الاجتهاد في الشريعة الإسلامية : مؤهلاته ومجاله


 تعريف الاجتهاد

قال ابن منظور: “والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود، وفي حديث معاذ: اجتهد رأي الاجتهاد، بذل الوسع في طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد: الطاقة؛ والمراد به رد القضية التي تعرض للحاكم عن طريق القياس إلى الكتاب والسنة، ولم يرد الرأي الذي رآه من قبل نفسه من غير حمل على كتاب أو سنة”(1).

ويقول أبو حامد الغزالي عن “الاجتهاد”: “وهو عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال لكن صار اللفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة”(2).

فالتعريفان معا يشيران إلى أن الاجتهاد هو بذل الوسع والمجهود، في مجال أحكام الشريعة، ويكون ذلك بحمل ما لا نص فيه على ما فيه نص، عن طريق القياس بالدرجة الأولى.

مؤهلات الاجتهاد

لقد تحدث الأصوليون عن مؤهلات الاجتهاد، وربطوا ذلك بالمجتهد، فذكروا أن اجتهاد المجتهد لا يتحقق إلا بتوفر مجموعة شروط؛ يقول عنها الغزالي: “المجتهد، ولـه شرطان: أحدهما أن يكون محيطا بمدارك الشرع، ومتمكنا من استثارة الظن بالنظر فيها وتقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره، والشرط الثاني: أن يكون عدلا مجتنبا للمعاصي القادحة في العدالة”(3).

ويقول الشاطبي: “إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها. والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها”(4).

وإذا أردنا ضم أحد التعريفين إلى الآخر، وضمهما معا إلى ما ذكره غير الشاطبي والغزالي، كالصنعاني(5). وأبي زهرة(6). وغيرهما، أمكننا القول: إن أهم مؤهلات الاجتهاد هي:

1- فهم مقاصد الشريعة، وفي مقدمة ذلك مراعاة ما يحقق الرحمة بالعباد، ويضمن مصالحهم، ويدفع الضرر عنهم. ولا يتحقق ذلك إلا بضبط أوجه القياس، وتحقيق مناط الأحكام، ومراعاة الأوصاف المناسبة.

وقد اعتبر الشاطبي هذا المؤهل هو أصل المؤهلات ومربض فرسها كما يقال.

2- العلم بالعربية، سواء تعلق الأمر بمفرداتها، أو بنظمها، أو بيانها ومعانيها. فإن القرآن الذي نزل بهذه الشريعة عربي، ولأن السنة التي هي بيانه جاءت بلسان عربي، ولا يتم فهمهما إلا بفهم خطاب العرب وسننها في كلامها.

3- العلم بالقرآن وبعلومه، من ناسخ ومنسوخ، وأسباب نزوله، والمحكم من المتشابه، الخ.

4- العلم بالسنة النبوية وعلومها، وخاصة أحاديث الأحكام، وتمييز الصحيح منها من الضعيف، والمقبول من المردود الخ

5- معرفة أصول الفقه، قال الصنعاني عن هذا المؤهل وعن مكانته بين المؤهلات الأخرى: “وهو رأسها وعمودها، بل أصلها وأساسها”(7).

وما كان هذا المؤهل كذلك، إلا لأنه يتضمن الإشارة إلى المؤهلات الأخرى، ويضع الموازين لكيفية التعامل معها، ويضبط القدر الكافي منها، ويرشد إلى قواعد التصرف فيها، وقوانين الاعتماد عليها.

6- الاستقامة المبنية على صحة القصد، وسلامة الاعتقاد، والبعد عما يخرم المروءة؛ وخاصة إذا تعلق الأمر بالمجتهد المفتي؛ فإن الغزالي اشترط في المجتهد العدالة، وعاد فربطها بالمفتي؛ وأنا أتساءل عن وجود مجتهد غير مفت أيمكن أن يكون لـه وجود عملي؛ فإن المجتهد مفت بامتياز، حسبما يراد له ومنه.

مجال الاجتهاد

إن تحديد مجال الاجتهاد يتوقف على معرفة أمرين أساسيين: أحدهما يتعلق بأنواع الاجتهاد من حيث العموم والخصوص، وثانيهما يرتبط بالأدلة من حيث التفصيل والإجمال، ومجال كل من النوعين.

أما الأمر الأول، فالواجب تذكره ومعرفته أن الاجتهاد لـه مفهومان: أحدهما يقصد به بذل الوسع في طلب الأمر، واستفراغ الجهد في فعل من الأفعال؛ ويتسع ذلك ويمتد إلى الفهم ثم الممارسة، ثم التبليغ والبيان،  وهي أمور لا تقتصر على مجال دون مجال من مجالات الفضاء التعبدي، إذ إنها تنسحب وتصدق علىكل ما هو عقدي، أو تعبدي أو سلوكي أو ما هو مرتبط بميدان المعاملات.

وثاني الأمرين اللذين ينبغي معرفتهما هو أن الأدلة الشرعية العملية، منها ما هو مفصل، ومنها ما هو مجمل، والمفصل يراد به توفر كل مفردة من مفردات الأمر الشرعي أو القضية الشرعية على دليل عملي مستقل، وهو أمر واضح في المجال العقدي، والمجال التعبدي، والمجال السلوكي.

أما المجمل، فيراد به وجود أدلة عملية مجملة، يعالج على ضوئها الأمر المطلوب إيجاد حل لـه شرعا؛ وذلك واضح في مجال المعاملات بمختلف أنواعها وأصنافها، من عقود وتصرفات، ومستجدات؛ فنجد مثلا في مجال البيوع أن العمدة فيها على مثل: لا ضرر ولا ضرار؛ ويتجلى ذلك في النهي عن بيع الغرر، وبيع الركبان، وبيع المنابذةO الخ. وفي مجال التصرفات، نجد أن العمدة فيها على مثل: الضرر يزال، ومصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة الخ.

وإذا اتضح ما سلف، وانضم إليه ما عرف في الفقه وأصوله من أنه لا اجتهاد مع النص، أمكن وبكل وضوح القول، إن مجال الاجتهاد الاصطلاحي الخاص هو المجال الذي نصوصه مجملة، وهو مجال المعاملات.

أما الاجتهاد بمفهومه العام فيدخل كل مجال، ويمتد إلى كل ميدان. ويقرب أن يصدق على التفصيل السابق قول الغزالي “والمجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي” وقوله “وجوب الصلوات الخمس، والزكوات، وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع، فيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف، فليس ذلك محل الاجتهاد(8). ويصدق عليه كذلك قول الشاطبي: “فأما القطعي فلا مجال للنظر فيه بعد وضوح الحق في النفي أو في الإثبات، وليس مجالا للاجتهاد، وهو قسم الواضحات”(9).

ويصدق عليه أيضا، قول أبي زهرة n بعد تعريفه للاجتهاد- قال: “وكأن الاجتهاد على هذا التعريف قسمين:

أحدهما خاص باستنباط الأحكام وبيانها.

والقسم  الثاني خاص بتطبيقاتها.

والاجتهاد الأول هو الكامل، وهو الخاص بطائفة العلماء الذين اتجهوا إلى تعرف أحكام الفروع العملية من أدلتها التفصيلية(10).

د. طاهري عبد الله

——————-

(1) لسان العرب: 3/225.  //  (2) المستصفى، ص: 342.

(3) المستصفى، ص: 342.   //  (4) الموافقات: 4/76.

(5) إرشاد النقاد، ص: 133  //  (6) أصول الفقه، ص: 379

(7)  إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد، ص: 134.

(8)  المستصفى، ص: 345.  //  (9)  الموافقات: 4/113.

(10)  أصول الفقه، ص: 379.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *