قليل من الكلام


قليل من الكلام

قد مضى زمن تمطيط الكلام، وتدبيج الملاحم المطولة، الكتابة اليوم أمست لمحة وإشارة، قليل من الكلام يفي بالغرض وزيادة، في زمن المعلومة وسرعة التواصل، عليك أن تصيب الهدف بقطرة حبر واحدة، هنا تكمن الإثارة والإشارة، وينتصب السهـــل الـممتنـع، حــين يصرخ أحمد مطــر :

صرخت لا من شدة الألم

لكن صدى صوتي

خاف من الموت

فارْتَدَّ لِي نَعَمْ!!

يختزل كل معاناة الشعوب المقهورة، ويُشَرِّحُ تاريخ القهر والاستبداد في بضع كلمات قد لا تسعها المعــاجم، وحين يقول أدونيس :

بَكتِ المئذنة

حين جاء الغريب.. اشتراها

وبنى فوقها مدخنة..

تتماثل أمامك مأساة فلسطين السليبة وأفغانستان والعراق وغيرها وهي تئن تحت وطأة أقدام المحتل الغاصب، وحين يقول أيضا :

هذا الوطن زرع

والأيام جرادة..

تستشعر مدى الاستنزاف الذي أصاب مخزون الأمة ثقافيا واقتصاديا وحضاريا… ليس المهم أن نغرق البياض في المداد، وأن تثير النَّقْع كلماتنا الجرارة، لسبب واحد فقط، هو أن السواد الأعظم لن يعير كلامنا اهتماما، كثرة الكلام يجب أن نتركها للزعماء والخطباء الذين يحترفون تجْييش المشاعر وإلهاب المنابر، أما نحن الذين حملوا الحرف هما ونزفا، واكتووا بلهيب الكلمة، فيكفينا أن نصرخ في وجه الرعب حتى لا نرتعب، ونفك عقدة الخوف عن الأفئدة والألسن…

حين جادل “النمرود” إبراهيم عليه السلام قائلا : {أنا أحيي وأميت}(البقرة : 257) لم يدخل معه خليل الرحمان في جدلية الموت والحياة والخلق من عدم، بل رفع التحدي في بضع كلمات وأنهى الموقف لصالح دعوة الحق {قال إبراهيم فإن الله ياتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبُهِتَ الذي كفر}(البقرة : 257).. الذي يزبد ويرعد ويتوعد، لن تنتظر منه شيئا، كلنا يتذكر نكسة حزيران الأسود، حيث كانت الزعامات العربية تتوعد إسرائيل برميها في البحر، وبقصف تل أبيب في عمقها، وسط، الاستعراضات العسكرية والأناشيد الحماسية، استفاقت الأمة صباح الخامس من حزيران (يونيو) 1967، على أبشع هزيمة في تاريخها المعاصر.. إنه كلام الزعامات الذي شل مقدورات الأمة وجعلها تعيش على الحلم، والبقية تعرفونها…

ذ.أحمد الأشهب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *