الفيزياء الكمية وتماسك الكون


كلما عمقنا التفكير في هذا الكون كلما علمنا أنه متماسك ويشكل جزءا واحدا، فما من حركة تقع فيه سواء كانت صغيرة أم كبيرة إلا وتتفاعل معها مكونات هذا الكون، أي أن هذا الكون ورغم اتساع آفاقه وكبر حجمه فهو يعد كتلة متماسكة وواحدة، وأنه حاضر في كل مكان وزمان، وبالتالي فلم يبق معنى للمسافات الفاصلة بين مكوناته سواء أكانت هذه المسافة قصيرة أم بعيدة. ذلك ما تؤكده النظرية الفيزيائية الحديثة التي تسمى بالنظرية الكمية “La physique quantique”، هذه النظرية تسير على خلاف ما ورد في نظرية إينشتاين الذي قال سنة 1935، أن علم الميكانيك الكمي هو علم غير مكتمل الأطراف وأن كل جسمين مفترقين هما جزءان مستقلان ولا يشكلان جزءا واحدا . وفي سنة 1982 أثبت الفيزيائي الفرنسي  “ألان أسبر” خطأ اعتقاد انشتاين حيث بين أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين بوتونينْ أي بين حُبَيْبَتين من الضوء رغم ابتعادهما في اتجاهين متعاكسين وأن هاتين الحبيبتين الضوئيتين يشكلان جزءا واحدا رغم ابتعادهما بملايير الكيلومترات، ذلك ماأكده “نيل بور” في نظريته المسماة ب”التجربة الكمية غير القابلة للتفرقة، فهما رغم ابتعادهما يبقيان على اتصال دائم فيما بينهما تماما كاليد اليمنى عندما نحرقها فإن اليد اليسرى تشعر بها فتسحبها بالطريقة التي تسحب بها اليد اليمنى، ذلك لأن اليدين معا ينتميان إلى نفس الجهاز.

ويقول لويس دي بروكلي “Luis de Broglie” مدعما فكرة أن الكون هو جزء لا يتجزأ : (إن الفيزياء والميتافيزياء وكذا الأفعال والأفكار والمادة والروح هي في الحقيقة  شيئ واحدٌ)  وهذا يشبه  إلى حدٍّ ما  البالوعة  (الدوامة) التي هي في النهر، فعلى بعد مسافة معينة منها فإننا نكون في ماء ساكن وكلما اقتربنا منها إلا ويصعب التمييز بين الماء الساكن للنهر والماء الهائج للبالوعة. فهما يشكلان شييئين مختلفين ولكنهما ينتميان معا لجهاز واحد وهو النهر، وإذا ما رمينا حجرة على سطح هذا النهر فإنها ستتولد دوائر وتنتشر فيه وتملأ كل أرجائه فكذلك أفعالنا في هذا الكون فإنها تتفاعل معها كل مكوناته وتبقى تردد فيه.

وأحسن مثال يمكن أن نعطيه على ذلك هي التجربة التي قام بها ليون فوكولت سنة 1851 وإلى غاية تلك السنة لم تكن هناك تجربة سابقة تثبت كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس. حيث قام فوكولت بربط حبل طويل في سقف وثبت في نهايته صخرة ثقيلة فتكون لديه  نواس ذو نهاية حرة يتأرجح في مستوى الاهتزاز وبعد مدة من هذا التأرجح حدث ما لم يكن في الحسبان، فبعدما  كان  النواس يتردد حول محور شاقولي في اتجاه شرق غرب بدأ يتأرجح في اتجاه شمال جنوب.

يرجع السبب في تغير اتجاه التأرجح إلى دوران الأرض حول الشمس  ودوران الشمس حول مجرة اللبانة (المجرة التي تنتمي إليهاالمجموعة الشمسية) ودوران هذه الأخيرة حول كومة مجرية (Amas galactique)(مجموعة هائلة من المجرات)، وهذه بدورها تحوم حول كومة مميزة Superamas والكل يدور حول نواة نارية تسمى بالجاذب الأعظم “Le grand attracteur” وباختصار فإن حركة هذا النواس تفاعلت معه كل مكونات هذا الكون، وهي ليست حركة مستقلة لذاتها بل هي مرتبطة ارتباطا وثيقاً بحركات النجوم والكواكب والأجرام السماوية، فحركات الإنسان وأعماله هي أيضاً تتفاعل معها كل عناصر هذا الكون، وهذا التأثير يبقى يتردد في الكون إلى أن تقوم الساعة.

فكل ما يجري داخل كوكبنا من حركات صغيرة كانت أم كبيرة، تبقى على علاقة وطيدة بمكونات هذا الكون: أي أن هذا الكون لا يمكن اعتباره أجراماً متفرقة وإنما هو جرم واحد كبير، من هنا نستطيع أن نقول إن هناك ارتباطا وثيقا بين كل ذرات هذا الكون، وصدق الله العظيم حين يقول، في صورة لقمان: {يابني إنهاتك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يات بها الله إن الله لطيف خبير}.

د.محمد حمدون

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *