الخبرة الطبية وأثرها في ثبوت النسب ونفيه في المنظور الاسلامي


1- اعتماد الخبرة لنفي الولد عن الزوج

3/1

حـقـائـق مهمة

في البداية وقبل الدخول في الموضوع ينبغي التذكير ببعض الحقائق المهمة ذات الصلة بالموضوع وهي :

1- أن النسب في المنظور الاسلامي هو حق لله وحق للعبد، ومن شأن هذا أن يضفي عليه هالة من القدسية والاحترام، ويبعده من ساحة الصراع والتلاعب والهوى ومن أجل ذلك :

– حرم الله تعالى التبني وأبطله لما فيه من تزوير للحقيقة وافتراء الكذب كما يشير لذلك قوله تعالى في سورة الأحزاب {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله}

– حرم انتساب الانسان لغير أبيه تحريما قاطعا ولعن مرتكبه لعنا شديدا في حديث من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة”(رواه البخاري).

– حرم جحود الأب ولده وإنكاره له وهو يعلم، كما جاء في حديث أبي داود وغيره “وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله تعالى منه وفضحه على رؤوس الأولين يوم القيامة”.

2- أن المحافظة على الأنساب في المنظور الاسلامي من أقدس المقدسات وأوجب الواجبات وإحدى المقاصد الضروريات الخمس التي بنيت عليها شريعته، ومن أجل ذلك حرم كل ما يؤدي إلى اختلاط الأنساب وضياعها، حرم الزنا وكل ما يدعو إليه أو يشجع عليه، ومنع النكاح في العدة والاستبراء ووضع ضوابط ومقاييس دقيقة لحماية الأنساب حتى لا يُنفى ولد عن أبيه إلا بحجة شرعية، ولا يلحق ولد بأَبٍ إلا بوجه شرعي وحجة شرعية أيضا. وقد تكفل الفقه الاسلامي بتفصيل ذلك وتبيانه، يمكن الرجوع إليه لمن أراد ذلك.

والذي يعنينا في هذا البحث هو ما يدعو إليه البعض ويدافع عنه من اعتماد الخبرة الطبية والاحتكام إليها عند التنازع في ثبوت النسب ونفيه باعتبارها وسيلة علمية قادرة على كشف الحقيقة ومعرفة ما إذا كان الولد المتنازع فيه تخَلَّق من نطفة من تدَّعي أمُّه أنه منه أو من نطفة غيره.وهو ماأخذت به بعض القوانين التي تعطي للزوج الحق في نفي ولده بواسطة خبرة تفيد القطع إذا أدلى بدلائل قوية على ادعائه.

وهو توجه يمكن أن يترتب عنه بعض آثار مرضية ونتائج إيجابية مثل :

– الحد من الخيانة الزوجية أو التقليل منها على الأقل في صفوف الزوجات غير العفيفات حيث تخاف العار والفضيحة لها ولولدها وأهلها وما يتبع ذلك من آثار سلبية عليها.

– طمأنة الأزواج على صحة نسب أولادهم ونفي الريبة والشكوك من نفوسهم.

– حماية المرأة وبصفة خاصة الفتيات من الاغتصاب واستغلال غفلتهن أو حاجتهن للعبث بهن ثم التنكر لهن بعد إحْبَالِهِنَّ.

– الحد من ظاهرة الأطفال المتخلَى عنهم.

– تمكين الطفل من حقه في أن يكون له أب ينسب إليه ويحميه من التشرد والضياع.

إلا أنه بالرغم من ذلك كله فإن ذلك لا يصلح أن يكون مبررا لاعتماد الخبرة لإثبات النسب أو نفيه :

أولا لأن تلك النتائج كلها محتملة غير محققة الوقوع ولا مضمونة الحصول.

وثانيا فإن الحدود الشرعية كفيلة بتحقيق تلك النتائج كما يؤكد ذلك الواقع الاسلامي وتاريخه النظيف. فإن هذه الجرائم المشتكى منها لم تظهر في المجتمعات الاسلامية إلا بعد تعطيل الحدود وانتشار ثقافة الحداثة والانحلال وتقلص ثقافة العفة وانحسارها.

وثالثا فإن ذلك مخالف للشريعة الاسلامية نصا وروحا، وشكلا ومضمونا، ولتوضيح ذلك نقسم هذا البحث إلى مطلبين :

الأول في اعتماد الخبرة لنفي الولد عن الزوج.

والثاني في اعتماد الخبرة لإلحاق الولد بغير الزوج

أما اعتماد الخبرة لنفي الولد عن الزوج فهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله  وقضائه وقضاء الخلفاء من بعده ومذهب الصحابة وإجماع الأمة. كما أنه مخالف لروح الشريعة الاسلامية ومقاصدها والقواعد الأصولية، وظلمٌ للمرأة والطفل، ويشكل تهديدا لاستقرار الأسرة ويؤدي إلى الوقوع في تناقضات عدة.

هذا على سبيل الإجمال وأما على سبيل التفصيل فهو كالتالي :

> أولا ـ أنه مخالف لكتاب الله تعالى  وحكمه فيمن قذف زوجته ونفى ولدها منه الوارد في قوله تعالى {والذينَ يَرْمُون أزواجَهُمْ ولم يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أربَعُ شَهَادَاتٍ باللَّهِ إِنَّهُ لَـمن الصّادقين والخامسَةُ أن لعْنَةُ اللَّه عَلَيْه إن كانَ  منَ الكَاذِبِين، ويَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أربَعَ شَهَادَاتٍ باللّه إنه لَـمن الكَاذبين والخامسَةُ أن غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها إن كَانَ من الصَّادِقِين}(النور : 6- 7- 8- 9)

فإن هذه الآيات عامة فيمن رمى زوجتَهُس بالزنا، وفيمن رماها بنفْيِ حَمْلِها أو ولدها منه. كما قال ابن العربي، وهو ما يدل عليه سبب النزول.  فإن هذه الآيات نزلت في هلال بن أمية قذف زوجته ونفى حملها وقيل في عويمر العجلاني وكانت زوجته حاملا أيضا فأنكر حملها.

وعلى كل حال فالآيات صريحة في لزوم اللعان ووجوبه في حالة إنكار الحمل ونفيه لأن قوله تعالى : {فشهادةُ أحدهم} مبتدأ خبره محذوف  أي لازمةٌ أو واجبة.

وتقدير الآية والذين يرمون أزواجهم….{فشهادةُ أحدهم أربع شهادات} لازمةٌ وواجبةٌ ومن القواعد الأصولية أن صورة السبب قطعية الدخول كأنها منصوص عليها بخصوصها لا يجوزُ خروجها من حكم العام ولا استثناؤها منه.

وبذلك تكون الآية نصا قاطعا في وجوب اللعان وتعين الاحتكام إليه في حال إنكار الزوج ولده. فالاستغناء ُعن اللعان الذي شرعه الله وجعله السبيل الوحيد لنفي الحمل أو الولد والالتجاء إلى الخبرة الطبية وحدها دونه بدعةٌ منكرة ومخالفةٌ واضحة لكتاب الله وتجاوزٌ سافر لحكمه وإعراضٌ عنه.

>ثانيا  : إنه مخالف لقضائه[ فيمن قذف زوجته وأنكر ولدها منه فإنه  لاعن بينهما كما جاء في حديث ابن عمر ] أن رجلا رمى امرأته فانتفى من ولدها في زمن رسول الله  فأمر بهما فتلاعنا كما قال الله ثم قضى بالولد للمرأة وفرق بين المتلاعنين (البخاري بشرح الفتح 451/9) وفي رواية لمالك عن ابن عمر ] أن رسول الله  لاعن بين رجل وامرأته انتفى من ولدها ففرق رسول الله بينهما وألحق الولد بأمه (الشهيد 15/20).

والحجة في الحديثين من وجهين :

أولا : أنه  قضى بينهما باللعان كما قال الله تعالى فدلَّ ذلك على  أن حكم الله وحكم رسوله عند إنكار الولد هو اللعان. وأن آيات اللعان الآنفة شاملة لنفي الحمل كما قلنا.

وثانيا : أنه  لم يأمر بعرض الولد الذي نفاه الزوج على القافة لتلحقه بالزوج أو تنفيه عنه.

وقد كانت القافة معروفة عند العرب قبل مجيئ الاسلام وكانت محل ثقة واحترام عندهم، يعتبرونها علْما من علومهم يحتكمون إليها في إثبات النسب، ولا يعترضون على أحكامهاوقراراتها حتى جاء الاسلام وأقر ذلك على تفصيل.

روى البخاري وغيره واللفظ للبخاري عن عائشة رضي الله عنها في بيان أنكحة الجاهلية… ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها. وهن البغايا. كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن. فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جُمعوا لها ودعَوْا لها القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالْتاط به -التصق- ودعي  ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم. الفتح 9/183.

هذا اعتقادهم في القافة، وهذه نظرتهم إليها. وهذه ثقتهم فيها وفي أحكامها واطمئنانهم إليها، وهي لا تقل عن ثقة الناس اليوم بالخبرة الطبية. فلو كان العمل بها في نفي الولد مشروعا لرجع إليها الرسول[، ولَـمَّا لَمْ يقض بعرض الولد على القافة دَلَّ ذلك علىعدم اعتمادها في نفي من وُلِدَ على فراش الزوجية وأنه لا ينتفي إلابلعان كما قضى الله ورسوله.

>ثالثا:  أنه مخالف لقضائه  في ابن زمعة حين اختصم فيه سعد بن أبي وقاص وعبد ابن زمعة فإنه  لم يعرض الولد المتنازع فيه على القافة ـ الخبرة المعترف بها يومئذ ـ

روى  البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد ابن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة منّي فاقبضه إليك. فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال : ابن أخي عَهِدَ إِلَيَّ فيه. فقام إليه عبد بن زمعة، فقال : أخي وابنُ وليدة أبيّ، ولد على فراشه، فتساوقا إلى رسول الله  فقال سعد : يا رسول الله : ابنُ أخي عَهِدَ إليَّ فيه. وقال عبد بن زمعة :أخي وابنُ وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال  : هو لَكَ يَا عَبْدُ بن زمعة الولدُ للفراش وللعاهر الحجر. واحتجبي منه يا سودة. الفتح 13/172.

والحجة فيه من وجوه.

– أنه لم يعرض الولد على القافة مع وجودها واستمرار العمل بها.

– إلحاق الولد بصاحب الفراش/ زمعة رغم شبهه الشديد بعتبة واعترافه بأبوته له.

– إلغاء الشبه وعدم الاعتداد به، وهو عُمْدة القافة الذي تعتمد عليه في إلحاق الولد بأبيه، فدل ذلك على أنه لا عبرة بالشَّبه مع وجود الفراش. وهو ما يدل عليه حديث مسلم وغيره فيمن ولدتْ امرأته غلامًا أسودَ فجاء إلى النبي  يُعَرِّضُ بنفيه فلم يُرحِّضْ له في الانتفاء منه، وقال له : هل لك من إبل؟ قال : نعم، قال : فما ألوانُها؟ قال : حُمر، قال : هل فيها من أَوْرَق؟ قال نعم قال : فأنى ذلك؟ قال : لعله نزعه عرق. قال :  فلعَلَّ ابنك هَذَا نَزْعةُ عِرْق. (سبل السلام 3/244 البخاري بشرح الفتح 9/442).

إذا لم يصح الاعتماد على الشَّبَه والقيافة في نفي الولد مع وجود الفراش لم يصح الاعتماد على الخبرة لنفي الولد مع وجود الفراش أيضا.

>رابعا : أنه مخالف لقوله  : >أيما امرأة أدخلتْ على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته<(رواه أبو داود وغيره. سنن ابي داود 2/279) وهو دليل على أن حمل الزوجة من الزنا لاحقٌ بالزوج إلا أن ينفيه بِلِعَان.

ومن هنا يقول المالكية : بلُحوق ولد الزانية ولو جاءت به لأكثر من سِتَّة أشهر من وطء الزنا.(الزرقاني 4/202).

ومن هنا أيضا يقول مالك رحمه الله فيمن زوَّج عبدَهُ أمتَه ثم يطؤها السيد وتحْمِل منه : إن الولدَ لا حِقٌ بالزَّوْج ويُحَدُّ السيِّدُ (التمهيد).

ولهذا أيضا يقول الفقهاء فيمن حملت زوجته من الزنا أنه يجب عليه أن ينفيه بلعان، فلَوْ كان ينتفي عنه بغير لعان لما أوجبوا عليه اللعان.

د.محمد التاويل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *