قضايا المرأة بين الشرع والعقل (2)


تقديم

هناك فقه وتراث واجتهادات سلفية تراكمت عبر مرور الزمن، واختلطت فيها ثقافات وتقاليد، وملابسات زمانية ومكانية، حول فقه المرأة في علاقتها مع الرجل والأسرة، والمجتمع والسياسة..

يواجه المفكرون الإسلاميون المنافحون عن الإسلام اليوم، بسببها حيرة وتوقفا، ويتعرض الاسلام بخصوصها لهجمة ثقافية وحضارية ضارية، تستدعي من المفكرين الاسلاميين وحماة الدين وشريعته، فهما جديدا لها وإجابات مقنعة لها، تقوم على أسس ورؤية عقلية، ولا تتباين مع النصوص الدينية الصحيحة الواردة بخصوصها.

إنها من الإشكاليات التي تواجه الباحث، وتستدعي فكرا وبحثا واجتهاداً جديدا في ظلال المقاصد الشرعية، والقيم الأخلاقية والكرامة الإنسانية والسنن الكونية التي يخضع الواقع لها ولا يمكن الفهم السليم للنصوص في غيابها.

وفي هذا السياق يندرج فقه المرأة والأسرة وما أثاره من لغط كبير، خيم بظلالٍ قاتمة على الفكر والفقه الإسلامي، ونحن هنا في هذه الدراسة نحاول تناول جوانب من هذا الفقه في قراءة جديدة على أضواء مقاصد الشرع وهداية العقل المستنير بالوحي الإلاهي والبلاغ النبوي.

انمازت الشريعة الإسلامية بجملة من الخصائص والمميزات باعتبار أنها عالمية، وجاءت لجميع البشر وأنها خاتمة “التشريع” {وما أرسلناك إلا كافة للناس}(سبأ : 28) وفي الحديث الصحيح : >أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي<، وذكر منها : “وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة”.

مساواة بين الناس

ومن الخصائص والمميزات : إقرار مبدإ المساواة بين الأفراد ذكورا وإناثا باعتبار المسلمين متساوين في الانتساب إلى الأمة الإسلامية، وهم إخوة في الحقوق والواجبات دونما تفاوت أو تفاضل، وذلك في كل ما شهدت الفطرة بالمساواة فيه، ومن هنا كان الخطاب القرآني الوارد بصيغة التذكير يشملالرجل والمرأة على السواء دونما احتياج إلى تغيير الخطاب، كما أن الأصل في سنة رسول الله  أنها مشروعة للأمة جميعا، إلا أن تكون هناك قرينة أو دليل على الخصوصية.

وإثبات المساواة بين الذكر والأنثى في الإسلام لا يحتاج إلى تشريع ولا إلى بحث عن موجباته، بل يكفي عدم وجود مانع من اعتبار المساواة أصلا من أصول الخليقة، {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى}(آل عمران : 159) وفي الحديث : >إنما النساء شقائق الرجال< والشقائق أنصاف متماثلة لا تفاضل بينها، مما يتبين معه أن الإسلام كرم المرأة واعتبرها أحد شقي الإنسانية، لا بقاء للنوع البشري بدونها، وحاطها كالرجل بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة الإسلامية، وساوى بينها وبين الرجل في الواجبات والحقوق والتكاليف من منطلق إنسانيتها التي هي الجامع المشترك بينها وبين الرجل، ومن أنهما متساويان في صفةالعبودية لله تعالى من منطلق أن الإيمان يخاطب به الرجل والمرأة على السواء.

والقرآن الكريم تحدث عن المرأة في أكثر من مائتي آية وقرر فيها حقيقة أن الرجل والمرأة من بداية الخلق إلى السكن في الجنة إلى الهبوط إلى الأرض بعد العصيان، متساويان.

كما أن القرآن لم يميز بين الرجل والمرأة في الخلق والتكوين والنشأة والنفخ الروحي فيهما، ذلك أن النصوص القرآنية أعطت للمرأة مكانة متساوية في التشكيل الإنساني والخروج إلى عالم الوجود والكون والحياة: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء}(النساء : 1) حيث أن الفهم السليم الذي تسانده نصوص دينية أخرى، يؤكد على أن أصل البشرية يرجع إلى نفس واحدة مما لا فضل فيه لرجل على امرأة في مراحل التناسل البشري وعالم التكوين ولا في المؤهلات والاستعدادات التي يحملانها، والقدرات الفكرية، والفطرة الإلاهية، كما أنه لا يميز بينها في القيم الإنسانية والأخلاق، وكذا في السبق إلى الإيمان والعلم والتقوى، وهذه الصفات التي هي قواسم مشتركة بين الجنسين ترتب عنها أن تكون حقوقهما متساوية، من مثل حق الحياة، وحق التعلم وحق الأهلية في التملك والتصرف في المال والمتاجرة..

تمييز وظيفي

إلا أنه مع كل ما ذكرناه عن المساواة؛ فإن التمييز بين الجنسين في الخلق وبعض الوظائف والمهام، يبقى واردا بحكم الفطرة والطبع وما إلى ذلك من الفروق التي جاءت في ذلك الخطاب الديني الذي جعل للرجل والمرأة مهام ووظائف متفاوتة وإبراز الاستعدادات والمواهب الخاصة بكل منهما والتي تتيح للطرفين ممارسة الواجبات المنوطة بهما على أكمل وجه، من خلال توظيف الإمكانات الذاتية والخصائص المتمايزة {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها}(الأعراف : 189) حيث أن التساكن والتعايش في اجتماعهما يقتضي التكامل في الأدوار والمهام مما يكمل نقص بعضهما البعض الآخر. ومحاولة القفز على الاختلافات في الخصائص والمميزات والوظائف والمهام بين الرجل والمرأة يترتب عليه لا محالة الإضرار بالمجتمع الإنساني. ولقد أكدت الحقائق العلمية والدراسات والكشوف الميدانية هذه التمايزات، مما لا تستقيم معه المساواة التامة والمطلقة حيث الزعم بأن كل ما يصلح لأحدهما يناسب الآخر، وإن كانت الرؤية الدينية لهذه القرارات والتمايزات تختلف عن الرؤية العلمية التي تجعل الفوارق كلها طبيعية بسبب الثقافات والعادات التي أصلت لتلك الفروق بينما الرؤية الدينية السليمة التي لا تنكر الأثر البيولوجي ترى وجود تفاوت في وظائف القدرات العقلية والنزاعات لدى كلا الجنسين بسبب تنوع الوظائف والمهام.

يقول المفكر الهندي وحيد الدين خان في كتابه المترجم إلى العربية تحت عنوان : “المرأة بين الإسلام والحضارة الغربية” :

“إن قوانين الأسرة عن المرأة والرجل تنبع من حقيقة مبدئية، هي أنهما جنسان منفصلان، بينهما فروق معينة ومحددة من الناحية التكوينية، ولأجل ذلك، لا ينبغي أن يكون إطار عمل واحد ومشترك في المجتمع، فتباينهما على مستوى التكوين الإحيائي (البيولوجي) يحتم التباين على مستوى العمل والنشاط كذلك.

وهكذا يتبين أن المساواة من الرؤية الدينية لا تنفي التمايز والتفاوت في الأدوار والمهام حيث يتحمل الرجل أعباء الأسرة وتكاليفها ومسؤولية إدارتها وأُعْفِيَتِ المرأة من ذلك في مقابل رعاية الأسرة والدفء العاطفي وحماية الرجل ودعمه للقيام برسالته الاجتماعية والتي يمكنها أن تشاركه في هذه الرسالة.

انحراف المسار

لكن المسار الذي سلكته الأمة الإسلامية وقيادتها السياسية، والفكرية، والشرعية منها والدنيوية في ظروف الانحطاط وما تجدر في مجتمعاتها من أعراف وتقاليد، وهيمن على عقليتها وسلوكها من إصاباتوأضاليل عبر مرور الأحقاب ومر الدهور، حاد بها عن مبدإ المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات والقيمة الإنسانية وفي كثير من مناحي الحياة ضدا على تعاليم القرآن والسنة النبوية، بل إن بعضا من الفقهاء والمحدثين السلفيين تنكر لمبدأ المساواة، وألغى كثيرا من حقوق المرأة الطبيعية والاجتماعية والسياسية التي أقرها الإسلام كحقها في التعليم والتربية وفي مباشرة المهن والأعمال التي لها خبرة بها وتتفق مع طبيعتها، وفي تأهيلها لاحتلال موقعها الاجتماعي والثقافي والسياسي في الأمة والمجتمع، مما جعلها تنزوي عن الحياة اللائقة بها وتعيش في عصور الانحطاط والتخلف الإسلامي في ظروف وأجواء بعيدة عن شرع الله، وأحيانا لا صلة لها بالإسلام.

وزاد الأمر سوءاً أن التيارات التقليدية المعادية للمرأة أنشأت لها نظريات وفقهيات وأحكاما لا ترتكز على فهم سليم للنصوص وإنما هي اجتهادات فقهية لعصرها تعكس قصور الرؤية الفقهية أحيانا عن مقاصد الشريعة الإسلامية الحقة، من خلال نصوصها الدينية الثابتة، والفهم الصحيح والسليم لها، مما جعلها موروثات فقهية أثرت في تفكيرها وشكلت عقليتنا، ووجدت لها موقعا في المجتمع، وأحاطها الناس بهالة من التقديس، وحسبوا -من كثرة ما عايشوها وتعاملوا بها- أنها تعكس النظرة الاسلامية للمرأة والأسرة وأن الخروج عنها يعتبر مروقا من الدين، إنه الخلط بين العادات والأعراف والشريعة التي ابتلي به الفقه وكان ذلك من الآفات التي أفسدت فقه المرأة.

ونشأ عن ذلك كله مقولات وأخبار وآثار تحط من قيمة المرأة كمخلوق إنساني، بله كعضو فاعل في المجتمع، ولم تعوز خصومها أحاديث تنسب إلى رسول رسول الله  فهمت على غير حقيقتها ومقاصدها الشرعية بما يخدم اتجاههم ويعضد موقفهم، ويستقر معه في الأذهان أن المرأة دون الرجل خلقا وخلقا، وإنسانية ودينا وعقلا، حتى ذكروا أنالمرأة والحمار والكلب الأسود يقطعون الصلاة، وقد ردت السيدة عائشة رضي الله عنها هذا القول بحديث صحيح معمول به وهو : >إنها كانت معترضة بين يدي رسول الله  كاعتراض الجنازة وهو يصلي< الذي رواه البخاري ومسلم. وقالوا فيما نسب لرسول الله  عن ابن عمر ] أنه قال : >إن يك من الشؤم شيء حق ففي الفرس والمرأة والدار<. مع معارضته الصريحة لحديث جابر ] أن النبي  قال : >لا عدوى ولا طيرة ولا غول< وغضب عائشة رضي الله عنها عندما حدثها رجل أن أبا هريرة يُحدث أن رسول الله  قال : >أن الطيرة في المرأة والدار والدابة<.

ومثل هذا ما قاله بعض الفقهاء من أن المرأة ذات القدر والجاه لا تجبر على إرضاع ولدها في العصمة -إن قبل ثدي غيرها، حفاظا على جمالها، إذا جرى عرف بذلك لأنه كالشرط- عكس المرأة العادية أو الوضيعة.. وقول الله تعالى : {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين}(البقرة : 233) جاءلغرض تحديد مدة الإرضاع لا لإيجابه، أو هو مخصوص لغير ذات القدر.. واعتبر هذا من المصالح المرسلة عند المالكية التي عدوها من المخصصات.

مثل هذا الفهم للأحكام يستوقف النظر ولا يتساوق وعموم الشريعة للناس الذين هم سواسية، واعتبار المساواة بينهم من التشريعات التي لا تفاوت بين المسلمين فيها ذكورا وإناثا، فلا معنى أن يكون الجاه والقدر أو الضعف والإذلال حائلا بين المساواة في التشريع دون قرينة.

هذا مع الإقرار بما ذهب إليه الفقهاء من أن العرف كالشرط يجب احترامه والعمل به، على ألا يمس مبدأ من مبادئ الشريعة.

ومن مثل أن ذكر اسم المرأة لا يجوز بل هو مشين، بينما نجد رسول الله  وصحابته يذكرون أسماء زوجاتهم دون إحراج، ويذكر أن النبي  كان ينادي على السيدة عائشة زوجته “الحميراء” وفي هذه التسمية إشارة إلى جمالها ولون شعرها، وما شابه ذلك من وجوب ستر الوجه والكفين الذي يجمع فقهاءالسنة والشيعة على عدم وجوبه خلافا لما عليه الحنابلة.

وما زالت الأعراف السائدة في بعض البلدان ترى في كشف زوجة الرجل وجهها وكفيها فعلا منكرا وفسوقا كبيرا.

وما ذهب إليه بعض الفقهاء في العصور المتأخرة من أن المرأة تصلي في بيتها ولا تخرج إلى المسجد، وبخاصة الشابة، وعلى أبيها أو زوجها أن يعلمها أمور دينها، مما يحرم المرأة المسلمة من العبادة في مساجد الله، ولا يتفق مع الشريعة الإسلامية التي تعم تكاليفها “المومنين والمومنات” والتي يندرج في سياقها الحديث النبوي الصحيح: >لا تمنعوا إماء الله مساجد الله<.

ولا ما كان معروفا في زمن النبوة المحمدية، من حضور النساء جماعات للاستماع والتعبير عن آرائهن عند الاقتضاء، باعتبار المسجد مكانا للعبادة وجامعة للعلم، والنشاط الثقافي والتفقه في الدين والتعاون بين الجنسين معا، وحتى يومنا هذا ما زال في المسجد النبوي “باب النساء”.

-يتبع-

(ü) رئيس المجلس العلمي المحلي بفاس

ذ.عبد الحي عمور

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *