الدار البيضاء  تـتنـظـم


1- بلا أصباغ وبلا رتوش

كان منظرا مهيجا لكل مشاعر الحزن والأسى.. منظرا يثير كوامن النكوص والخيبة التي لا تبقي ولا تذر من أماني النهوض ولو حبة خرذل ..

منظر حشر حاشد  لجماهير الدار البيضاء،  قبل يوم القيامة،  والمناسبة : مقابلة في كرة القدم بين فريقي الرجاء البيضاوي وفريق شبيبة القبايل الجزائري.

منظر مهيب يجعل المرء الرسالي يخلص بكل قناعة إلى التفكير بأن الكل باطل وقبض الريح،  طالما لا غلبة في نهاية المطاف إلا لجلدة من هواء ، أحالت البيضاء في بضع ساعات إلى بركان من لهب.. بركان سيأتي على المدينة ويجعلها دكا إذا قدر له بعيدا عن كرة القدم أن ينطلق من قمقمه في أزمة لا قدر الله .

ولكافة المنظرين خلف كراسيهم ونظاراتهم السميكة من أصحاب نظرية فصل الدين عن الدولة وشل قدرات الدين الترشيدية و التقويمية لآفات المجتمع الأخلاقية بحجة مكافحة الإرهاب،أن يضعوا نظرياتهم على الرف قليلا،  فالخطب جلل واليد التي لا تشغل بالحق وللحق تشتغل بالباطل ولحساب الباطل حتى ولو كان تصفية للأبرياء العزل، كما وقع في أحدات 16 ماي الأليمة….

إنه التيه المركب، يحياه ثلة من فلذات أكبادنا،  والجلوس حول طاولة واحدة لكل الأطياف، بل لكل الوطنيين يغدو يوما عن يوم مطلبا عاجلا،  وإلا فالطوفان على الأبواب، ولن تنفع المتاريس ولا الحصون ولا الخطابات الاستئصالية في إيقافه، فقط قوى التدخل الأجنبي ستوقف الطوفان، لكن بأية كلفة وفي ظل أية شروط، ذلك ما تشي به معالم الخراب العراقي بكل تفصيل.. وباختصار، من لم تعظه العراق  فلا واعظ له..

2- تسونامي بالأحمر والأخضر

على امتداد الشوارع التي كانت تقود إلى مختلف الأحياء الشعبية:  حي المدينة القديمة، حي درب السلطان، الحي المحمدي، السباتة، درب غلف وأحياء هامشية أخرى، غص الطريق بآلاف الشباب من مختلف الأعمار، لدى انتهاء المباراة، ولا عيب ولا ضير من تجمع كروي يروح عن القلوب ساعة فساعة، فقط يكفي الرائي إلى هذه الأسراب الغفيرة أن يتتبع طريقة مشيتها وشعاراتها ولباسها ليصاب بالذهول فالتقليعات الغربية الأكثر شذوذا كانت حاضرة في ملامحهم.. شعور ملونة بقصات شعر جد غريبة وأصباغ طافحة بالأحمر والأخضر رَمْزٍيَ المواطنة على الجباه وعلى الشفاه وعلى الخدود وأماكن أخرى ..

ولا عيب أن تستهوي روح المواطنة شبابنا ، لكن العيب كل العيب أن تتردى المواطنة إلى تفريغ عدواني لشحنات جاهلة لا علاقة لها بحس الانتماء إلى لون أو عرق أو دين أو شعب، شحنات يصعق لها كل ذي حس سليم بالمواطنة ، حين  يتابع أجواء الممارسات المخجلة جدا والمرافقة لهذا الدفق البشري السائب ، فعلى الطريق الطويل المتفرع عن الشارع الذي يقود إلى الملعب كان حطام زجاج السيارات ينتشر لكيلومترات ، حطام أمامه حطام ، مما يؤكد بأن حرب التخريب كانت في الذروة لدى مغادرة الجماهير البيضاوية لأرضية الملعب ، حطام تعضده عدوانية بلا ضفاف ، تكتنف الوجوه والكلمات السفيهة التي كانت تنطلق من أفواه حزمات من طاقات الوطن المعطلة ..

عدوانية في اعتراض المارة وخصوصا منهم النساء ، عدوانية في سلخ جلد حافلات النقل وإحالتها إلى خردوات متنقلة ، ومن أهمه أمر الأمن الوطني في هذه النازلة ،وداهمه سؤال الحماية الأمنية وأينها في هذا العباب المتلاطم من الجاهليات المتعددة العدوانية فلينزل إلى شوارع البيضاء في عيدها الكروي الدامي، وسيقول حتما في نفسه (اللي سخطات عليه أمو يكون بوليسي).

لقد كانت كل أصناف رجال الأمن حاضرة،  ومع ذلك ، غلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ،  ولا عجب ، وقد اتسع الخَرْقُ على الراتق…

كانت ملامح الإحباط والعياء تجلل سحنات الأمنيين المعروقة ووجوههم المصفرة الجاحظة الذاهلة وقد أتعبهم الركض والصراخ أمام جموع من الشباب أشبه بالثيران الإسبانية حين تطلق في شوارع إسبانيا، إنه الهياج المطلق لأرواح أسيرة لجلدة من هواء. ويستشعر المرء أن مساطر فوقية وتوجيهات صارمة تحكم تدبير رجال الأمن لهذا الفيض من الجماهير، وتجعلهم يحجمون عن الرد أمام تحرشات الشباب ومسهم المفرط بأمن الشارع والممتلكات من منطلق الاستجابة لضغوطات المجتمع المدني حول صيانة حقوق الإنسان، فهل تنتقل البلاد من شطط السلطة إلى شطط المواطنين؟؟ وهل تعني حقوق الإنسان فيما تعنيه … دقدق هرس… والشاطر من يكسر أكثر ويستفز المخزن أكثر، وهل ضاقت رحاب المنتديات ودور الشباب والأحزاب بهذه الطاقات لتتركها لهذا الانفلات اللامسؤول؟؟ .

3- أينها الأحزاب .. أينها الطليعة

جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالة انقاذ العباد من الجاهليات المتعددة التي تقود إلى الغابوية دنيويا وإلى النار في الآخرة، فكان ينبوع شفقة ورحمة جعلت الناس من مختلف مرجعياتهم ينقادون إلى رسالته، لأنها رسالة رحمة وشفقة لا رسالة نفعية وذات مصالح آنية وفئوية، وهاهي الإيديولوجيات الوضعية المرتكنة إلى مصالحها الترابية الضيقة تقذف بالناس مرة أخرى في أتون الغابوية المقيتة لأنها منشغلة بالانتصار إلى تنظيماتها ونجاعتها في استقطاب أكبر عدد من رؤوس الأغنام أكثر من انشغالها باستنقاذ منخرطيها من التيه والحيرة، وربطهم بالغايات الخلاقة السامية.

والنتيجة أن الأجسام المحشوة بالشعارات الجوفاء وبقيم الغلبة للأنانيات ومطالبها المادية المحضة والمفتقدة لإشعاعات الروح وأنوار العبودية لله سبحانه سترتطم لا محالة بالطين الذي تلوذ به وتتجذر في ظلماته، وستجرف معها في طميها من يخلدونها إلى الأرض ، ومن زرع الريح لا يمكن أن يجني التفاح ..

4- أينها المرأة؟

هل انقذفت تلك الجموع من الشباب إلى شوارع المدينة من عدم، أم تراها تخلقت فجأة بمحض صدفة، بكل تلك المواصفات من الشغب المكعب الذي قاد إلى قتل الطفل البيضاوي عبد العالي الزاكي، الذي راح ضحية الاكتضاض بباب الملعب، هل نبت أولئك الشباب كما تنبت الأعشاب العائمة من فراغ، أليسوا أبناء أمهات مسلمات، فكيف يخرجن إلى المجتمع هذه الدفعات من الشباب العدواني المريض، وهن المسئولات التربويات في المقام الأول، وقبل الآباء بحكم القرب ولا شك ؟؟..

هل يمكن الحديث اليوم عن بيوت مسلمة بل حتى عن بيوت فحسب،  أمام تناسل ظواهر شبابية شاذة سيمتها العنف والجنوح والاستهتار بالقيم والثوابت ؟؟..

ومن جهة أخرى فإن من يتفحص ملامح شبابنا في زحفهم إلى الملاعب أو عودتهم ستصعقه لا محالة تلك السحنات السوداء من تراكُم الفقر والإرهاق والإحباط فيرى بكل وضوح أثَرَ غياب المرأة المربية، والهادية المرشدة، إلى تناسل شخصيات ضائعة مظطربة، شخصيات لا رصيد إيمانيا لها، يجعلها تستحضر رقابة الله عز وجل لها، وحرمة الأرواح والممتلكات، ووظيفة اللعب والترفيه الرسالي البناء.

كما أن غياب بيوت يملأها الدفء والحنان الكفيلان بتخريج أجيال ملتزمة وعاملة لتحقيق أمة الهدي النبوي، أمة الرحمة للعالمين، لا يمكن إلا أن يفضي إلى صناعة مخلوقات شوهاء لا هدف لها إلا التخريب.

ولأن الحرقة أكبر من أن تصاغ في بضعة سطور، نقول فقط في خلاصة نسبية لا تدعي امتلاك الحقيقة، وإلى كل من يهمهم الأمر إن شبابا بهذه الغثائية والعنف ، هم مرآة صادقة لبيوت خربة تعمرها نساء غائبات غيابا رساليا أمام طوفان المسلسلات المكسيكية والبرازيلية، ففي كل الحالات لا يعذرن بتخليهن عن مسؤولية الرعاية لأبنائهن وبيوتهن، تلك الرعاية التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته… والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها”، كما أن هذا الشباب مرآة لغياب الآباء، أصحابالقوامة ياحسرة..

وهم أيضا ـ أي أولئك الشباب ـ صك اتهام مشروع، لكل أولئك القابضين على جمر المسؤولية في كافة المناصب والذين يحيل اللامسؤولون منهم، بيوتَ المواطنين إلى براكين آيلة إلى انفجار،  إذ يردونهم إلى تلك الأعتاب اللامحتملة من الإحباط واليأس، ونقول بكل محبة، ومن منطلق التواصي بالحق، كما أمر بذلك تعالى:  إن مناصبكم هي خزي لكم وندامة يوم القيامة، وهي جنتكم أو ناركم، وكفاكم نار الدنيا التي تجهزون لها الحطب بممارساتكم غير المسئولة، وتوشكون أن تكونوا بعضا من هذا الحطب..

أما نار جهنم فكفاكم فيها قوله تعالى : {إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير، قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير، وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل مــا كنا في أصحاب السعير}الملك : 7- 10).

ذة.فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *