وفي موسم الاحتفالات للشرع أيضا… رأي في التعبير عن الفرح


وفي موسم الاحتفالات

للشرع أيضا… رأي في التعبير عن الفرح

هذا المقال دعوة إلى علماء الأمة وفقهائها من أجل تنوير المرأة وتوجيهها في كل الميادين،ومن ذلك هذا المجال الذي تشي تجلياته بمدى انحشار نور الحق في حناياها…فعسى أن نقرأ ونسمع قريبا إن شاء الله منهم عن آداب الاحتفال في الإسلام، وحدود التعبير عن الفرح بين النساء،وضوابط الرقص والغناء…وكل ما له علاقة بهذا الأمر.

الفرح فعل فطري  يمارسه  الإنسان بدافع غريزة حب التعبير عن أحوال الذات،إذ أنها إن صفت وأحست بأن الهم عنها قد ارتفع، وأن الأنس بها قد أحاط، فإنها لابد مطالبة بتوفير ظروف تسمح لها بإظهار الرضى والانبساط والاسترخاء.

والتعبير عن الفرح حق مشروع، ولا يمكن لدين الفطرة أن يصادره لأي كان، لكن… ولشمولية هذا الدين، لابد أن يكون للمشرع رأي في تفاصيل وطريقة هذا التعبير.

والإنسان مكرم رفعه الله، ومنحه نفحةروح تعليه عن درك المهانة والانحدار، وعليه لكي لا يفقد تلك النفحة أن يزكي نور الانتماء إلى الحق في نفسه، وأن يعمل على أن يحببه إليها، ويجعلها تستمرئ لذة الغوص في نعيم الاستسلام لله والاحتكام إلى شريعته وحكمه.

فليس من العدل في حق النفس أن نحرمها خيرية تغليب الروح على الطين، وظلم النفس كما هومعلوم…ظلم عظيم.

ولما كان الفرح مشروعا كما قلنا، فليكن إذا بشكل يحتفي بالروح والفكر دونما إغفال الجسد طبعا، ولكن دون إعطاءه صفة الربان يوجه الدفة أينما شاء دونما ضوابط أيضا.

والمؤسف أن العكس هوما يحدث الآن ،إذ يراد تغييب حصة الفكر حين ممارسة الفرح، ويراد للجسد أن يستنفر كل طاقاته من أجل السيطرة على الذات، فتكون النتيجة ترد واندحار وتقهقر،وتشويه لصورة المكرم المفروض ارتباطه بالوحي.

والنتيجة أن شهدت وتشهد ساحات وميادين ممارسة الفرح انحرافات تنبئ عن الخلل المستقر في الأذهانحول هذا الحق في التعبير عن المشاعر والأحاسيس.

والمرأة ـ للأسف ـ في واقعنا أكثر انحشارا في تجاويف هذه القضية من الرجل،ولعل للتقاليد اليد الطولى في ترجيح كفتها في هذا الباب…

فلقد ألقي في روعها ـ وصدقت ـ أنها أكثر تهورا واندفاعا وعاطفية، وأقل اتزانا وأضعف رشدا، وبالتالي فهي المؤهلة والمدعوة إلى الدخول إلى عالم التعبير الجسدي عن الفرح أكثر من الرجال.

والمشكلة أن المعنية بالأمر ـ وأخص بالذكر التي ابتغت منهج الحق سبيلا ـ وإن وعت حتمية التلقي عن الله حين الاستسلام له في ميادين عدة، فإنها لم تستطع ذلك في هذا الميدان إلا لماما، وفي السنوات الأولى للصحوة فقط ،

ثم ما لبثت أن عادت لاستقراء آراء التقاليد و”المجتمع”و”الواقع المعاش”، فنسجت من هذا الخليط رأيا وافق هوى في نفسها، ولم يحرمها “لذة الانسجام” مع المحيط الذي تعايشه وتخالطه، سواء في إطار الأسرة والعائلة، أم في إطار المعارف والأصدقاء.

وهاته المرأة “الملتزمة” وإن بدت وكأنها تحاول مغالبة الفكر المنتقص من شأنها ، والمحط من كرامتها،فإنها في الحقيقة لم تظهر ما يكفي من النوايا الطيبة، والتصرفات الراشدة لكي تحمل تطلعاتها وآمالها محمل الجد،إذ نراها تفرق ـ بسبق الإصرار والتعمد ـ بينها وبين الشقيق في الأحكام ،حين تتبنى أفكارا وتسلك سلوكيات، قد لا تقبل هي نفسها أن يقوم بها هذا الشقيق ، بل قد تزدريه وتحقر شأنه، إن قام بما قامت به هي  ظانة أنها “موفورة الكرامة راجحة العقل رشيدة التوجه”.

فقد ارتضت لنفسها ـ دونه ـ حين تفرح أن تصبح جسدا أرعن منفلتا، ينتج حركات توحي بالتدني والابتذال…حركات استوردت واستقدمت من واقع وزمن بعيدين عن الله

ـ واقع وضعت لبنات هيكله في عصور الانحطاط والجهل والانغماس في حمأة التقاليد البالية والموروث المشين.

ـ وزمن ارتفعت شوامخ صروحه متضمخة بمبادئ تقديس الطين وتعاويذ الاحتفاء بالمحسوس المبين.

بل وأضحت لا ترى ضيرا في الانصياع الطوعي للمد الفكري الرجعي المنبعث من حقب الظلام، المشيء لها حتى النخاع، المختصر لكيانها في جسد متاع ،أريد لها أن تحصر اهتمامها به، فلا تتحرك إلا به ولخدمته وللخدمة به…

والمصيبة أنها انبرت توظف ذاك الجسد بنفس النمط…وعلى نفس الوتيرة… حتى ولوكان الإيقاع المحرك إنشاد فيه ذكر لله وسرد لاسم رسوله…

لا إله إلا الله… وتتحرك الأرداف والبطون والصدور…

محمد رسول الله… ولا تستثنى المؤخرات…في وقاحة…وفي هستيريا جماعية أحيانا… وفردية أحيانا أخرى …

وتتمايل الأجساد ذات الرؤوس المغلفة بمناديل محكمة الوضع، أوتلك الحاسرة مؤقتا ل”ظروف الحفل” دون مراعاة لشروط الاستتار، ودون احتساب لحضور أجهزة التصوير والتسجيل في غالب الأحيان.

ويينع الاحتفال بالجسد، ويرخى عنانه، ويحتفى به كممثل أوحد تسمح لهصاحبته بالانفعال للتعبير عن الفرح…

ويختفي العقل والفكر… ويغيبا قسرا، حتى لكأن صاحبتهما لم تعد تعي أن الذكر موجب للاطمئنان، معين على التدبر، زارع للوقار والاتزان…

وحتى لكأن ذلك العقل المغيب لم تبق منه ذرة واحدة… قد تدعوإلى التساؤل عن إمكانية المزاوجة بين الذكر والتذكر والتدبر…والطيش والانفلات …

وإن كان ما من شك أن مثل هذا الأمر لمن قبيل قمة المهين والمستقبح، فقد يقع الأدهى والأمر حين لا تجد “المحجبة الملتزمة بأوامر الدين” غضاضة في استيراد واستعارة “المخزون الثقافي” الشعبي من أجل ممارسة الفرح على إيقاعه الصاخب.

فقد “تجد” و”ترى” ـ لحق الاستهجان والاستحسان الذي منحته لنفسها، دون الرجوع إلى معين الحق تستهديه ـ أنه هووحده الذي يفي بحاجياتها للتعبير عن الفرحة…وتفعل ذلك أيضا حتى لا تحرم نفسها من متعة الإحساس بانطلاق الجسد من عقال ما قد يتبقى من العقل،ولربما… حتى تستيقن من أنه ما من زخة من زخات الذكرـ المستمع إليه في الجمع ـ قد تأتي لتوقظ الضمير المراد له عمدا أن يؤول إلى الخدر والتغييب.

وفعلت ذلك مرات ومرات …وتفعل قريرة العين مرات ومرات…وهي لا ترى في ذلك حرجا ولا ضيرا…

فقد انبعثت موجات “تحديث” أو”تأصيل” للأفراح “الإسلامية”…

وتعالت فيها أصوات”المطربين الشعبيين والمطربات الشعبيات”، سواء من الأشرطة المسجلة…أومنشدة من طرف الحاضرات ارتجالا…أومع بعض الفرق الإنشادية “الإسلامية”ـ التي استغنت عن جل الجاد والنافع والمذكر ـ   مع ما فيها من دعوات إلى الإسفاف والمجون والانحلال والسفه، وما يتخللها من كلمات بذيئة يمجها الذوق السليم بله مبادئ الدين القويم، وما تحتوي عليه من ذكر للشعوذة والسحر، ودعوة للاستجارة بأولياء الشيطان، والتبرك بالأضرحة وأصحاب القبور…

هذا ناهيك على أن الموضوع الوحيد والأوحد لهذه الخلطات الصوتية الصاخبة، المستفزة للأذواق السليمة، المستنفرة للأجساد الرعناء ،هوالتباكي على حرقات الحب والغرام ولوعاتهما، وسرد حكايات الأرق والسهاد وأخبارهما…

والأمر أصبح يجري على هذا النسق،والفرح الإسلامي أضحى على هذه الصورة:

ـ لكأني بالمرأة المسلمة بدأت تجد  في هذا الارتكاس متعة…وفي ذلك الانغماس في اللغووالانحراف انعتاقا وتحررا من الواقع المذكر بالله…

ـ ولكأنها تريد أن تسرح بعيدا عما يذكر بالارتباط  بشمولية مظاهر الانتماء إلى ملكوت الله…

ـ ولكأن الفرح لا يتأتى إلا بقطع الحبل الموصل إلى الله…

ـ ولكأن الفرجة والترويح عن النفس لا يستقيمان والاتصاف بالربانية والقرب من الله…

ـ ولكأن التفلت  والهيجان وحدهما المعبران عن الإحساس بالأنس والدعة والانشراح…

ـ ولكأن التسربل بالسكينة والوقار، وترك النفس تنتشي يظل الذكر يتغلغل في أعماقها ، غير قمينين بإظهارما يكفي من الحبور والانشراح للمشاركة في مؤازرة أصحاب الاحتفال…

ـ ولكأن إعمال الفكر فيما يسرد من كلمات وضاءة على لسان الجمع الذاكر، ثم التناغم  معها بالروح منتقص من متعة التفاعل مع آليات الاحتفاء…

ـ ولكأن الشكر على نعمة الفرح يمكن أن يكون بمعصية الله…

فبنعمة من الله وفضل من لدنه وحده يتأتى لنا أن نفرح…

فالعقيقة فرحة بإنعام الكريم بالولد الصالح،

والوليمة فرحة بمناسبة إنعام المنان  بالزوج الصالح وهلم جرا…

فكيف يقابل المن بالمعصية؟

وكيف يواجه الكرم بالجحود؟

وكيف يستشار الخلق في كيفية شكران الخالق؟

وكيف لا تكلف المعول عليها في إصلاح كيانها، ثم الأسرة والأمة نفسها عناء السؤال عن كيفية القيام بهذا الشكر، وعن طريقة التعبير عن الامتنان…؟

وكيف لم تسأل أهل الذكر وهي التي ترى نفسها ممثلة للإسلام في زمن تأليه الهوى وتقديس “عجل الحداثة”…؟

ثم كيف لم تفعل بعدوهي تعلم أنه عز وجل ما خلق الإنس والجن إلا ليعبدوه؟

ثم أيضا وهي التي تلت…وتتلو:”اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”؟

د.صالحة رحوتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *