المذهب المالكي وتطوره بسنة التجديد


عودة منهج التقليد

رغم استمرار اتجاه التأصيل، نسبياً بعد السلطان المجدد محمد بن عبد الله العلوي؛ فإن حالة الفكر بعامة، وحالة الفكر الفقهي بخاصة، في المغرب، وفي العالم الإسلامي، لم تسمح مع الزمن بغير منهج (التقليد) الذي كان يرى، زيادة على ما سبق، أن الفقه هو الشرع، وأن القرآن والسنة موقعهما التبرك وحده، وليسا مصدرين للتشريع، على خلاف طبيعة الإسلام، وعلى خلاف منهجية الإمام مالك رحمه الله، لقد قال أحد الفقهاء في هذا الصدد : “كل ما يخالف المذهب إما منسوخ، وإما مؤول” وخلت مناهج الدراسة في جامعة  القرويين من دروس التفسير والحديث، بل إن إشاعة مغرضة كانت قد انتشرت بقوة، تقول : إن تدريس التفسير يتسبب في موت السلطان(1).

وقد ظهر لهذه الفترة (حزب) مختصر خليل، يقرأ كل صباح، بعد حزب القرآن، ومعونة الطالب الذي يقرأ حزب مختصر خليل مضاعفة، عدة مرات، بالمقارنة مع حزب القرآن.

نتيجة لهذا المنهج بجامعة القرويين، كان على الطلبة الذين يريدون أن يأخذوا دروساً في تفسير القرآن، وفي الحديث النبوي، أن ينتظروا شهر رمضان، ليحضروا دروس القرآن والحديث ضمن دروس الوعظ العامة في المساجد المحددة لذلك، وهكذاكان على الطلبة، من الجيل الماضي كالوالد الحبيب  بن محمد بن الغالي، والشيخ عبد الله بن محمد بن الصديق، وأقرانهما -كما رووا لنا- أن يحضروا درس التفسير على العلامة الحسين العراقي بجامع عبد الرحمن المليلي بفاس، وأن يحضروا درس الحديث على العلامة محمد بن الحاج، بجامع مولاي ادريس من صحيح الإمام البخاري بشرح القسطلاني : وما عدا شهر رمضان فلا مجال لتدريس القرآن والحديث، فالشرع الإسلامي هو الفقه الذي كان يسمى “الفقه المحرر”.

ولو حدث للطالب في درس القرآن أو الحديث، أن تساءل : إن حكماً ما يخالف آية قرآنية، أو يخالف سنة نبوية، فإن الاتهام بالفتنة يتوجه إليه بقوة، وقد يتوجه إليه الاتهام بالزندقة!.

ودخل الاستعمار البلاد الإسلامية، وشجع الابتعاد عن الكتاب والسنة؛ بل منع الحاكم الفرنسي الوعاظ من تدريس (كتاب الجهاد) من صحيح البخاري، في جامع مولاي ادريس بفاس، وإن كانوا لم يسموا، بعد تدريس (كتاب الجهاد) بعنوان (الإرهاب).

وفي المنطقة الخليفية كانت وزارة العدل ترفض أي فتوى يستدل فيها المفتي على حكم بآية أو حديث، بحجة أن الاستدلال بالقرآن والحديث هو من منهج المجتهدين، وباب الاجتهاد قد أغلق منذ نهاية القرن الرابع الهجري؛ وبالطبع إن قرار إغلاق باب الاجتهاد هو قرر اجتهادي، بدوره، ومخالف للوحي، كذلك؛ لأن الوحي أعطى المخطئ أجراً على الاجتهاد وإن لم يصل إلى الصواب : إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر(2).

انشاء دار الحديث الحسنية

وأدرك السلطان الحسن الثاني رحمه الله، حاجةالفكر والفقه الإسلامي إلى التجديد الهادئ، الذي يربطه بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله ، في فترة كانت الكليات للعلوم الإنسانية تخرج فقهاء الماركسية، وتساهم في إذكاء البريق العالمي للنظام الاشتراكي، هذا الذي كان يحمل عداء رهيباً للإسلام، كنظام عقدي واجتماعي عادل، أكرم الله تعالى به البشرية، حتى قال أحد رموزه فلادمير لينين : “يجب أن تكون موسكو هي مكة والمدينة لجميع الشعوب والناس الثوريين المعادين لله؛ ويجب أن يدمر الإسلام من على هذه الأرض وليستأصل كلياً” وهو نفسه ما يردده اليوم رموز النظام الليبرالي.

لقد حدس الحسن الثاني البريق الاشتراكي، ونادى باشتراكية تقرب بين الناس في الغنا وليس في الفقر، ثم أعلن يوم 26 رمضان 1383ه/نونبر 1964م، تأسيس دارالحديث الحسنية، قال عنها في خطاب التأسيس : “ونحن بحكم التربية التي أنشأنا عليها والدنا المقدس، طيب الله ثراه، ونور ضريحه، نعمل لتستمر الهداية الإسلامية تنير، بإشعاعها الخالد، هذه الديار، باذلين في سبيل ذلك كل نصح وتوجيه، ومحصنين مقوماتنا الروحية التي نعتز بها، من كل زيغ، وتضليل، وتحريف؛ مؤمنين بأن لا صلاح للأمة الإسلامية إلاّ بما صلح به أولها.

إن الخير كل الخير في أن نستقي توجيهاتنا وتصرفاتنا من ذلك المعين الذي لا ينضب : {ما فرطنا في الكتاب من شيء}(الأنعام : 39). <قد تركتم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ بعدها إلا هالك<(3)”(4).

وتلاقت رغبة الحسن الثاني رحمه الله، مع رغبة شعبه المسلم منذ 1400 سنة، فحبس الحاج ادريس بن محمد البحراوي يوم 13 شعبان 1390هـ/أكتوبر 1970م، داره المفضلة لسكناه، لتكون مقراً لدار الحديث، وشرط على وزير الأوقاف يومئذ، وهو الحاج أحمد بركاش أن تظل الدار لتدريس الحديث النبوي الشريف، قال : “إنني أحبس هذه الدار على القرآن والحديث، ولا أريد أن تكون في المستقبل إلا لهذه الغاية”(5).

كان الهدف من تأسيس دار الحديث أن تصبح السنة وثقافة السنة متداولة بمستوى واسع؛ حتى يمكن للفقهاء أن يتعقلوا الفقه، كما قال رحمه الله(6)، وحتى يمكنهم أن يراقبوا الفقه بالشرع؛ بغية أن يصل المغرب إلى جعل كل التشريعات متطابقة مع كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ، قال رحمه الله في خطاب سنة 1387ه/1968م : “جهادنا واجتهادنا هو العمل اليومي على أن يصير كتاب الله عملة خلقية، وإنسانية وقانونية، يتعامل بها جميع بني الإنسان”(7).

وأعطت دار الحديث الحسنية، لحد الآن ما يزيد على ألف متخصص ومتخصصة في العلوم الشرعية، وتلاقت رغبة الخريجين، في جملتهم مع أهداف الدعوة الإسلامية الرشيدة، فضعف التطرف المذهبي وخاصة في أوساط الشباب المسلم المتعلم.

لكن بعض جيوب التطرف المذهبي لازالت موجودة، خارج أوساط الشباب، وخاصة لدى فقهاء لهم ارتباطات إقليمية أو أسرية تحرص مهما كان الثمن على ما تعده مفاخر للآباء أو للجهة، على غرار ما يقول الله عز وجل : {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا}(المائدة : 106).

فهؤلاء يرفضون السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله المعصوم  ويقدِّمون عليها آراء الفقهاء الذين يعتريهم، كجميع البشر، الصواب والخطأ :

أ- يقولون : إن رسول الله  كان يصلي ويداه مسدولتان، ويقولون عن الإمام مالك : إنه كان يصلي كذلك مع أن الإمام مالكاً أخرج في كتاب (الموطأ) حديثين يثبتان سنية القبض في الصلاة :

1- من كلام النبوة : إذا لم تستحي فافعل ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة (يضع اليمنى على اليسرى)، وتعجيل الفطر، والاستيناء بالسحور.

2- كان الناس يؤمرون : أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة(8). وكذلك أخرج الإمام مالك في المدونة، تحت عنوان : “الاعتماد في الصلاة، والاتكاءُ، ووضع اليد على اليد”، قال مالك في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ قال : لا أعرف ذلكَ في الفريضة ولكن في النوافل؛ إذا طال القيام، فلا بأس بذلك، يعين به على نفسه.

وقد علق القاضي عياض على هذه الرواية، فقال : >رواية ابن القاسم عن مالك في التفرقة بين الفريضة والنافلة في وضع اليمنى على اليسرى، غير صحيحة.

ثم روى عبد السلام سحنون، عن ابن وهب، عن سفيان الثوري، عن غيْر واحد من أصحاب رسول الله  : أنهم رأوا رسول الله  واضعاً يده اليُمنى على يده اليسرى في الصلاة<(9).

ب- ويقولون كذلك : إن افتتاح القراءة في الصلاة بآية (بسم الله الرحمن الرحيم) مكروه، مع أن رسول الله  يقول : >إذا قرأتم (الحمد لله) فاقرءوا (بسم الله الرحمن الرحيم)، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و(بسم الله الرحمن الرحيم) إحداها<(10).

ج- ويقولون : إن صلاة النافلة بين أذان المغرب وصلاتها غير مشروعة، مع أن الرسول  يقول : >صلوا قبل المغرب ركعتين، قال في الثالثة : لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة<(11).

د- يقولون : إن صلاة ركعتين والإمام على المنبر يوم الجمعة مكروهة، مع أن الرسول  رأى صحابياً(12) دخل المسجد يوم الجمعة، ولم يصل ركعتين فقال له : يا سليك، قم فاركع ركعتين،وتجوز فيهما، ثم قال : إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين وليتجوز فيهما(13).

——-

1- الفكر السامي، ج4، ص : 311.

2- صحيح الإمام مسلم، رقم : 1716.

3- صحيح سنن ابن ماجة، رقم : 41.

4- دليل دار الحديث الحسنية، ص : 51.

5- نفسه.

6- من خطاب على هامش الدورة الأولى للصحوة الإسلامية بالصخيرات؛ انعقدت هذه الدورة بالدار البيضاء عام 1411هـ/1990م.

7- دليل دار الحديث، ص : 81.

8- موطأ الإمام مالك، برواية يحيى وتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، ص : 158- 159.

9- المدونة الكبرى، ج1، ص : 74.

10- سنن الدارقطني، رقم : 1177، وهو حسن.

11- صحيح الإمام البخاري بشرح الفتح، ج3، ص : 59، رقم 1183 ورقم 7368 قال ابن حجر في شرح الجملة الأخيرة من الحديث : أي طريقة لازمة (فتح الباري ج13، ص : 339).

12- هو سليك الغطفاني.

13- صحيح الإمام مسلم، رقم : 857، والملاحظ : أن بعض الفقهاء يحاولون بعث عوائد محلية ترتبط بالصناعة التقليدية أكثرمما ترتبط بالدين، أو بالمذهب المالكي، مثلا يحاولون أن يبعثوا النداء بالغيطة في صومعة الجوامع قبل الفجر، ولله في خلقه شؤون.

د.محمد الحبيب التجكاني،

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *