ماذا عن تقرير 50 سنة من التنمية الربانية في المغرب!!؟


فهل كان تقييد التنمية بالبشرية دون الربانية بانيا لمجتمع التزكية أم لمجتمع التدسية؟!

جميل جدا أن يجند أهل البلد، والد وما ولد، لتقويم مسار البلد، مذ حرر في كبد، وأجمل منه  أن يكون للتقويم مستند قوي حاكم، يعكس بالفعل مستويات الرقي الحضاري، بكل ما تحمله الضميمة من معنى، على حسب امتداد المتسند وارتداده في الناس.

ذلك أن قضية المستند هي القضية الأساس في كل مشروع تنموي، إذ منه يستمد الرشد المنهجي والهدي التربوي، وتصاغ الهوية الحضارية المتميزة، وقد مثلت المذهبية الإسلامية الأصل المستند إليه في صياغة الوعي المغربي، بحيث كانت محل إجماع تاريخي تعاقبت عليه الأجيال منذ الفتح الاسلامي الأول للبلاد وإلى غاية الانزياح العسكري للاستعمار الفرنسي عنها، فكان العقل المغربي يشكل ذاته بالنظر في كليات الاسلام وتعاليمه في التفكير والتعبير والتدبير حتى إذا نزع الله المهابة من الصدور بما كسبت أيدي الناس، وقذف في قلوبهم الوهن، وصارت هناك قابلية رسمية وشعبية للاستعمار، لم يكن ثمة من مخلص منقذ غير الإسلام عبر المتشبعين بهديه آنذاك من العلماء والفضلاء ورجال المقاومة.

فللإسلام قوة وحاكمية في بلورة الذات المغربية وصناعة مقوماتها الحضارية، ومن المجحف جدا تجاوزه وتجاهله، في الوقت الذي يفترض أن يكون فعلا لجنس التنمية المتحدث عنها اليوم، وقيدا لمضمونها الذي ينبغي أن يشمل كل مظاهر الرقي التربوي الديني، قبل مظاهر العمران المادي الطيني، إذ إن بناء الإنسان أولى من بناء الجدران، إن كان، وبالشكل الكافي. ثم إن الاستناد إلى مفاهيم الاسلام في التنمية يجعل منها تنمية ربانية يتحصل بها نماء العمران على المستوى الكمي وطهارته على المستوى الكيفي، فيتحقق المقصد العام من التكليف وهو التزكية النفسية والاجتماعيةللأفراد والجماعات والمؤسسات فيغمر المجتمع نماء نفساني بالإيمان وزيادة في الخيرات بالعمل الصالح.

وهل تنمي أنفسنا باعتبارنا بشرا وكفى كسائر الناس، أم باعتبارنا ربانيين من أمة الشهادة على الناس!؟

إن التنمية البشرية بشكلها المجسد في الواقع، وهي تتجه إلى ما يحيط بالإنسان  إلى حد ما، مع إهمال ما يرفع من مستوى آدميته ذات الصبغة التربوية المبنية على العلم بالله، تعيق التنمية الربانية المنشودة، التي يختزلها مفهوم التزكية القرآني، وهو مفهوم أصيل في منظومتنا الإسلامية، محيل على البعد الأخلاقي في مشروعها التنموي الذي هو ديدن الحركات الاصلاحية الراشدة شعبية ورسمية، وذلك في كنف الحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع المغربي في النفس والواقع.

فإذا عدنا إلى التاريخ القريب، تاريخ الاستعمار، نجد أن مهام التنظيم والتكوين والتأطير لأبناء الشعب كانت تمارس في حمى الهوية على عين العلماء، فكانت المقاومة ربانية يئس أمامها الاستغراب أن ينهب خيراتنا وهو قابع بين ظهرانينا، لكنه طمع أن يدجن بعض أبناء جلدتنا ممن اتخذوا العلمانية إلها من دون الله، وارتدوا عن مشروع الاستقلال المبني على تعاليم الاسلام، حتى إذا ما أخرج كرها من البلاد استطاع أن يدس بيننا نخبه المدجنة رافعة شعارات الحرية والديمقراطية الكاذبة لإحداث ثقوب في الإطار التاريخي الحامي إطار الهوية.

ومن خلال تلك الثقوب مارست النخب الدخيلة أنشطتها التنظيمية والتأطيرية وصار لها وجود في الساحة على ندرة أتباعها، وخور مراجعها ونفور الذوق الإسلامي العام للشعب منها، لكنها استجمعت بعض قواها، بعد أن شلت رابطة العلماء وانحلت أواصرها وحيل بينها وبين الناس، فصارت الفجوة عميقة، وانهد المشروع التنموي الإصلاحي للمقاومة قبل بُدُوِّ صلاح ثماره، وهكذا سيطر أنصار العلمانية الذين هم أعداء الربانية على الساحةالسياسية، بعد أن لوثوا بيئتها، بمفاهيم الإلحاد وممارسات الفجور، بدعوى تكريس الخيارات الديمقراطية وتطبيق مشاريعها البغيضة المملاة بإيعازات خارجية، ثم ما لبثوا بعد تبخر الشعارات وذبول البشارات وفشل السياسات، أن انقضوا على تاريخ المقاومة زاعمين أنهم صناعه متى يُزَمِّلُوا انتكاسة شرعيتهم الديمقراطية بشرعية تاريخية مزورة.

إن من كبريات عمليات السطو في التاريخ، الواقعة في غالب بلاد الإسلام المستعمرة، ما حدث عندنا في المغرب، حين آل أمر الحراك السياسي فيه إلى غير صناع الاستقلال من الزعماء ورجال المقاومة المحفوفين بأجنحة العلم الراسخ في الدين، والتبصر بمقاصده في البناء والعمران النفسي والاجتماعي المتين، وإنه لجرح عميق أن تختلق البطولات المزيفة  لفلان وعلان ممن لم يكن في المقاومة ومشروع الاستقلال في عير ولا نفير، في الوقت الذي كادت تمحى فيه أمجاد أحمد الهبة وحمو الزياني وماء العينين والخطابي من ذاكرة الأجيال الوليدة.

إن هؤلاء الأبطال وأنصارهم الذين هم عامة ذلك الجيل المجاهد، حين بذلوا حبات قلوبهم فيما ينفع البلاد والعباد، لم يكونوا طامعين في مجرد فك ارتباط، على تعبير العدو الصهيوني اليوم، وإنما راغبين في استقلال حقيقي عن الاستعمار ومفاهيم الاستغراب والاستخراب، وذلك في ظل سيادة حرة يقويها تعليم نافع، وإعلام رافع، واقتصاد ملتزم، وفن منسجم مع روح الهوية الإسلامية للذات الواقعية والتاريخية المغربية، لا مع خداع الهتافات، وزيف المرجعيات، ومقالات الحداثات.

وإنه لَهَدْمٌ حقا، ما لم تعد الحلقة المنزاحة إلى مكانها الحقيقي، فتسند مهام التربية والإصلاح للأفراد والمؤسسات والمشاريع والمخططات إلى العلماء غير العاطلين عن العمل، وإلا فإن رجاء التغيير من خلال الإطار السياسي الملوث مفهوما وممارسة، لن يثمر تنمية ربانية البتة، وإنما قد يثمر مجرد تنمية بشرية على المعنى الذي أسنده فضيلة الدكتور عبد الصبور شاهين لكلمة بشر، في درسه الحسني الشهير “رؤية في قصة الخلق” وأقره في كتابه “أبي آدم” وهو على جلالته أنكره عليه أهل العلم، إذ زعم أن لفظ البشر يراد به إنسان مسلوب الملكات العليا التي هي العقل واللغة والدين، فهل تجدي تنمية بغير عقل راشد، وخطاب قائد ودين مشاهد.

ذ.عبد المجيد بالبصير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *