الجمعيات النسائية الاسلامية  : المرجعية والتأصيل


كان أن استبشرت يوما… ـ و لأني امرأة كان من غير الممكن أن لا أستبشر… ـ لأن الجمعيات النسوية ذات المرجعية الإسلامية تزايدت وتيرة إنشائها يوما بعد يوم …ولأن العديد من اللقاءات التحضيرية لهاته الجمعيات تعقد…و لأن الحفلات تقام بمناسبة بدء أشتغال هاته الجمعيات أو بمناسبة ذكرى تأسيسها أو حتى دون مناسبات في بعض الأحيان…

وبالخصوص لأن نساء تصدين ل” شؤون المرأة والأسرة” من منظور شرعي… و أهل مكة ـ للعلم ـ أدرى بشعابها…

بل أني أكثر من ذلك بدأت أشعر وكأني أكاد أتنسم عبق الحرية يغمرني فياضا، ينقذني من عبء الموروث و أغلال التغريب.

فالجهود تبذل… والشعارات ترفع… والمطويات والمنشورات  تطبع ،والأخبار تصلنا كل فترة تنبئنا عن ميلاد جديد…

ولكن…كان أيضا أن انحط بي الخيال الجامح بعد ذلك… بعد فترة من الزمان يسيرة … فترجلت…و سوط سؤال أضحى حاضرا يخترق فكري… يجلد عقلي الباطن… ويستنطقني عنفا…

ما الحصيلة …؟

ما الربح… ما الخسارة …؟

و ما المآل؟

المرأة لازالت على حالها :

ينضح عمقها قهرا …

وينفث عقلها جهلا …

وتئن نفسها المفطورة على النور تحت وطأة التيه و بفعل ديجور الضلال.

بل وحتى من ” نذرن أنفسهن” لخدمة المرأة والأسرة يرزحن تحت نفس النير، ويلقين نفس العنت ونفس المآل…

فالمشكلة إذا تكمن في أن الجهد لم يُؤْتِ أكلا وأن المشقة لم تمكن من بلوغ المرام:

ـ فلا اللواتي يؤثثن الجمعيات ويسيرنها عرفن طريق الخلاص، فانصلحت أحوالهن وأحوال أسرهن وانقدن في طاعة الله وفق منهج الشرع القويم .

ـ و لا اللواتي أسست الجمعيات من أجلهن من النساء ـ ممن يحتجن إلى الإرشاد والتوجيه ـ استفدن العلم بكيفية إصلاح أحوالهن عن طريق الإيمان بضرورة الاحتكام إلى شرع الله في كل صغيرة وكبيرة من أمورهن.

ـ و لا المجتمع بكل مكوناته استطاع أن يرى نموذجا مقنعا مغريا بالاتباع .

ـ ولا العلمانيات أفحمن بإظهار وإبراز النموذج الإسلامي المتميز الأصيل، الذي دأبت تلك الجمعيات تبشر به منذ بداية الصحوة الإسلامية.

فالخلل موجود إذن، والهفوات ظاهرة بادية للعيان، فهنالك:

ـ جمعيات تتصدى لإصلاح أحوال الأسرة، ولا برامج للتوعية بأسس التربية الإسلامية القويمة المبنية قواعدها على أسس كتاب الله وسنة رسوله…

ـ وجمعيات للإرشاد الأسري تختزل الجهود في استيراد ما تفتقت عنه عقول الجمعيات العلمانية في هذا الباب، دون تأصيل ودون أسلمة ،ودون عرض على كتاب الله وسنة رسوله للتأكد من موافقته للميزان الشرعي الذي لا يقبل الله إلا ما نسج على منواله…

ـ وجمعيات أخرى ترى أن إنقاذ الأسر  الآيلة للسقوط يتلخص في إصلاح ذات البين في المحاكم، وتهمل التي يمكن أن تنعش بفعل حقن مصل الأوبة إلى الله…

ـ و جمعيات تتبنى مفهوم إعادة تأهيل المرأة المسلمة وتحريرها وفق منهج الحق، و لا مخطط لإعادة الاعتبار لها عبر تعريفها بواجباتها قبل مساندتها في المطالبة بحقوقها…

ـ و جمعيات تخجل من القول بمؤاخذة المرأة وضرورة تحميلها المسؤولية في قضية انحراف الأسرة،وترى أن تحذو حذو المناضلات من النساء اللواتي يبرئن المرأة من كل سوء، ويرين أنها ضحية بكل المقاييس وعلى جميع الأصعدة،مع أنه من الواضح أن المرأة جاهلة بأمور دينها وغير محتكمة لله، ونصرها يكون بردها إلى الحق حتى يمكنها أن تتفاعل مع كل الشركاء في الأسرة حسب منطق الشرع.

ـ وناشطات جمعويات يرين أن التعامل مع الرجل قد يكون ـ في بعض الأحيان ـ منبثقا من موروث بائد”الرجل دفة”، ولو أنه مناف للشرع مخل بكرامة المرأة، وذلك انطلاقا من منطق تحكيم الهوى ،وعدم الإيمان بضرورة الرجوع إلى الله والرسول وإلى أولي الأمر في كل أمر مهما بدا ذلك الأمر خاصا ودنيويا بحتا كما يتوهمن.

ـ وجمعيات تعمل فيها نساء مثقفات ” نفرن”  من أجل إصلاح المجتمع بل وحتى الأمة، وهن في الحقيقة قد فررن من بيوت ملأ  فضاءها الشقاق المتضمخ بالفردانية ، وصدع جدرانها الاختلاف غير المحتكم فيه لله والرسول…

ـ وجمعيات لا ترى القائمات عليها غضاضة في أن يعلم الناس ما قد يوحي بالبعد عن الله في نسيج أسرهن، وينسين أن الإصلاح لا يكون إلا بالقدوة، وبعد استفراغ الجهد في إصلاح الرعية التي سيسألن عنها أولا حين عرض الخلق على الخالق جل علاه…

فالإصلاح إذن لن يتم إلا إذا روعي صواب المنهج، و تحقق من شرعية الوسائل.

فلم يكن الهوى يوما منجيا لمن اتبعه ، و من أصر واستكبر و اتخذه إلها فسيمشي مكبا على وجهه أبدا على غير الصراط المستقيم.

والخلل موجود في المنهج غير المسطر في إطار مفهوم الشمولية المميزة لهذا الدين. و لأن كل الأعمال عبادة،فكل الأعمال شرط لكي تنتج أو تقبل أن تكون موسومة بالربانية بعد أن تكون قد عرضت على ميزان الله.

والعمل الجمعوي ـ كمنتوج غربي ـ لنا أن نقتبس قالبه وهيكله لا مرجعيته وآليات اشتغاله،و التي يجب أن نعمل على أسلمتها بردها إلى الله، حتى تؤتي أكلها بإذن الله صلاحا وتقويما للأفراد وللجماعات.

وعليه  :  فلا ينفع المسلمين أن يجعلوا تصرفاتهم وأنشطتهم ردود أفعال على ما يقوم به أي كان،والأمر كذلك بالنسبة للجمعيات ذات المرجعية  الإسلامية، التي لا يمكن أن تستوحي جدول أعمالها مما تقوم به الجمعيات العلمانية،فإن تحدثت تلك عن مفهوم النوع  انطلقت ألسنة الناشطات  كلاما حول الموضوع  حتى يكاد ينحصر ـ في بعض الأحيان ـ  ما تقوم الجمعيات في الرد حول هذا الموضوع، والرد على الرد وهلم جرا…

مع أن من المفروض أن يكون الهدف تكوين المرأة المسلمة التي ترفض المفاهيم الغربية غير المستقاة من الكتاب والسنة إجمالا دون تحديد لأي نوع من المفاهيم الدخيلة، وهذا التكوين لن يكون إلا عن طريق عملية بناء متواتر مستمر جاد يعمل على إزالة شوائب الموروث، وعلى اجتثاث جذور التغريب حتى يعود للفطرة نقاؤها ،وتصبح تربة صالحة يَيْنَعُ فيها نبت الانتساب للحق ، و يسمق فيها دوح الانتساب لفئة المستسلمين المتنورين بنور الله.

ـ ثم إنه وإن كان من غير المعقول أن تعتقد هاته الجمعيات في إمكانية الإصلاح عن طريق الأنشطة و التظاهرات الترفيهية ،إلا أن الشكوك بدأت تساور المهتمين بهذا الموضوع مؤخرا، لاقتصار بعض الجمعيات أو جلهاعلى بعض الحفلات و الأمسيات ذات الطابع الاحتفالي، والتي تشكل الأناشيد وعروض الأزياء وعرض بعض المنتوجات التقليدية للبيع تقريبا جل فقراتها.

وختاما… فإن كان الإجماع حاصلاً على أن أحوال الأسرة و المرأة تحتاج إلى إصلاح، فلنعمل على تكوين إجماع حول مشروع جمعوي إسلامي أصيل متميز، تبدو ملامح لا إله إلا الله بادية على قسمات مكوناته، و سيمكننا إن شاء الله من التدخل السريع الفعال من أجل العمل على إرساء خطة ربانية من أجل إصلاح ناجع يحفظ الهوية ،و يمحق التبعية، ويحقق الخلاص من ضنك الدنيا وجحيم الآخرة.

د.صالحة رحوتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *