القــرآن والعلم- مفهوم الزمان والمكان في الفيزياء وفي الإسلام


يقول تعالى في محكم كتابه العزيز: {وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون}(الذاريات : 20- 21).

إذا عمقنا التدبر في هذه الآية الكريمة، فإننا سنجدها تحثنا على البحث في أسرار هذا الكون ومكنوناته، فنحن المسلمين أولى بالسبق والاكتشاف والبحث والتحري، ولازالت هناك ميادين عديدة في كل مجالات العلم مجهولة كما ورد ذلك في حلقات سابقة، فعلينا استغلالها ورفع راية التقدم العلمي والحضاري الذي كان عليه السلف الصالح سابقا، حيث فهموا معنى الموقنين التي وردت في الآية الكريمة والتي تعني (العلماء الراسخين) الذين سلكوا طريق البرهان الموصل إلى المعرفة واليقين فكانت لهم “عيون باحرة وأذهان ناقدة وقلوب عاقلة فأبصروا وفكروا في الظواهر والبواطن فازدادوا إيمانا مع إيمانهم ويقينا مع يقينهم فاستفادوا وأفادوا ونسأل اللهأن يوفقنا إلى تتبع آثارهم والسير وفق منهجهم فنتدبر معاني القرآن ونعمل بأحكامه ونفوز برضاه.

إن القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان  وهو يدفعنا إلى استعمال ملكات العقل وقوة الإدارك حتى يمكننا التعرف على آيات الله في الكون وسننه في خلقه وأحكامه في الطبيعة، يقول عز من قائل: { قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات عن قوم لا يومنون}(يونس : 101).

ويقول تعالى في كتابه العزيز : {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكوراً}(الفرقان  : 63).

لقد حرص الإسلام على العناية بالوقت واحترامه فهو شكل جزءا أساسيا من حياتنا بل هو الحياة نفسها، فابن آدم إنما هو أيام مجتمعة كلما ذهب يوم ذهب بعضه كما ورد عن الحسن البصري.

ومما للوقت من أهمية في الدين فلقد قسم الله حياة الإنسان إلى مواقيت، فجعل في اليوم ميقات الصلوات ونعلم أن الأرض تكمل دورتها حول  نفسها بعد قضاء خمس صلوات وأنه إذا ضاع وقت الصلاة، فإنها تضيع معها وجهة الأرض التي كانت عليها وقت الآذان ولن يتداركها أبدا إلى يوم القيامة، لذا وجب الانتباه إلى أهمية الوقت والمكان مع حركة الأرض حول نفسها وداخل فلكها حول الشمس، {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}( النساء : 103).

كما جعل في الأسبوع ميقات الجمعة، ونعلم أن الأرض تكمل دورتها حول الشمس بعد 50 جمعة أي بعد سنة، وكأن المؤمن إذا صلى صلوات يومه الخمس إيمانا واحتسابا، له ثواب الحول عملا ب”الحسنة بعشر أمثالها (والله أعلم)، هذا وتجدر الإشارة أن جمعة هذا الأسبوع ليست مثل جمعة الأسبوع الفارط وبالتالي فهي ليست مثل جمعة الأسبوع اللاحق ذلك أن كل جمعة هي خلق جديد، فالأرض في فلكها حول الشمس تغير موقعها في الكون، {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}(الجمعة : 9).

فالتجارة مع الله، والزراعة في بساتين الله وهي المساجد أغنم وأربح وأطيب وأرزق، يقول تعالى: {قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}(الجمعة :11).

ولنعلم أنه لا أحب إلى الله من تجمع المؤمنين في المساجد يوم الجمعة وأيام العيد ويوم عرفة، وكلما كثر تجمعهم كلما كثرت عليهم الرحمات وتعالت الدرجات وأن يد الله مع الجماعة.

كما جعل في السَّنة ميقات رمضان: {يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة : 183).

وجعل في العمر، ميقات الحج: {وأذن في الناس بالحج ياتوك رجالاً وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق}(الحج : 27).

هذه الفرائض جاءت، ربما لتوقظ في الإنسان الوعي والانتباه إلى أهمية الزمان والمكان مع حركة الأرض حول نفسها وحول الشمس، وحركة الشمس في فلكها حول مجرتها (اللبانة) وحركة المجرة داخل الكومة، وحركة الكومة داخل الكون : {وكل في فلك يَسْبَحون}(يس : 40).

كما أن الوقت ونسبيته مذكورة في عدة مواقع من القرآن منها : {ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم}(يونس : 45). {كأنهم يوم يرونها  لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها}(النازعات، : 46). أي أن حياة الدنيا بالنسبة للآخرة كساعة من الزمن.

والوقت في الإسلام يعد نعمة من الله امتن بها على عباده: {وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه}(إبراهيم : 32- 33)، ولقد خلق الله في صدورنا ساعة تشهد على أعمالنا وأفعالنا: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}(الداريات : 21).

فانفذ إلى القلب ترى أصناف المعاني والألطاف الخفية في إبداعه وتصوره وفي دقاته ونبضاته وكأنها تخاطب الإنسان وتقول له :

دقات قلب المرء قائلة لهه       إن الحياة دقائق وثواني

{فتبارك الله أحسن الخالقين}(المؤمنون : 14).

فعلينا أن نعي أهمية الوقت ونضعه نصب أعيننا فننقله من دائرة الإدراك والمعرفة إلى دائرة الإيمان واليقين، ومن وفقه الله إلى ذلك فقد فاز فوزا عظيما.

{قل بفضل الله وبرحمته، فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون}(يونس :58).

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

د.محمد حمدون

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *