من أجل حريتي!


الحياة كالأرض، ليست منبسطة تماما، فتمة جبال وهضاب وسهول وحفر… ولكل فارس كبوة.. وفوارسنا نساء، انطلقن من كبواتهن مؤمنات صابرات محتسبات.. قاسمهن المشترك : {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}(الطلاق).

قصصهن الواقعية عبرة، ومبعث أمل وتفاؤل ونجاح.. ألم يعدنا الذي لا يخلف الميعاد أن يجعل للمتقين مخرجاً، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون؟!

4- من أجل حريتي!

سيدة المنابر والمحافل، جريئة اللسان فصيحته ، سريعة البديهة، عميقة الرؤى، أجيد فن الخطابة..

كل هذا، جعل الحزب ينتقيني من بين صفوف شبيبته، لأتولى مركزاً قياديا، ولأكون ناطقة باسم فصيله الطلابي.. الكل يتوقع لي مستقبلا باهراً في عالم النضال السياسي..

هذه رحاب الجامعة تحتضنني بغليانها، وأطيافها السياسية، وهذه فورة الشباب تؤجج طموحي واندفاعي… فأحسن قيادة الفصيل الطلابي الذي أمثله، وأنال إطراء الحزب وتأطيرهالمكثف لي.. والحقيقة أني أصبحت أخاف فقدان مركزي القيادي ولمعان نجمي، فلا أتصور نفسي مقُودة بعد أن كنت قائدة!

الفصيل الطلابي الذي أقوده، ينتقدني بشدة.. يعيب علي جديتي وانضباطي المبالَغ فيهما ورجعيتي، لأني -حسب رأيه- أصلي وأصوم ولا أقرب الثالوث المحرم : الخمر والدخان والجنس!

كانت معاركي الفكرية معه ترهقني أكثر مما يرهقني عبء المسؤولية كان جدالا عقيماً سطحيا، ومحاولة للتدخل في قناعاتي الشخصية.. فما العلاقة بين النضال والالحاد؟! وما العلاقة بين النضال والجنس؟! وماذا يعني النضال وما أهدافه ووسائله؟! ألا يحق لي أن أناضل من أجل حريتي أوّلاً؟ وحريتي تشمل جسدي وديني واختياراتي -كيف أقبل أن أومن بالحرية وأشيّء (من التشييء) نفسي، وأجعل جسدي مرتعا مشاعاً لكل طامع فيه باسم النضال؟! ألا يتناقض هذا مع مبدإ الحرية الذي أناضل من أجله؟!

لم تنته المجادلات، إلى أن باعدت الهوةبيني وبينهم، فأنا أناقش المبادئ وحرية القناعات الشخصية، كحق من حقوقي البديهية، وهم يريدون خنق صوتي والرضوخ لرغباتهم المجنونة.. لا لشيء إلا لأنهم يريدون استغلال المرأة باسم الحرية والنضال!

أدركت أن هؤلاء يتخذون النضال مطية لضرب كل القيم والمبادئ سعياً منهم لإرضاء ظمإهم الروحي وأنا نيتهم، وتعويض حرمانهم وتخبطهم في متاهات الضلال!

والأغرب أنه كانت تتسلل إلي طالبات مغرَّر بهن، لتهنئنني على صمودي وسموي الخلقي، فكنّ يبحْن لي بأنهن صرن بضاعة مستهلكة، فقدت كل إنسانيتها وكرامتها! كما هنأني بعض “المناضلين” على موقفي فأسر إلي بعضهم أنه لا يرضى أبداً الزنا لأخته، وقال لي آخر : لو أنهيت دراستي وعملت، لكنت أول من يخطبك! فقلت له مازحة : ورفيقتك فلانة؟! فأومأ برأسه بالنفي، وعلق قائلا : لست مجنونا، إنها لا تصلح زوجة لي!

فأدركت على التو خيوط اللعبة التي يحركون بها كراكيزهم.. وشعرت أني أفرض شخصيتي بكل مبادئها، لأني على حق ثابت، وصرت في حيرة من أمري، فلا أستطيع الانسحاب من وسطهم العفن، ولا أستطيع الاستمرار، ولا أستطيع فقدان مركزي…!

حزمت حقيبتي لحضور ملتقى وطني، هذه فرصة لألتقي مع شخصيات بارزة في الحزب، وأستفيد منها خاصة أحد الأطر الذي كانت تبهرني خطبه المسجلة التي أنصت إليها باهتمام

اتخذته مثلا أعلى.. التقيته، هنأني على نشاطي المتميز… وفي فسحة وجيزة بين الأنشطة المكثفة، دعاني لنتمشى قليلاً ونكمل مناقشتنا، استمع إلى اقتراحاتي بإعجاب، كنت أنتظر توجيهاته، وإذا به يتوقف… اخترقت كلماته أذني، وأغمضت عيني وفتحتهما لأتأكد من أن الماثل أمامي هو المناضل المحنك… التهم ذهولي جرأتي وفصاحتي، تحسست الأرض بقدمي، لأتأكد من جاذبيتها، فقد كنت أحلق عاليا مع المناضل المحترم في عالم النضال وإذا به يدعوني لقضاء الليلة معه!

ذهلت، أعاد علي الأسطوانة نفسها، المستهلكة بين مناضلي الفصيل الطلابي، الرجعية… الدين رجعية… الزواج رجعية…. العفة رجعية…. الحياء عقد نفسية… ثم مالبث أن غير استراتيجيته، حيث وعدني أن أصبح إطاراً من أطر الحزب حيث الامتيازات والمستقبل الزاهر إن نفذت رغبته الحيوانية…

وسقط القناع.. أي نفاق سياسي كنت أبْهَر به؟!

هنا، النخاسة تتم باسم النضال، والزنا قربان للتقدمية واسترقاق المرأة باسم الحرية! فأي مستقبل للمجتمع إن استعبدت المرأة؟! فشتان ما بين الرجال الأفذاذ والفقاعات المنجرفة مع الزبد، التي تناهض التحرش الجنسي بالمرأة وتتحرش بها باسم النضال والتقدمية!

استقلت.. هربت بعفتي بعيداً لأتابع دراستي في هدوء، ولأعيد ترتيب أوراق حياتي، وأنطلق من جديد، من النبع الصافي الأصيل لأخلص إلى نتيجة واحدة : لا يجرؤ أي اجتهاد بشري أن يدعي تكريمه للمرأة كما كرمها الاسلام!

ذة.نبيلة عزوزي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *