متاهات أصحاب النية الطيّبة


الأمة الاسلامية غنية بأصحاب النية الطيّبة من النخبة في العلم والخبرة والمال والدين والقدرات المختلفة النافعة لأمتهم، ولكن معظمهم يعيش في دوامة التفكير العقيم والحركات المشلولة وأحلام اليقظة والبناء العشوائي والهدم العشوائي والكرّ والفرّ في غير معركة، والتخبط في ترتيب الأولويات والاجهاد النفسي والعقلي دون بذل جهد، بل إن منهم من يبذل جهوداً مضنية وأموالاً قدر طاقته بل ربما أكثر و لكنه يزرع “الكُبّار” ليطعم به الأمة وهي في حاجة إلى الزرع، ويغرس “العُنّاب” والأمة محتاجة إلى التين والزيتون، ويحفر الآبار وللأمة أنهار كثيرة وبحيرات عديدة فهي تحتاج إلى سدود، ورحم الله أحد المعلمين النابغين الذين استطاعوا أن يحرزوا على أعلى الشهادات وقد قام بمشروع علمي رائع في بَلد سكناه غير أنه لم يتابعه فمات المشروع، ولما التقيته لأسأله عن مشاريعه الجديدةوجدته مهتما بتأليف في المواريث والقراءات وهو لا يحسنهما، والمطلوب منه كان غير ذلك، فمات دون أن يتم مشروعه العلمي ولم يتسنّ له أن يعمل شيئا في مشروعه الجديد الذي اتجه إليه لتبذير وقته!! ورحم الله ابن عطاء الله السكندري الذي يقول في حكمه “اجتهادُك فيما ضُمن لك وتقصيرُك فيما طُلِبَ منك دليلٌ على انطماس البصيرة فيك” وهناك صياغة أخرى صياغة للحكمة حسب المقام : إن من انطماس البصيرة اجتهادك في النوافل وتقصيرَك في الفرائض أو اشتغالك بما تهوى نفسك لا بما هو مطلوب منك شرعاً وهو ما يسمى بالإعراض عن الأوْلى الذي تتقنه بسبب إقبالك على ما دونه مما يقوم به غيرك أو بما لا تتقنه أنت. وفي النهاية يقع فريسة الشعور بالحَبَط بعد الخَبْط، واليأس بعد التمنيات فيقفز إلى الاستقرار على لزوم دائرة مصالحه ومصالح أولاده مقتنعاً أن الأبواب مسدودة، والارادات عاجزة محدودة، وليس هناك واجباتعليه نحو أمته ودينه مكتفيا بفرائضه ومع الجماعة وبعضهم يتبرع بنوافل الصلاة والصيام وبعضهم يكثر من الحج والعمرة ليصبح كل عام كمن ولدته أمه ولتكفير ذنوبه… وهذا الصنف من النخبة الاسلامية تضطر إلى الانعزال عن جماعة المسلمين في الظاهر والباطن فإن شاهد مآسيها اكتفى بقوله “لا حول ولا قوة إلا بالله”.

ولولا أن الله أكرم هذه الأمة بأفراد قلائل استجابوا لله وللرسول لما دعاهم إليه مما يحييهم فجددوا دين الأمة وصلتها بربها عن طريق مشاريعهم الكبيرة أو الصغيرة لضاعت هذه الأمة وفي مقدمة هؤلاء : جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وحسن البنا وبديع الزمان النورسي وعبد الحميد بن باديس والشيخ الابراهيمي ومالك بن نبي وغيرهم من الأفذاذ.

وفي عصرنا أمثال الداعية الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور عبد الرحمن السميط ومن كان معه أو ممن لا يزال يعمل معه من الرجال العاملين في افريقيا. والشيخ أحمدياسين الذي أنقذ الروح الفلسطينية من المسخ واليأس والاستلاب وبعث الله به الرِّمم ونهضت به الهمم، وهناك قادات صغار يعملون في حقول تجديد الأمة في العالم كله دون تردد أو اضطراب وقد اطلعت في الكويت على مشروع خيري بدأ صغيراً ضعيفا لكنه يزداد نموا مطرداً يمتد نشاطه من الأكوادور والمكسيك إلى سيبيريا، كما أن منظمات أخرى تعمل في آسيا وغيرها أعمالاً جليلة شاهدت بعضها والحمد لله.

كما التقيت بالكويت الشباب الشنقيطي العالم والعامل الذين ملأوا الساحة في موريطانيا وجيرانها الجنوبيين نشاطاً ودعوة وعلما وفضلا وصبروا وصابروا في احتساب وبطولة.

وبعدُ؛ فليبق المترددون في نشاطهم الميت وفي أحلام يقظتهم وفي نياتهم الطيبة التي لا ينشأ عنها فعل صالح للمسلمين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوب علينا وعليهم فيهدينا جميعاً صراطه المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من صالح هذه الأمة غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين.

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *