هكذا غادرت سجن “بوركايز” بفاس..!!


لا يكاد المرء يذكر السجن حتى يقرنه في تصوره بكل المعضلات الإنسانية التي نرجو من الله أن يحفظنا منها.. لكنني هذه المرة دخلت السجن طواعية بقصد المشاركة في الاحتفال باليوم العالمي للشعر صحبة بعض الشعراء وإلى جانب شعراء نزلاء بعد الدعوة التي وجهتها إلينا رابطة أساتذة التعليم العالي في إطار التفاتة إنسانية رائعة تشكر عليها هذه الجمعية…

وجفت قلوبنا ونحن ندنو من بوابات سجن بوركايز بفاس التي ازدحمت بطوابير الزائرين المحمّلِين بما طاقت قدراتهم المادية وبما لا تطيق..

لم يكن السجن بتلك الصورة البشعة التي تفنن خيالي في رسمها لأي سجن في العالم.. كان سجن بوركايز نظيفا بساحاته الواسعة وممراته الممتدة وملعبه الفسيح وقاعاته المتخصصة في تأهيل النزلاء في حرف كالنجارة والنقش على الجبص، والحلاقة والبستنة مع وجود قاعة للإعلاميات وأخرى للمكتبة.

عند الباب استقبلَنا بعض المسؤولين لم أر في ملامحهم صفة السجان كما تخيلْتُها عبر التاريخ الإنساني فلم ألمح إلا أشخاصا عاديين مع دماثة أخلاق ولطف، ميزت بينهم مدير السجن الذي بدا رجلا عطوفا سمحا ومربيا حانيا على النزلاء كما أكد هؤلاء في غيابه وقالوا : >ما أكثر ما ينصحنا بالصبر والتسلح بالشجاعة<. لم يُمنع السجناء من الاختلاط بنا حتى تداخلت في ذاكرتي الأمكنة وحسبتُني في مكان طلق من ربوع وطننا العزيز، حدثنا بعضهم عن أسباب دخوله السجن وأقسموا على براءتهم… لكن البعض الآخر ظل واجما لتقرأ في تقاسيم وجهه ندما وتوبة وحنينا إلى ماض مُؤس أو إشفاق من مستقبل مجهول.. واحتشد جمهور النزلاء.. ما يزيد عن مائتي نزيل، وقرأ بعضهم أشعارهم وقرأنا فيما كانت بعض المنابر المرئية والمقروءة والمسموعة تواكب التظاهرة.

لست أدري لماذا خامرني شعور بالخجل والحرج حتى انعقد لساني وأحسست أن النصين القصيرين اللذين قرأتهما كانا مشدودين بأمراس كتّانٍ إلى حلقي.. كنت أود التخلص من قراءتي بأي طريقة..!! ألأنني أنعم بالحرية وأرى أهلي وأختار حياتي بجزئياتها وأعيشها بتفاصيلها دون رقيب وهم محرومون من ذلك؟ ألأنني فوق منصة ولأنهم الجمهور؟ أم لأنني سأغادر هذا الفضاء بطوع إرادتي وأنهم سيمكثون قسرا؟ وزاد من حسرتي بعد توزيع الجوائز على الشعراء النزلاء، أن سمعت نزيلا يقول : >ما تعطلوش علينا< كان صوت نزيل أهديته أحد دواويني، بدا وقورا متأملا، واقترب مني وقال : >لا تنسي الدعاء لي في صلواتك.. إنني والله بري.. كنت مدير شركة.. ولدي سبعة أبناء.. وقد لُفقتْ لي تهمة مالية حُكم علي بسببها بعشر سنوات لم أقض منها إلا أربعا< لا أخفيكم أنني صدقته -وما زلتُ- وتفرستُ في وجهه فلمحت في ملامحه براءة وسماحة وحاولت أن أبحث في ثيابه البسيطة عن بذلة مدير الشركة بياقتها البيضاء، وعن المدير نفسه الذي يأتمر بأمره الموظفون ويهرول بين يديه المهرولون فلم أعثر إلا على سجين  وديع مستسلم لله لا يجد ملاذه إلا في الدعاء : وسألتُ آخر عن جرمه فقال : إنه ارتكب جريمة قتل دفاعا عن والديه فحُكم عليه بثلاثين سنة نافذة.

هل يولد الإنسان مجرما؟ أم أن الظروف تسوقه إلى سوء المغبة؟ هل نختار بإرادتنا أم نفعل ما تُمضيه الأقلام والصحف في علم الغيب؟ اللهم لك الأمر من قبل ومن بعد.

غادرنا السجن يسبقنا أحد السجانين وهو يحمل سلسلة مفاتيح نحاسية كبيرة.. غادرت وكأنني أهرب بنفسي لا يعزيني سوى أن السجن كان فضاءً رحبا أنيقا جميلا لكنه يظل سجنا. غادرته وقلبي يعصره الأسى وعيني لا يُرْقأُ لها دمع وأنا أقول : ماذا لو حدثت المعجزة الكبرى؟ وكان العفو الرباني على كل هؤلاء وانفتحت أبواب الرحمة للأوابين ورفع حدُّ الباطل عن المظلومين؟

ماذا لو انمحت الخطايا وعاش الإنسان لا خطاء ولا مذنبا ولا منحرفا ولا حقودا..

كيف يتعاقب الجديدان على هؤلاء وتمضي المواسم والأعياد وتغيب وجوه الأحبة وتصبح الجدران الفاصل بين الظلام والنور بقدرة قادر قوي الطول؟

قلتُ لمرافقَيَّ : لا يسعني إلا أن أنصح غيري بعد هذه التجربة المريرة بألا يبتغي المرء من هذه الحياة سوى القناعة بكسرة خبز وجرعة ماء مع سلامة الطوية والارتباط بالنهج الرباني.. وما أجدر الإنسان أن يسير على الأرض هَوْنا ولا يقول إلا سلاما، وما أحق وهو في نشوة كبريائه وعزته وجبروته أن يتذكر كل معاني الأفول والزوال والعزوب والانتهاء وما أقسى أن يغرب عن الإنسان أمور منها : الصحة والحرية..!! فاعتبروا يا  أولي الأبصار..

ذة.أمينة المريني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *