اللغة العربية والبحث العلمي(1)


لقد استطاعت اللغة العربية بفضل مفرداتها وحيويتها ابتداء من القرن الثاني عشر للهجرة أن تواجه علم الأقدمين من إفرنج وإغريق وغيرهما، فأعطت ثمارها حيث انتفعت بها الدول الغربية التي كانت تتخبط في ظلام الجهل، يقول سارتون سنة 1931:”إن الفضل في تطوير الطرق التجريبية  في العلوم يعود إلى العرب والمسلمين بالدرجة الأولى”.

ويقول العالم برجوا في حق اللغة العربية.

” إن ما يطلق عليه اسم العلم قد برز نتيجة لاتباع طرق جديدة في التجارب العلمية ومن أساليب الاستقرار وفي عملية القياس، كل هذا أدخله العرب إلى أوروبا. إن العلم الحديث هو أهم إنجاز للحضارة العربية”

وفوق كل هذا وذاك فقد نزل القرآن بلسانها.

{نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين  بلسان عربي مبين}(ص).

فرفعها إلى أعلى عليين وسبح بها في نور العلم والمعرفة، أضف إلى ذلك أن الأمم المتحدة اعتبرت اللغة العربية لغة رسمية إلى جانب خمس لغات، وبذلك استطاعت بألفاظها ومعانيها أن تنهض بقيمنا الحضارية والفكرية وأن تفرض نفسها لغة علمية عالمية.

فالتقصير في نشر اللغة العربية باعتبارها لغة علمية في مؤسساتنا الجامعية هو راجع بالأساس إلى ضعفنا نحن في استخدامها وليس إلى ضعفها.

إن أهم ما يسوقه المعارضون للتعريب هو موضوع المصطلحات ويمكن القول إن هذا المشكل مفتعل ولم يكن موجودا في الماضي حتى يكون موجوداًً في الحاضر بل على العكس فإن مصطلحاتنا لها الفضل الكبير اليوم في تقدم العلوم لدى الغربيين، وعلى هذا المنوال نسوق المثال التالي: نظرية “إينشتاين” مثلا في وحدة بناء الضوء مأخوذة عن ابن سينا، فنظرية”إينشتاين” تقول:”إن وحدة بناء الضوء والفتون والذي يسمى بالكميم الطاقي “Quanta dénergie” ونظرية ابن سينا الأصلية تقول:” إن الضوء مكون من حبيبات ضوئية أولية دقيقة تنبع من مصادر ضوئية تسير بحركة محدودة” وبهذا نجد أن اسم الحبيبات الضوئية عند ابن سينا عوض بالفوتونات عند إينشتاين، وبأن كلمة كميمات طاقية عوضت ب “Quanta dénergie”.

إن المصطلحات العلمية ليست من اختصاص أهل اللغة بالضرورة بل هي من اختصاص العالمين بها ويمكنهم الاستعانة بأهل اللغة لتصحيحها وتدقيقها.

ومن أجل القيام بالتعريب يجب أولا أن تكون هناك نية للتعريب، ولنأخذ العبرة بالصين التي ترجمت كل العلوم إلى لغتها وأدركت أن تقدمها العلمي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا احتكت بالخارج وكان لها ما أرادت، فلماذا لا نقلد الصين في هذا المضمار خصوصا إذا علمنا أن دخل الدول العربية  يفوق بكثير دخل الصين، وأن عدد سكان الدول العربية هو أقل بكثير من سكان الصين.

فهل نستطيع نحن أمة (اقرأ) أن نعيد صفحات التاريخ المجيدة الماضية ونصبح من جديد من رواد العلم والمعرفة؟

من أجل الإجابة على هذا السؤال لابد من توفير بعض الشروط الأساسية منها:

1- الاهتمام باللغة العربية وجعلها هي لغة التدريس في المؤسسات الابتدائية والثانوية والعلمية، وذلك بالطرق الحديثة من أجل تحقيق المطلوب والنهوض بالعلم والتكنولوجيا. كما يجب التركيز على اللغات الأجنبية كمادة أساسية في المقرر وتنشيط عمليات الترجمة عن طريق إحداث مراكز للتعريب

2- الرغبة في طلب المعرفة والعمل على ابتداعها، فالأمة التي لا تبدع، ليس  لها الحق في أن تنتقد وحتى إن أردنا أن يكون عندنا نقد مسموع علينا أن ندخل في مجال المعرفة ونبدع فيه إبداعا عالميا.

3- الاهتمام بالطفل وبالبرامج والمقررات العلمية التي تعطى له وجعلها برامج مشوقة وجذابة وتعميق المعرفة العلمية لديه وتكوين ملكات اللغة العربية عنده منذ مراحل التعليم الأولى.

-يتبع-

د.محمد حمدون

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *