تفسير سورة الفاتحة – {غير المغضوب عليهم و لا الضالين}


يمضي السياق معددا.

فكأننا نتخوف من أن نقع في شيء مما وقع فيه السابقون بعد ما طلبناه سبحانه وتعالى أن يهدينا صراط الذين أنعم عليهم.

والغضب كيفية من كيفيات النفس في عرف الناس يدعوها إلى الحركة الخارجية قصد طلب الانتقام. قال الأصفهاني (المعجم ص: 34) : (الغضب ثوران دم القلب إرادة الانتقام) فهذا الشعور إذن تحولٌ في قلب الإنسان. وهو اضطراب نفسي. والنفس في نظر البعض لها عدة قوىمنها قوة الحكمة وقوة العفة وقوة الشجاعة. والغضب ناشئ عن قوة الشجاعة التي توتر الهمة الصلبة. على أن مبدأ الشجاعة له حالات:

– اعتدال: ويؤدي إلى الحفاظ على النوع. ومن ذلك وجدنا مثلا أن الشجاع المعتدل يرغب دائما في الاستقلال بذاته. ولذلك وجدنا المسلمين عبر التاريخ لا يقبلون الاستعمار.

– إفراط: بحيث تتضخم الشجاعة وتصير غرورا وطيشا وتهورا. ومن ذلك مثلا الرد على الكلمات التافهة بالغضب المذموم في وقت يصح فيه السكوت عندما يمس الإسلام وتهتك حرمات الله.

– خمول : بحيث تفتر الشجاعة فيصير الإنسان جبانا منافقا.

من هنا فالغضب كان بالنسبة للإنسان حالة غير طبيعية. (والغضب المنهي عنه هو الغضب للنفس لأنه يصدر عنه الظلم و العدوان، ومن الغضب ماهو محمود، وهو الغضب لحماية المصالح العامة  وخصوصا الدينية وقد ورد أن النبي كان لا يغضب لنفسه فإذا انتهكت حرمة من حرمات الله غضب لله)(التحرير والتنوير ص: 198 ج 1).

وقد جاء رجل إلى الرسول  فقال له أوصني، قال: ” لا تغضب  ” فكرر الرجل مرارا فقال: >لا تغضب<.

ثم إن الغضب لا يؤثر في الإنسان الفرد فقط بل يتجاوزه إلى الأمة بكاملها. فكلما كانت الأمة متقدمة قل فيها الغضب. ولذلك فإنه ليس من الغريب أن تكون الأمة الإسلامية أمة غضب بسبب ضعف مستواها في مختلف المجالات.

فهذا إذن هو الغضب بالنسبة للإنسان، فهل يصحأن يكون كذلك بالنسبة لله عزوجل؟

إن الغضب الإلهي يرجع إلى معاملته المنكرين لشريعة الإسلام من المشركين والمنافقين والكفاروذلك بالانتقام والعقاب بشكل من أشكال عقابه لهم سبحانه وتعالى. فإذا وصف الله عزوجل بالغضب فإنما يراد بذلك أصلا الانتقام.

وهؤلاء الذين أبغضهم الله وغضب عليهم هم اليهود كما هو مشهور.

والضلال : (هو كل عُدول عن المنهج عمدا كان أم سهوا، يسيرا كان أم كثيرا. وإذا كان الضلال ترك الطريق المستقيم عمدا كان أو سهوا قليلا كان أو كثيرا، صحَّ أن يُستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأ ما، ولذلك نُسب الضلال إلى الأنبياء وإلى الكفار وإن كان بين الضلالين بون بعيد)(المعجم / الأصفهاني ص: 306).

والضلال من وجه آخر ضربان : ضلال في العلوم النظرية كالضلال في معرفة الله ووحدانيته ومعرفة النبوة ونحوهما…وضلال في العلوم العملية كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات و الضلال البعيد هو إشارة إلى ما هو كفر)(المعجم/ الأصفهاني، ص: 307).

فالضلال إذن هو عدم الهداية.

فمن هنا عرفنا أن أصنافا ثلاثة ذكرت في هذه السورة.

فهناك صنف الذين أنعم الله عليهم وهم الأنبياء السابقون.

وهناك صنف المغضوب عليهم وهم اليهود كما هو مشهور.

وهناك صنف الضالين وهم النصارى كما هو مشهور كذلك.

وإذا كنا قد عرفنا بشيء من التفصيل ما يتعلق بالمنعم عليهم، فإن في ذكر المغضوب عليهم والضالين توضيح لابد منه يجب تبيينه انطلاقا من أساس واضح وهو أن قولنا بان المغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم النصارى إنما هو على سبيل المثال فقط. بمعنى: إن المغضوب عليهم و الضالين هم المثال فقط. بل المغضوب عليهم والضالون هم كل من سار على  نهجهم كأشهر فرق أعلنت عصيانها واستنكارها للشرع الإسلامي بوجه من الأوجه. والإنسان المسلم قد يرتكب من المعاصي ما من شانه أن يضل به أو يدفع به إلى غضب الله عليه ومع ذلك نقول إنه لا يقع له شيء من ذلك.

وهذا خطأ خطير يفسد الإيمان كله.

فمن المعلوم أن الذين غضب الله عليهم أناس واجهوا الحق وهم غير الضالين:

فالمغضوب عليهم واجهوا الحق ورفضوه ولا يقبلون به. وهذا تفسير يصدق دون شك على اليهود الذين كانوا في حصون منيعة وكانت قلوبهم غلف.

وغضب الله على اليهود ليس لأنهم يهود ولكن لأنهم اتخذوا موقفا من الشرع الإسلامي. وكل من اتخذ هذا الموقف فهو مغضوب عليه.

فذكر اليهود ليس على معنى الحصر إنما هو مجرد مثال. وإذ ذاك فالمغضوب عليهم هم كل من رفض الشرع. فالذين يكتبون مثلا ضد الإسلام رغبة في تحطيمه، أليسُوا من المغضوب عليهم ؟ فهم اتخذوا موقفا من الإسلام ويعملون بكل وسائلهم من أجل تحقيق موقفهم..وبالنسبة للذين يباشرون المناكر ويجاهرون بالمعصية، ألا يحق وضعهم في خانة المغضوب عليهم ؟

وأما بالنسبة للضالين فهم أناس لم يكن لهم في البدء ذلك الموقف من الوحي مثل المغضوب عليهم، بل لعلهم قبلوا به فترة ما ثُم أدخلوا من التحريف ما جعلهم ينحرفون. فهم غير رافضين لأصل الدين ولكنهم حرفوه وفق أهوائهم. وهذا بالتأكيد وضع النصارى. فإنهم حرفوا الدين وأدخلوا فيه مسألة التثليث ومظاهر أخرى من الشرك. وذكر النصارى هنا إنما هو مثال فقط. وكل من يفعل فعل النصارى بتحريف حقيقة الأصل الديني فإنه يبقى من الضالين لا محالة.

فالضلال إذن غير محصور في النصارى وإنما هو لاحق بكل من اقترف فعلا يشبه فعل النصارى. ولعل من أبرز الأمثلة في واقعنا الحالي ما نلاحظه من مظاهر الشرك الناتجة عن الخرافات و البدع المتصلة بالأضرحة وغيرها.

ولاشك أن هذا الضلال الذي نخاف منه ونسأل الله أن لا نكون عليه هو على درجات:

* أناس ضلوا قبل النبوات إما لأنهم لم تصلهم الدعوة أو أنها وصلتهم على الوجه غير المقنع.

وهؤلاء من أهل الفترة، وأمرهم مفوض لله. ولعلهؤلاء يخفف عليهم بحسب مستوى تفكيرهم.

* أناس بلغتهم الدعوة واجتهدوا في طلب حقائقها ولم يصلوا وهؤلاء أفراد قلائل.

* أناس وصلتهم الدعوة وأخذوها من غير استدلال عليها ولا فهم لأصولها، ولذلك تصرفوا في الدعوة بأهوائهم وغيروا فيها  (وهذا بالطبع ما وقع للمبتدعة من المسلمين). ثم إن هذا من أوسع الأبواب لضرب الإسلام.

* أناس ضلوا في الأعمال وفي العبادات. ذلك أنهم صرفوا ما هو لله للمخلوقات وما هو للمخلوقات لله. وهذا من أخطر ما يفسد العقيدة.

إذن فسؤالنا الله عزوجل إبعادنا عن الضالين مقصود به الإبعاد عن أنواع الضلالات.

ثم إن مما يتأكد لدينا هنا أن الضلال غير محصور في النصارى و إنما متصل بكل من يضل الطريق بوجه من الوجوه الأربعة المعلومة.

د. مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *