الخلق واللاخلق في عصر المادة


الخلق واللاخلق في عصر المادة

إن مسمى الأخلاق والخلق والتخلق قيمة حمالة للمعاني والدلالات والمفاهيم تفصح و تبين عن جوهرية وجودها كباعث على الثبات والتأصيل النابعين من الفطرة ومن كينونة المخلوق الإنساني إذا ما أضفى عليها هذا الأخير طابع التجديد بمعناه الإحيائي وكذا الانبعاث بها على مستوى السلوك والتعامل الحتمي مع الذات ومع الآخر، والبعث بها إلى عالم المشهود من عالم المكنون والمدفون. ولعل قيمة الأخلاق والخلق والتخلق هي فلسفة ذات أبعاد معرفية ومعاملاتية، عليها يستقيم الرابط البشري ويؤسس علاقاته في مستوييها الأدنى والأعلى:

في مستواها الأدنى بإقامة العلاقات العشيرية والدموية وتطوير هذه العلاقات وتوسيعها ضمن محددات تعارفية، لعلها هي السبب الموجد لها ضمن العلاقات العامة في إطارها الأخلاقي، من عادات الناس وتقاليدهم< انطلاقا من خصوصيات كل مصر وقطر، أما في مستواها الأعلى كالعلاقات المعرفية والتوجهات الفكرية على الأمد البعيد، ضمن الخطاطة العالمية في إطار الأساسيات العامة أو ما يسمى بالكليات الكونية، منها كلية الدين وكلية العلم وكلية الموروث الحضاري، ضمن الخط التاريخي العام. وهذه الكليات لا غنى لها عن قيمة الأخلاق والخلق والتخلق مادام المتحرك والباعث فيها هو الإنسان وهي بذاتها علائق وروابط.

من هنا ندرج مقولة الأستاذ محمد صادق الرافعي حيث قال: (لو أني سئلت عن أجمل فلسفة الدين الإسلامي في لفظتين لقلت: ثبات الأخلاق، ولو سئل أكبر فلاسفة الدنيا أن يوجز علاج الإنسانية كله في حرفين، لما زاد على القول: إنه ثبات الأخلاق، ولو اجتمع كل علماء أوروبا ليدرسوا المدنية الأوروبية ويحصروا ما يعوزها في كلمتين لقالوا: ثبات الأخلاق).

من خلال المقولة نخلص إلى أن ما يعوق التقدم الحضاري أو بالأحرى يشوه مسيرته، كونه يرتكز على أسس مادية لا علاقة لهابقيمة الأخلاق والخلق والتخلق، بهذا لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يزهو أو يستمر لأمد طويل. لأن هذه الحضارة< اغتصبت الإنسان ذاته، فأصبح منتزعا منه قيمة الأخلاق والخلق والتخلق فوق إرادته وبدون إذن منه، إذ ذاك تصبح هذه الحضارة ظالمة للذات والجوهر الإنساني بعد ما أدت به إلى وضع متأزم، جانب السعادة فيه ضمير وجب استتاره لاتصاله بالجفاء الروحي الذي أسفر عنه التفكير المادي اللامتناهي واللامحدود، فهي إلى هذا الحد نعتبرها حضارة مغتصبة: اغتصبت نفسها من قيمة الأخلاق والخلق والتخلق وظالمة لجوهرها وكينونتها: بإغفالها للجانب الروحي والتهذيب الفطري كما أنها ميالة إلى المادة وذات تعامل صارم يحذوه الإفراط في الشهوة. إذ تهدف إلى شيء واحد من شيئين: أولاهما إشباع الغرائز بشتى الطرق والوسائل، وثانيهما: جمع المال وكسب التحدي الخارق ولو على حساب الآخر من مكونات الطبيعة، والنيل منالاستقرار العام للكون العالمي. هذان الشيئان اللذان ينتزعان منها الإنسانية كما سلبت هي من الإنسانية قيمة الأخلاق والخلق والتخلق. ولعل هذا مايؤزم الوضع العام للحضارة ويمشي به في خط معكوس لا استقرار فيه ولا تعقل.

فالتقنية والاقتصاد والعلم والصناعة أشياء متلازمة، لا محيد للسير الحضاري عنها، إذ هي الباعث القوي على الحركة المادية والتفعيل العلمي، وما دامت هذه الكليات الجديدة في عالمنا تمثل رأس العلاقات ومنطلقها، كما أن المستهدف في هذا كله هو الإنسان، لابد لهذه الكليات الجديدة من أسس ثلاثة ترتكز عليها، حتى لا تؤدي بنفسها إلى التهلكة. ومن هذه الأسس: الحكمة والأناة والثبات، والتي لا غنى لكل منطلق حركي ومبدإ فعلي عن هذه الأساسيات الثلاث التي تعد من ركائز كل بناء حضاري. لأن الحكمة: رأس الأمر وأساسه، وكل تفكير لا ينبع من الحكمة لا خير فيه.  وقد قيل  : >من أظلم نور تفكرهبطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه<. وقال الله عز وجل في سور ة البقرة:{ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}. أما الأناة : فهي منطلق الأمر ونظرة شاملة ورصينة له، بكل دقة وتأمل، يرمي من خلالها العاقل إلى إصابة الهدف، دون إذاية الآخر.وأما الثبات: فهو الأس الجامع والشامل للأمر، والمنظم له والمحدد لمناهجه، وهو السياج أو المحصن لها، إذ كل أمر لا ثبات فيه فهو هلاك ودمار، ومحق للإنسانية، لأن عنصر الثبات هو أصل كل أمر ومبتغاه.

والأسس الثلاثة ـ الحكمة، الأناة والثبات ـ هي من مدلولات ومعاني قيمة الأخلاق والخلق والتخلق، لذا وجب مراعاة هذه القيمة ومدلولاتها من المرتكزات الثلاث في كل أمر من أمور التقدم الحضاري ضمن مسيرة الخط التاريخي العام، والذي يستهدف من خلاله العناصر الثلاثة، كما حددها مالك بن نبي، والتي هي: الوقت والتراب والإنسان، وإذا تشابكت هذه العناصر وارتبطت فيما بينها، لابد لها من تأسيس علاقات رابطة لمستواها المعرفي والعلمي العام، إذ ذاك لا غنى لها عن قيمة الأخلاق والخلق والتخلق.

من هنا نذكر حديث رسول الله ، والذي أخرجه الحاكم: >كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه<، فكون هذا الإنسان له علاقات داخلية وخارجية مع الذات ومع العوالم المحيطة من حوله، وكونه شيءاً يذكر، مراعى ومستحضرا في حسبان الآخر، من جنسه ومن جنسيات أخرى، وكون هذه الجنسيات تحسب له حسابا، لابد له ـ قبل أن يصدر حكما أو يتلفظ بكلمة ـ من أشياء هي من بواعث قيمة الأخلاق والخلق والتخلق، كما أن هذا الإنسان، إذا وعى بهذه القيمة وسعى في تهذيبها وأضفى عليها طابع الجمالية والحسن، كان قد انتقل بنفسه من الإنسانية المجردة، إلى إنسانية الإنسان، وبذلك يكون قد استرد إلى جوهره وفطرته حقها من قيمة الأخلاق والخلق والتخلق، وذلك كما قال الاستاذ محمد عبد الله الخطيب: >من زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين<

محمد ادريس الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *