الــزكاة ليست ضــريبة ولكنها عبــادة وقـربـة


 

الكثير من الناس لا يفرِّقُون التفريق الدقيق بين الزكاة والضريبة، فيُؤَدي بهم الخَلْطُ في الفَهْمِ إلى دَفْع الضريبة من الزكاة، وهذا ما لا ينبغي أن يشتبه فيه الأَمْر على مسلم.

فالضريبة معناها : فريضة إلزاميَّةٌ تُؤَدَّى للدولة لتصرفها في تغطية النفقات العامة، وفي تحقيق بعض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها من الأغراض.

أما الزكاة فهي : حقٌّ مُقَدَّر معلوم في أموال الأغنياء للسائلين والمحرومين والمحتاجين شكراً لله تعالى على ما أغْدق من النعم، وتقرّبا إليه.

فهما -الضريبة والزكاة- وإن كانا يلْتَقِيان في عُنْصُر الإلْزام والدّفْع الإجباري، وعُنصر الجهة المدفوعةِ إليها والمُشرفة على التصرف فيها، وفي عُنْصُر دعم انتظار النفع الخاص، إذْ كُلٌّ منهما يُصْرَف في المصالح العامة بصفة عامة،.. إلى غير ذلك من بعض عناصر التلاقي التي تجعلهما يتشابهان بعض التشابه.

إن كانا تلتقيان في بعض القواسم فإنهما يفترقان افتراقاً جِذْرِيّا في نقاط كثيرة منها :

1) الاختلاف في الاسم : فالزكاة تدل على النماء والطهارة والبركة، والضريبة تدل على ضَرب الغرامة على الشخص، أو ضرْب الذلة والمسكنة عليه {وضُرِبَتْ عَلَيْهِم والمَسْكَنة}(آل عمران : 112).

فالزكاة توحي بنُمُوّ الشخصية المزكِّية وحُرّية اختيارها للعطاء عن طيب نفس، أما الضريبة فتوحي بالقهْر والإذلال.

2) الاختلاف في الوِجْهة : فالزكاة عِبادةٌ مفروضة على المسلم شكرا لله تعالى وتقرباً إليه، والضريبة التزام مدنيٌّ خالٍ من كُلِّ معنَى للعبادة، ولهذا كانت النّيةُ شَرْطاً لأداء الزكاة وقَبُولها عند الله تعالى >إنّما الأعْمَالُ بالنّيَاتِ…<.

3) الاختلاف في النصاب والمقدار : الزكاة حقٌّ مقدَّرٌ بتقدير الشَّرْع الذي لا يَحُور ولا يَجُور، فهو الذي حدَّد النصاب في الزروع والثمار، والماشية، والنقود.. وهو الذي حدَّد الواجب في كُلِّ نوعٍ من الممتلكات، فالواجب يتراوحُ بين الخُمس والعُشر، وأحياناً نِصْفُ العشر في صِنْفٍ، ورُبُع العُشر في صنف آخر، وهكذا… أما الضريبة فهي متروكة لاجتهاداتِ السلطة وتقديرات أولى الأمْر الذين يُمكن أن يصيبوا ويمكن أن يخطئوا.

فالزكاة وعَد الله تعالى مُعْطيها ومُخْرِجها بالخُلْفِ، أمّا الضّريبة ففارضوها ومشرِّعوها لم يعِدوا أصحابها بشيء، وليس في استطاعتهم ذلك.

4) الاختلاف في المصرف : الزكاة عَيّن الله تعالى في كتابه مصارفها، وهي مصارفُ ذاتُ طابع إنساني وأخلاقي وتعاطفي وتلاحُميّ، أما الضريبة فتُصْرف لتغطية النفقات العامة للدولة، كما تحدِّدُها السلطات المختصة. فميزانية الزكاة وصناديقها -إن جُمعت ونُظمت- مستقلة تماماً عن الميزانية العامة للدولة.

5) الاختلاف في العلاقة : فالزكاةعلاقة بين المسلم المكَلَّفِ وبين ربّه في الدّرجة الأولى، فهو يُؤدّيها ويسْأل ربّهُ قبولها بقوله مثلا :>اللّهُم اجْعَلْها مَغْنماً ولا تجْعَلْها مَغْرماً< لأن الله تعالى هو الذي فرضها فلوجهه تؤدى، ولا يُمكن أن يسقطها أحدٌ .

أما الضريبة فهي علاقة بَيْن المُموّل وبين السلطة الحاكمة، فهي التي تسُنُّها، وهي التي تُطالِبُ بها، وهي التي تحدِّدُ النسبة الواجبة، وهي التي يمكن أن تنقص، أو تزيد، أو تُلْغِيها تماما.

6) الاختلاف في المقاصد : فمقصِد الزكاة كما حدّده الله تعالى هو التطهير والتزكية والتنمية {خُذْ مِن أمْوَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وتُزَكِّيهِم بِهَا وصَلِّ عَلَيْهِم}(التوبة : 104) أما الضريبة فمقاصِدها إما سياسية، وإما اقتصادية، أو تسَلُّطِيّة، فأهدافها مادية خالصة.

7) في المحاسبة عليها : الزكاة يحاسِبُ الله تعالى عليها، قال تعالى {والذِينَ يكْنِزُون الذّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيل اللّهِ فبَشِّرْهُم بعَذَابٍ ألِيم}(التوبة : 34). وقال : >مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ -مالٍ مُدَّخر- لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إلا أُحْمِيَ علَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّم، فَيُجْعَلُ صََفَائِحَ، فتُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وجَبْهَتُهُ حتَّى يَحْكُم الله بَيْن عِبادِه في يَومٍ كانَ مِقْدَارُه خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمّ يُرَى سَبِيلُهُ إمّا إلى الجنّة، وإمّا إلى النّار. وما مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ لا يُؤَدّى زَكَاتَها إلاّ بُطِحَ لَها بِقَاعٍ قرْقَرٍ كأوْفَرَ ما كَانَتْ تَسْتَنُّ عَلَىْه -تجري وتمشي عليه- كُلّما مَضَى عَلَىْه أُخْراها، رُدَّتْ عَلَيْه أُولاَها حتَى يَحْكُم اللّهُ بَيْن عِبَادِه<(رواه الشيخان وأحمد) وهكذا الغَنم وغيرها مما تجب فيه الزكاة…

أما الضريبة فتحاسِبُ عليها الدّولة.

وهكذا لا يُمكن للضريبة أن تحُلّ محَلّ الزكاة، كما يُمكِن أن يَفْهم بعض الناس، فيظنون أن إعطاء الضريبة يُغْني عن إخراج الزكاة، أو يمكن أن يلجأ بعض الناس إلى أداء الضريبة بأموال الزكاة، فذلك كله خلطٌ في خَلْطٍ، واضطراب في اضطراب.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *