تفسير سورة الطلاق (1)


تقديم

جاءت سورة الطلاق لترشد المسلمين إلى أن للإسلام أحكاماً في هذا المجال، وأن للاسلام فلسفة خاصة في الطلاق تؤدي إلى مقاصد مهمة منها :

أن الطلاق يمكن أن يكون حلاً ضرورياً بعد أن فشلت جميع المحاولات في البقاء على الرابطة الزوجية.

ومنها كذلك أن أحكام الطلاق كما يريده الله سبحانه وتعالى هي أحكام تؤدي إلى ألا ينتشر هذا الطلاق، وألا يكون ناتجاً عن غضب أو عن نزوة أو عن طيش، وإنما يكون أمراَ ضرورياً ينتهي إليه كل من الزوج والزوجة عندما لا يستطيعان أن يواصلا حياتهما الزوجية مواصلة عادية وسينكشف كل هذا من خلال دراسة هذه السورة..

تسميتها

تسمى بسورة الطلاق، وقد ذكر صاحب الإتقان الإمام السيوطي أن ابن مسعود ] كان يسميها سورة النساء القصرى (القصيرة)، نظراً لاختلاف بعض الناس في عدةالمرأة الحامل التي يموت عنها زوجها، حيث قال بعضهم  : إنها تعتد بأقصىالأمدين (الأجلين) الأجل الأول المعروف وهو أربعة  أشهر وعشراً وهو العدة المنصوص عليها في سورة البقرة : {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} وقال البعض : عِدّتُها وضْعُ حملها {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}، فقال ابن مسعود ] : أتجعلون عليها التغليظ؟ إن سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة النساء الطولى (البقرة).

نسبتها بين المكي والمدني

وسورة الطلاق سورة مدنية باتفاق العلماء، وعدد آياتها 12 آية إلاما كان من البصريين فإنهم جعلوها 11 آية فقط.

وهـــي بحسب النــــــــزول السورة 96.

مناسبتها

أن ابن عمر ] طلق زوجته وهي حائض، فسأل عمر ] الرسول  ؛ إن ولدي طلق زوجته وهي حائض، فقال له الرسول  :مُره فليراجعها (يعيدها من جديد إلى عصمته حتى تطهر)، فإن شاء أمسك وإن شاء طلق.

وهذا الطلاق الذي رفضه  هو الطلاق المعروف بالطلاق البدعي أي الطلاقالمخالف للسنة.

ويحتمل أن السورة كانت قد نزلت عليه  قبل ذلك وتلاها على الصحابة أو على ابن عمر في هذه المناسبة ويحتمل أنها نزلت بسبب عبد الله بن عمر ] فقرأها عليه، مبيناً الحكم الذي يجب على كل المسلمين أن يكونوا عالمين به (رجالاً ونساءً).

الحكمة من الطلاق

في هذه السورة يبد أ الله عزوجل بقوله : {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة}.

إنه خطاب للنبي  باعتباره المخاطب الأول بالوحي، والملاحظ أن الأمر عندما يكون خاصاً به  يكون الخطاب بصيغة الإفراد {حرِّض المومنين}، لكن عندما يكون المراد التبليغ للأمة فالصيغة تكون شاملة عامة {طلّقتم.. فطلقوهن}.

{لعدتهن} هذه اللام : لام التوقيت، كأن تقول في كتاب تكتبه : وكتب لعشر خلون من شوال، فاللام بمعنى : عند، أو في. أي طلقوهن في طهر منه تَبْدأ العدة.

ومعنى الآية : قبل أن تطلقوا النساء، طلقوهن للعدة، أي احسبوا العدة قبل إيقاع الطلاق.

فالمرأة إذن لا يمكن أن تتزوج إلا بعد انقضاء عدتها وهي ثلاثة أطهار، والطلاق لا يكون في حيض، وكذلك في طهر اتصل بها فيه، فهذا الطهر لا يدخل في الإحصاء بحيث لا حديث عنه في العدة، ولذلك فالطلاق البدعي يقع في حالتين : في  حالة الحيض أو في حالة الطهر الذي وقع فيه المسيس.

فلو طلق الرجل امرأته في حيض، فإن الطلاق يعتبر ولكنه يكون آثما وظالما للمرأة لأن تلك الحيضة تُلغى من العدة، وكذلك إذا طلقها في طهر باشرها فيه، فإن ذلك الطهر يُلغى من العِدة.

والشريعة لم تشجع الطلاق في الحيض، لماذا؟ لأنه يظلم المرأة في عدتها من جهة، ومن جهة أخرى تكون المرأة في تلك اللحظة غير مرغوب فيها تقريباً لأن العلاقة الجنسية بين الزوجين تكون ممنوعة، فالرجل الذي لا يتصل بزوجته، قد يسهل عليه طلاقها في حيضها.

إن للاسلام حكمة بالغة في الطلاق، فهو لم يقل : الطلاق حرام، لكنه لم يقل بالطلاق في أي وقت، وإنما قال : الطلاق يجوز ولكنه بالعدة، أي انتظار الوقت الذي يكون صالحاً من جهة المرأة لابتداء عدتها وهو طلاقها في طُهْر لمْ تُمَسَّ فيه، فإذا وقع الخصام في حالة الحيض، فعليه انتظار الطهر، وإذا وقع الخصام في طهر مسها فيه، فعليه انتظار الطهر المقبل.

حينئذ يكون قد فكر وتدبر، وهذه هي الحكمة الكبيرة في منع الطلاق في حالة الحيض أو في طهر مَمْسُوسٍ فيه.

تقييد الطلاق

إن الشريعة الإسلامية، وإن أباحت الطلاق فقد قيدتْه بعدة تقييدات منها :

< ألاّ يكون في حَيْض.

< ألا يكون المطلِّقُ في حالة غَضَبٍ شديد أفْقَده رُشْده كما يُفْقِد الجُنُون رُشْد المجنون، ولهذا قيل >لا طلاق في إغلاق<.

< ألاّ يكون المُطَلِّق مُكْرَها على إيقاع الطلاق، فوقَّعَهُ تحت التهديد الخَفِيِّ الذي لا يراه القاضي، فطلاق المُكْرَه يَقَعُ قضاءً ولا يقَعُ ديناً، لأن القاضي لايَرى الإكراه، والله تعالى يَرَاهُ، وقد نَكّل العباسيون بالإمام مالك، حيث قال : طلاق المكره لا يجوز، حيث ضُرب بالسياط حتى انخلعت يده، وسُجن وعُذب بسبب ذلك.

إذن، لقد أمر الله تعالى المؤمنين بإحصاء العدة، والطلاق السني من شأنه أن يقلل من حالات الطلاق لما يحوطه به من سياجات وشروط.

هذه الآيات إذن، أصل في إباحة الطلاق، كما أن الأصل في الزواج هو الاستمرار والمعاشرة، وإذا فكر الرجل -ولو في نفسه- في الطلاق بعد مدة، فهذا لا يجوز وهو زنى. هذا ليس زواجاً، لماذا؟ لأن المفروض أن الطلاق لا يكون محتسباً في بدء عقد الزوجية، فالزوجية تقوم على أساس واحد هو : التأبيد أي البقاء والاستمرار فكل زواج فيه توقيت لا يجوز وهو ما يسمى زواج المتعة أو الزنى المقنع.

يقول الرسول  : >ألا إن الله قد حرم المتعة إلى يوم القيامة<.

إن الطلاق لا يقع إلا بعد استنفاذ جميع الوسائل التي تبقي على هذاالارتباط المؤبد، من دعوة لحَكَم من أهله وحكم من أهلها…

وحين يقع فإنه يَقَعُ إما لرفع الضرر عن الرجل (المُطلق) وهذا يُسمى طلاقاً، أو تطلبه المرأة لرفع الضرر عنها وهذا يُسمى (تطليقاً)، وكل ذلك لإزالة الضرر،  لأن إزالة الضرر من مقاصد الشريعة الإسلامية. فإذا وقع الطلاق من غير هذه الحكمة فهو طلاق غير مشروع لأنه يريد النكاية بأحد الطرفين أو يكون انتقاماً أو ما شابه.

إذن فالطلاق الشرعي إنما يكون بِداعٍ واحد وسبب واحد هــو : رفع الضرر.

د.مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *