السيدة عائشة  رضي الله عنها: صدِّيقة  من بيت النبوة


< مقدمة :

لقد جاء رسولنا  بالدعوة الربانية، ولم يكن له دعاية من دنيا، فلم يلق إليه كنز، وما كانت له جنة يأكل منها، ولم يسكن قصراً، فأقبل المحبون يبايعونه على شظف من العيش وذروة من المشقة، يوم كانوا قليلا مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس من حولهم، ومع ذلك أحبَّه أتباعه كل الحُبِّ.

حوصروا في الشِّعْبِ، وضُيّق عليهم في الرزق، وابتلوا في السمعة وحوربوا من القرابة وأوذوا من الناس، ومع هذا أحبوه كل الحب.

سُلبُوا أوطانهم ودورَهم وأهليهم وأموالهم، طردوا من مراتِع صباهم وملاعب شبابهم ومع ذلك أحبوه كل الحب.

عُرّض صفوة شبابهم للسيوف المُصْلتة، فكانت على رؤوسهم كأغصان الشجرة الوارفة ولكن لماذا أحبوه وسَعِدوا برسالته، واطمأنوا لمنهجه، واسْتبْشروا بقدومه ونسوا كل همٍّ وألمٍ ومشقة وجُهْد ومعاناةٍ من أجل اتباعه،لقد صقَل ضمائرهم بهُداه وأنار بصائرهم بِسَنَاهُ وألقى عن كواهلهم آصار الجاهلية، وحط عن ظهورهم أوزار الوثنية. فصل اللهم على محرر العقول من أغلال الانحراف، ومُنقذ النفوس، وارْض عن الأصحاب الأماجد جزاءَ ما بذلوا وقدَّمُوا.

< عائشة رضي الله عنها : المرأة المثال

وكانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها مثلا رائعا لهؤلاء المحبين، وامرأةً استطاعت أن تعطي لزوجها الحب والوفاء والاخلاص، ولدينها القوة والعلم والفقه.

ونسبُها أكبر دليل على ما قد سلف، فهي ابنة أول الخلفاء الراشدين أبي بكر الصديق ] ولدت في السنة الرابعة بعد البعثة، وتزوجها الرسول  بعد وفاة زوجته الأولى خديجة قبل الهجرة بسنتين، وعمرها تسع سنوات وبنى بها في شهر شوال بعد مُضِيٍّ عشرة أشهرٍ من هجرته إلى المدينة.

وكانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها من أولئك القلائل من البشر، ذوي الطموح الخارق الذين لا يقر لهم قراردون بلوغ القمة من المجد، وممن لا يرْضوْن لأنفسهم أن يساميهم في العلياء بشر، وكانت تغار على قلب زوجها، فلا تريد أن تُشاركها فيه أنثى غيرها وتغار على ذوي قرباها وتذهب نفسها حسرات على ضياع مصالحهم. هذه هي الصفات الغالبة على حياتها العامة وعلى حياتها الزوجية الخاصة، وهي بعد ذلك من النساء الخالدات في التاريخ أبد الدهر.

وهي صاحبة أكبر حادث وقع في الأمة الإسلامية حيث تعرض عِرْض النبي  فيه للاتهام محاولة من المنافقين واليهود لضرب عقيدة الاسلام في شخص محمد  وأهله، وكان حادث الافك مثار تفكير كل المسلمين شهراً انقطع فيه الوحي عن محمد  وكانت تلك الشائعة تجربة شاقة. تحَمَل النبي  فيها آلاماً لا تحتمل ومرضت فيها عائشة. وبعد معاناة وشدة وحزن نزل الوحي ليظهر براءة السيدة عائشة رضي الله عنها من فوق سبع سماوات ونزل قرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم، لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير لكم.}(النور : 11) ومن أفضال السيدة عائشة على الأمة كذلك نزول آية التيمم وكان لها الفضل الكثير في ذلك.

< الحياة العلمية :

ونعود الآن ونتحدث في علم عائشة، فنتساءل أولا : هل كانت رضي الله عنها تقرأ وتكتب؟ ويبدو لنا أنها كانت تقرأ ولا تكتب وذلك مما جاء عند البلاذري >أن عائشة كانت تقرأ المصحف ولا تكتب< وأن قراءتها كانت ضعيفة.

وذلك في قولها في حادثة الافك إنها كانت حديثة السن، لا تقرأ من القرآن كثيراً، ومن المعتقد أنها ازدادت معرفة بالقرآن بعد ذلك. ولربما يتساءل البعض كيف كان لعائشة أثر كبير في الحياة العلمية الاسلامية، وهي لا تكتب لا بل تقرأ قراءة ضعيفة وأرجو أن لا يغيب عن أذهاننا أن العلوم الاسلامية كانت تُروى مشافهة، وتحفظ حفظاً وسماعاً، وأنها لم تدون إلا في القرن الثاني للهجرة، ومن كان يدون فإنما كان يفعل ذلك لنفسه، وعائشة بحكم مركزها من الرسول، ولذكائها وحرصها على اتباع رسالة محمد  كانت تمتاز بكثرة الحفظ ودقة الرواية.

وأبرز ما برزت فيه عائشة رواية الحديث، وقد اعتمد علماء الحديث على كثير مما نقل عنها لأنها صادقة فيما تنقل، عالمة بأحكام الدين، وكان ابن الزبير إذا حدث عنها يقول : >والله لا تكذب عائشة عن رسول الله  أبداً< كما كان مسروق يقول في نقل الأحاديث عنها >حدثتني الصادقة أو الصديقة -المبرأة<.

وتعد عائشة من أئمة رواة الحديث ومن جملة الستة الذين هم أكثر الصحابة علماً، إذ يبلغ ما روي عنها ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، وإن كان قد اختلف في حقيقة هذا العدد.

ويمكننا أخيرا أن نتصور المركز الكبير الذي كانت تحتله تلك المرأة العظيمة، فقد كانت ولا تزال، مثار إعجاب، فقد جمعت من علم متعدد النواحي، وذكاءٍ وقاد، ما جعل الرسول  يوصي المسلمين قائلا : >خذوا شطر دينكم عن الحميراء< فهي لا تزال في مكان لم يدركها بعدها أحد.

< مكانة المرأة في الاسلام :

ونستخلص من كل ذلك أن الاسلام أعلى مكانة المرأة، وتحسن مركزها فتمتعت بحقوق كثيرة، ومزايا متعددة، جعلتها كائنا محترما مرموق المكانة، تحسدها عليها زميلتها في الجاهلية ومعاصراتها غير المسلمات.

ولعلنا لا نجانب الحقيقة إذا اتخذنا السيدة عائشة مثلا رائعا لكمال هذا التطور في حياة المرأة فقد امتزجت بالحياة العامة أيما امتزاج وأثرت فيها أعظم التأثير.

< مرض عائشة رضي الله عنها :

مرضت السيدة عائشة مرضها الأخير، فحزن الناس، وهرع الكثيرون مستفسرين عن صحتها، ومتمنين لها الشفاء، ولكنها كانت تحس بدنو أجلها وأن الحياة الدنيا لا قيمة لها، وودت لو كانت نسيا منسيا، ونرى عائشة في فراش الموت تناجي ربها تنظر إلى الدنيا فتراها متاعاً حقيراً، فكان يدخل عليها بعض الصحابة الذين هم من قرابتها كابن عباس وعبد الله بن عبد الرحمان فيثنون عليها لتخفيف رهبة الموت فكان جوابها >لم أكن أحب أن أسمع أحداً اليوم يثني علي لوددت أني كنت نسيا منسيا<.

وقالت أيضا : >يا ليتني لم أخلق، يا ليتني كنت شجرة أسبح، وأقضي ما علي<.

نعيمة فيلالي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *