاً، صانعاً! وحيث ان ذلك المالك الجليل والحاكم الكامل والصانع الجميل موجود، وان هناك – في المقابل – انسان ذو نظر كلي وعلاقة عامة بحواسه ومشاعره مع ذلك العالم وتلك المملكة وذلك القصر، فلابد ان ذلك الصانع الجليل ستكون له علاقة سامية قوية مع هذا الانسان المالك للنظر الكلي والمشاعر العامة، ولا شك انه سيكون له معه خطاب قدسي وتوجه علوي.

وحيث ان محمداً النبي الأمين صلى الله عليه وسلم قد اظهر تلك العلاقة السامية من بين من تشرفوا بها منذ زمن آدم عليه السلام، باعظم صورة واجلاها، بشهادة آثاره، اي بحاكميته على نصف المعمورة، وخمس البشر، وتبديل الملامح المعنوية للكائنات وتنويره لها، لذا فهو اليق وأجدر من يتشرف بالمعراج الذي يمثل اعظم مرتبة من مراتب تلك العلاقة(5).

ويفسر النورسي حقيقة المعراج بانها …عبارة عن سير الذات الأحمدي وسلوكه في مراتب الكمالات، وهذا يعني …أن آيات الربوبية وآثارها التي جلاّها سبحانه وتعالى في تنظيم المخلوقات ، باسماء وعناوين مختلفة، واظهر عظم ربوبيته بالايجاد والتدبير في سماء كل دائرة من الدوائر التي ابدعها، كل سماء مدار عظيم لعرش الربوبية ومركز جليل لتصرف الالوهية، هذه الآيات الكبرى والآثار الجليلة اطلعها سبحانه وتعالى واحدة واحدة لذلك العبد المخصص المختار، فعلا به البراق وقطع به المراتب كالبرق من دائرة الى دائرة، ومن منزل الى منزل ليريه ربوبية الوهيته في السماوات، ويقابله باخوانه الانبياء فرداً فرداً ، كلاً في مقامه في تلك السماوات، حتى عرج به الى مقام …قاب قوسين، فشرفه بالاحدية بكلامه وبرؤيته، ليجعل ذلك العبد عبداً جامعاً لجميع الكمالات الانسانية، نائلاً جميع التجليات الالهية، شاهداً على جميع طبقات الكائنات، داعياً الى سلطان الربوبية. كشافاً لطلسم الكائنات،(6).

اما حكمة المعراج فانها …من الرفعة والسمو بحيث يعجز الفكر البشري عن ادراكها وهي من العمق والغور بما يقصر عن تناولها، وهي من الدقة واللطف بما يدق عن ان يراها العقل بمفرده،(7)، ومن اجل تحقيق المقاربة المرجوة يلجأ النورسي – كعادته – إلى إثارة الاسئلة وضرب الامثال وجعل المعنيين بالخطاب كما لو كانوا مستمعين يجلسون قبالته تماماً.

باختصار شديد فان حكمة المعراج تبدو في رأي النورسي، وفق السياق التالي: …مادام رب العالمين له جمال مطلق وكمال مطلق، بشهادة آثاره ومصنوعاته، وان الجمال والكمال محبوبان لذاتيهما، فمالك ذلك الجمال والكمال اذن له محبة بلا نهاية لجماله وكماله وتلك المحبة تظهر بوجوه عدة وانماط كثيرة في المصنوعات، فيولي سبحانه مصنوعاته حبه لما يرى فيها من اثر جماله وكماله. ولما كان احب المصنوعات واسماها لديه ذوو الحياة، واحب ذوي الحياة واسماهم ذوو الشعور، واحب ذوي الشعور – باعتبار جامعية الاستعدادات – هو ضمن الانسان، فأحب انسان اذن هو ذلك الفرد الذي انكشفت استعداداته انكشافاً تاماً فاظهر اظهاراً كاملاً نماذج كمالاته سبحانه المنتشرة في المصنوعات والمتجلية فيها. وهكذا فصانع الموجودات لأجل مشاهدة جميع انواع تجلي المحبة المبثوثة في جميع الموجودات، في نقطة، في مرآة، ولأجل اظهار جميع انواع جماله – بسر الأحدية – اصطفى من هو ثمرة منورة من شجرة الخلق، ومن قلبه ، في حكم نواة قادرة على استيعاب حقائق تلك الشجرة الاساسية، اصطفاه بمعراج – هو كخيط اتصال نوراني بين النواة والثمرة، اي من المبدأ الاول الى المنتهى – مظهراً محبوبية ذلك الفرد الفذ امام الكائنات، فرقاه إلى حضوره، وشرفه برؤية جماله، وأكرمه بأمره ، وأناط به وظيفة جعل ما عنده من حكمة وقدسية تسرى الى الآخرين،(8).

ويعدّد النورسي لفوائد المعراج خمس ثمرات هي: …رؤية حقائق الاركان الايمانية – كالملائكة والجنة والآخرة وحتى الذات الجليلة – رؤية عين وبصر.. تلقي اسس الاسلام وفي مقدمتها الصلاة.. مشاهدة كنوز السعادة الابدية ودقائق النعيم المقيم، وتسلم مفتاحها وتقديمه هدية للأنس والجن.. رؤية جمال الله سبحانه وتعالى.. وأخيراً : تقييم الانسان كائناً جليل القدر، مكرماً محبوباً لدى الصانع الجليل(9).

والجدل حول طبيعة المعراج محسوم في فكر النورسي ، كما هو محسوم في الاسلام

ووجدان المسلمين، منذ اللحظة التاريخيه التي تم الاعلان فيها عن الرحلة الفذة في كتاب الله وعلى لسان رسوله الامين صلى الله عليه وسلم محسوم باتجاه التوحّد الذي يرفض الثنائية بين الروحي والجسدى، و يتأبى على التجزيئ والتقطيع.. التوحّد الذي جاء هذا الدين لكي يتعامل بميزانه مع الانسان.

وكل ما اثير بعد لحظة اليقين تلك لا يعدو ان يكون انحرافا، بدرجة او اخرى عن الصراط، رغم سلامة النية وحسن القصد حيناً بعد حين.

لكن يتبقى دائما ما هو اكثر الحاحاً والزاماً من سلامة النية و حسن القصد، تبقى رؤية الاسلام المؤكدة التي يتميز بها عن سائر الرؤى والمعتقدات: ان هذا الدين جاء لكي يتعامل مع الانسان، و كل ما سيتمخض عنه، كل ما سيعبر عنه، منبثقاً من نسيجه المتفرد او راجعاً الى مصبه المتوحد الكبير، لن يكون الا الالتحام الفذ بين الروحي والجسدى بين الوجداني والعقلي، وبين المغيب والمنظور.

ولن نكون مسلمين بحق ان خطر على بالنا لحظة ان العالم والكون والوجود ليست سوى وجها واحدا ، بعداً واحداً، وان ليس ثمة وراء الوجه الواحد اوجه اخرى، وأن وراء البعد ابعاد شتى.

ذلك هو قدرنا كمسلمين، و تميزنا على سائر اتباع المذاهب والاديان، وذلك هو أيضاً ما أراد النورسى أن يقوله و هو يرحل في مفردات الظاهرة، ويوغل في دلالاتها و معانيها.

———-

1-  انظر: الكلمات ص 666.

2- نفسه ص 666.          //    3- نفسه ص 680.

4- الآية 1 من سورة الاسراء، والآيات 4 – 18 من سورة النجم.

5- الكلمات ص 671.

6- نفسه ص 672.          //    7- نفسه ص 684.

8- نفسه ص 685.           //    9-  انظر: نفسه ص 695 – 701.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *