من شروط حلاوة الحياة الأسرية


تعد الأسرة نواة المجتمع،  إذ من صلاحها يستمد صلاحه وبفسادها يصيب العطل معظم قطاعاته.

ولا يخفى على عاقل أن الأسرة  بدأت تفقد الكثير من أدوارها في خضم الفتن والتغيرات التي طرأت على مجتمعاتنا،  والتي أصبحت تجرها شيئا فشيئا إلى غلبة النزعة الفردية،  ومحاولة التخلص من الآخر ومن التقيد بتوجيهاته وآرائه وإن كان أبا أوأما، في محاولة لإثبات الذات،  غالبا ما تكون محاولات انتحارية من قبل معظم الشباب.

وللحد من نتائج هذا الوضع المقلق،  يجدر بالآباء القيام بأدوارهم كما ينبغي،  وبحزم وحكمة بالغين، لكي لا ينفلت من أيديهم قياد الناشئة الحائرة بين مختلف المتناقضات.

ولعل أول خطوة ينبغي القيام بها، هي إثراء أساليب التواصل مع الأبناء بشكل يشبع تطلعاتهم، وينتشلهم من الضياع الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من معظمهم.

ولكي يكون هذا التواصل بناء، لابد أن يصدرعن عقل مخطط، واع بما يفعل، وبما يريد، وبما ينبغي عليه فعله لتحقيق ما يريد، ولأجل ذلك لا بد أولا من تحديد القيم التي تحكم العلاقة بين الآباء والأبناء،  للحفاظ على السليم منها، وصقل أوتجنب ما دون ذلك.

ولنأخذ قيمة من أكثر القيم التي يخطئ الناس في فهمها وقياسها ألا وهي قيمة مراعاة مصلحة الأبناء.

فالأب الذي يقضي معظم وقته خارج البيت منشغلا بعمله،  يدعي أنه يفعل ذلك لمصلحة الأبناء.

وهوأيضا عندما يكون قاسيا على أبنائه من أجل تربيتهم أوحملهم على المثابرة في دراستهم،  يدعى أنه يفعل ذلك لمصلحة الأبناء.

والأم التي تعمل خارج البيت طوال النهار أوأ جزاء من الليل تدعي أنها تفعل ذلك مراعاة لمصلحة أسرتها وعلى رأسها الأبناء.

ولكي تتبين صحة أوخطأ هذه الدعاوى لا بد من الوقوف على أمور منها :

– ما المقصود بالمصلحة،  وبأي مقياس نقيسها؟

– ما الطرق الموصلة إلى تحقيق هذه المصلحة؟

إن المصلحة مأخوذة من مادة صلح أوأصلح، وهي تأتي في مقابل المفسدة.

ومنها الإصلاح،  وإصلاح الله تعالى الإنسان يكون تارة بخلقه إياه صالحا، وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد وجوده، وتارة يكون بالحكم له بالإصلاح(1).

وإذا كانت الأشياء تتميز بضدها،  فإنه يجدر  بنا تعريف معنى المفسدة في الإصطلاح القرآني،  فالفساد هوخروج الشيء عن الاعتدال قليلا كان الخروج عنه أوكثيرا، ويضاده الصلاح، ويستعمل ذلك في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة(2).

يتحصل مما سبق، أن الصلاح هومقابل للفساد، وأن الفساد هوكل ما خرج عن الاعتدال والاستقامة، وإذن فكل ما لم يخرج عن الاعتدال والاستقامة فهويبقى تحت مسمى الصلاح.

هذا عن الصلاح، وأما المصلحة كمصطلح أصولي فهي ما جلب منفعة لا تعارض الشرع.

بناء على ما سبق، نستخلص أمورا منها:

< أن المصلحة هي كل ما وافق الاعتدال والاستقامة.

< أن المصلحة هي ماجلب منفعة.

< أن المنفعة التي تحققها المصلحة لا بد أن تخلومن معارضة الشرع.

وهنا يطرح سؤال ملح:

مَن مِن الآباء يفكر في  الشرع عندما يتحدث عن مصلحة الأبناء، ومن ثم،  ألا يبتعد معظم الآباء عن المصلحة الحقيقية المتمثلة في الاستقامة ويوليها ظهره بحثا عن مفسدة تقابلها.

– هل من الشرع التركيز على الماديات والانسياق وراءها لدرجة نسيان العبادة والاستقامة،  ألا يخالف هذا التوجه الشريعة جملة وتفصيلا .

– هل من الشرع أن تهمل الأم فلذات أكبادها،  وليت ذلك كان في سبيل الحصول على لقمة العيش، بل إنها تهملهم لإثبات الذات والحصول على المنزل الفخم والأثات الفاخر وما إلى ذلك دون أن  تحاول تعويضهم من حين لآخر بساعات تخصصها لهم وحدهم أوتراعي ما يحتاجونه فعلا،  وهي لن تعرف احتياجاتهم إلا من خلال تواصلها المستمر معهم ولوكان ذلك على حساب جزء من وقتها الثمين، لأنه يفترض أن يكون أبناؤها أثمن ما لديها وبعدهم تأتي انشغالاتها الأخرى.

وأشير هنا إلى أن عدم تخصيص الوقت الكافي للأبناء لاتختص به المرأة العاملة وحدها، بل هومشكلة قطاعات عريضة من الأمهات،  ومنهن ربات البيوت،  لأن الأمر يحتاج إلى الوعي أكثر ما يحتاج إلى الوقت، ومتى وعت الأم بقيمته فإنها قادرة على إيجاد مايناسب ظروفها من وقت له.

إن الكثير من الآباء والأمهات يصدق عليهم قول القائل:إنهم كمن يبني قصرا، ويهدم مصرا، إنهم يقضون على الدفء الأسري، ويهدمون في أبنائهم الشخصية المتزنة القادرة على الوقوف في وجه الأعاصير، يفعلون كل ذلك في سبيل الرفع من المستوى المادي للأبناء،  مع العلم أن الإسلام لم يعتبر أبدا المال غاية تبرر مانتوسل به إليها من وسائل.

والنتيجة أن الأبناء نحوا هذا المنحى في حياتهم،  فصار معظمهم لا يتكلم إلا بلغة المال والربح والسيارة والمصلحة العاجلة،  مما أثر سلبا على سلوكهم وعلىتحصيلهم الدراسي، وخلق بداخلهم إحباطات وعقداً فوق مستوى تحملهم لأنهم جميعا يعملون على التوجه رأسا إلى هذه المصلحة، وتحقيقها عبر أسهل وأقصر طريق، ولأجل ذلك يدوسون على القيم والأخلاق التي أصبحت في نظر أغلبيتهم مجرد عوائق تعطل سيرهم صوب هدفهم الذي هوهدف آبائهم، ومن شابه أباه فما ظلم.

وخلاصة هذا الواقع هي أن الأب منشغل والأم منشغلة والابن منشغل،  كل في عالمه الخاص، ولا أحد منهم يعطي من وقته -بصدق- للآخر فضاع التواصل بين أفراد الأسرة وضاعت معه،  آوتكاد تضيع،  حلاوة الحياة الأسرية السعيدة العاصمة من معظم القواصم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

—–

(1)-(2) :معجم مفردات ألفاظ القرآن-الراغب الأصفهاني-

ذة.كلثوم دخوش

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *