أحكام الحج والعمرة الخاصة بالنساء


إن الحج نوع آخر من العبادة في الإسلام، تتجلى فيه معان خاصة ليست في بقية العبادات الأخرى ؛ ففي الحج معنى التجرد لعبادة الله تعالى وتحمل المشاق والتخلي عن كثير مما يعز على الإنسان مما ألفه واعتاده، وفيه يتحقق معنى الإنسانية الواحدة؛ إذ لا تمييز فيه بين فرد وفرد، ولا بين طبقة وطبقة، ولا بين لون ولون. والحج العبادة بالنسبة لكافة المسلمين، ومفروضة مرة في العمر بالنسبة لكل فرد(1)، قال الله تعالى : {ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا}(آل عمران : 97).

وحج المرأة كحج الرجل في كل شيء إلا ما تسامح معها الإسلام مما يأتي :

تحقق الاستطاعة في الحج

لا تتحقق الاستطاعة في المرأة – زيادة على إمكان الوصول لمكة بلا مشقة، والأمن على النفس والمال- إلا بمرافقة زوج أو محرم بنسب أو رضاع، أو رفقة مأمونة.

– أما دليل اشتراط الزوج والمحرم للمرأة فما روي عن الإمام البخاري أن النبي  قال: >لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم<(2) وفي رواية: >لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة<(3).

– أما دليل قيام الرفقة المأمونة مقام المحرم والزوج فهو ما روى الإمام البخاري أن عمر ] أذن لأزواج النبي عليه الصلاة في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان ابن عفان وعبد الرحمن بن عوف(4). وقد اتفق على ذلك عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي عليه الصلاة والسلام، ولم ينكر عليهم أحد من الصحابة ؛ فكان إجماعا.

فالمرأة إذا لم تحج قط، ولم يكن معها ذو محرم أو كان لها فلم يستطع أن يخرج معها، لا تترك فريضة الله في الحج، ولتخرج مع رفقة مأمونة(5).

إحرام المرأة

إكراما للمرأة ولسترها لا تتجرد إلا من وجهها ويديها، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال : : سئل رسول الله  ما يلبس المحرم…الحديث، وفيه : “ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين<(6). وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: >نهى رسول الله  النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الوَرْسُ والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب  معصفرا أو خزا أو حليا أو سراويل أو قميصا أو خفا<(7). ولا ترفع المرأة صوتها متوسطا إلا حالما تكون مع محارمها عند التلبية، وإلا فتخفضه(8).

طواف المرأة

من سنن الطواف الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى، والرمل هو الإسراع بالمشي  مع تقارب الخطى، ولا يشرع في حق المرأة لعموم قوله تعالى : {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يبدين من زينتهن}(النور :31).

والمرأة لا ترمل حفظا لوقارها، فالرمل يشوهها، عكس الرجل فلا يمسه من الرمل ما يسيء إليه.

– ويجب على المرأة أن تطوف في آخر الصفوف وراء الرجال كالصلاة حتى لا تختلط بهم حفظا لكرامتها من أي مكروه يصيبها، ولها أنتستلم الحجر الأسود عند الخلوة، والبعد عن الرجال، روى البخاري عن الجريح، قال : أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال : كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال؟ قلت : أبعد الحجاب؟ أو قال : أي لعمري، لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن،كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة : انطلقي نستلم يا أم المؤمنين فجذبتها وقالت : انطلقي عنك وأبت… وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال لا يخالطنهم(9).

– يجوز للطائفة الركوب إن كانت غير قادرة على المشي(10).

– إذا رأت أن تقصر شعرها جمعته إلى مقدم رأسها ثم أخذت منه أفلة، وقالت الشافعية : أقل ما يجزئ ثلاث شعرات(11).

– يستحب تعجيل طواف الإفاضة للنساء يوم النحر إذا كن يخفن مبادرة الحيض، وكانت عائشة تأمر النساء بتعجيل الإفاضة يوم النحر مخافة الحيض(12).

طواف الإفاضة

المرأة إذا حاضت وهي في الحج لها حالتان :

– الأولى : أن تحيض في غير وقت طواف الإفاضة إما قبله أو بعده، فهذه لا مشكل عندها ؛ لأن طواف القدوم لا يجب عليها وطواف الوداع لا يسن في حقها.

– الثانية : أن تحيض في وقت الإفاضة وهي لم تطف بعد، فهذه الحالة لها حلول خمسة : ؛ اثنان باتفاق العلماء والباقي فيه خلاف.

1- أن تبقى في مكة حتى تطهر وتطوف، ويحتبس معها محرمها لما في الصحيحين عن عائشة قالت :حججنا مع النبي  فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية، فأراد النبي  منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت : يا رسول الله : إنها حائض، قال :حابستنا هي؟ قالوا : يارسول الله أفاضت يوم النحر، قال : فاخرجوا…”(13).

2- إذا شق عليها البقاء في مكة لنفاذ النفقة أو عدم الرفقة أو غير ذلك تعود إلى بلدها دون الطواف، وتبقى على ما بقي من إحرامها إلى أن تتمكن من الرجوع والطواف. وإذا كانت قد تحللتالتحلل الأصغر فيحل لها كل شيء إلا الجماع.

3- يجوز لها أن تستعمل الدواء ليرتفع حيضها حتى تستطيع أداء هذا الطواف؛ روى عبد الرزاق وسعيد بن منصور أن ابن عمر سئل عن امرأة تطاول بها دم الحيض، فأرادت أن تشرب دواء يقطع الدم عنها فلم ير ابن عمر بأسا، ونعت لها ماء الأراك، وسئل ابن أبي نجيح عن ذلك فلم ير به بأسا(14).

4- قال ابن رشد في بـداية المجتهد : (قالت طائفة من أصحاب مالك : إن طواف القدوم يجزئ عن طواف الإفاضة، كأنهم رأوا أن الواجب إنما هو طواف واحد)، وعلى هذا فلو كانت طافت طواف القدوم فإنه ينوب عن طواف الإفاضة.

ولكن الجمهور على خلاف ذلك، قال ابن رشد : (وجمهور العلماء على أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإفاضة ؛ لأنه طواف معمول به في وقت طواف الإفاضة بخلاف طواف القدوم الذي هو قبل وقت الإفاضة).

5- أن تغتسل وتتحفظ حفاظا محكما ثم تطوف بالبيت طواف الإفاضة، وتسعى إن لم تكنسعت وعليها عند الأحناف بدنة ؛ إذ الطهارة ليست شرطا للطواف عندهم، وقال أحمد : عليها شاة، وعند ابن تيمية يصح طوافها ولا دم عليها، وهذا هو الأيسر و الأرحم لقوله تعالى : {فاتقوا الله ما استطعتم}(التغابن : 16). ولقوله  : >إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم<(15).

وهذه لا تستطيع إلا هذا(16).

سعي المرأة

لا يسن للمرأة الصعود على صخرتي الصفا و المروة  إلا إذا كان المكان خاليا، أما في حالة الازدحام فيكفيها الوقوف عند بداية الصخرتين. قال ابن قدامة : “لا يسن لها أن ترقى لئلا تزاحم الرجال، وترك ذلك أستر لها”(17).

– ولا تشترط الطهارة للسعي ولكن الأفضل أن يكون المسلم على طهارة دائما.

– أن لا تخب بين العلمين الأخضرين أثناء السعي، بل تخطو في وقار.

أما إذا حاضت المرأة قبل أن تسعى بين الصفا والمروة فلتسع ؛ لأن الطهارة فيه ليست شرطا بل هي مندوبة، ويدل على ذلك قول النبي  لعائشة : >افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت<(18).

وقوف المرأة بعرفة

–  للمرأة الحائض الوقوف بعرفة فلا ضرر في ذلك، ولا يجب عليها شيء.

– لا يستحب لها أن تقف للدعاء بعد غروب الشمس يوم عرفة كما هو الشأن بالنسبة للرجال حيث يستحب الوقوف لمن قدر عليه، وإنما تجلس في مكانها، وتدعو ما شاء الله ويكره لها الوقوف.

– لا تسرع في مشيها ببطن محسر ؛ لأنه مستحب في حق الرجال فقط.

– لها التقصير بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر وذبح الهدي للتحلل من حجها كما فعلت في التحلل من عمرتها بالتقصير فقط(19).

– وشأنها في العمرة كشأنها في الحج، وفي غير ما ذكرت هنا فإنها متساوية مع الرجل في كل ما يجب ويحرم.

————-

1 – نظام الإسلام، العقيدة والعبادة لمحمد المبارك، ص : 181.

2 – أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب : مسجد بيت المقدس، رقم 1132.

3  – أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب : في كم يقصر الصلاة، رقم : 1026.

4  – أخرجه البخاري ، كتاب الحج، باب : حج النساء، رقم 1727.

5  – الحج في الفقه المالكي وأدلته، لعبد الله بن الطاهر، ص : 34 -35.

6  – أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب : ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة، رقم 1707.

7 – أخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب : ما يلبس المحرم، رقم 1557.

8 – فقه المناسك على مذهب الأمام مالك، قدور الورطاسي، ص: 210.

9  – أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب : طواف النساء مع الرجال، رقم 1513.

10 – فقه المرأة المسلمة، إبراهيم محمد الجمل، ص: 251.

11 – المرجع نفسه، ص: 257.

12  – فقه السنة، للسيد سابق، 1 / 622.

13  – أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب : الزيارة يوم النحر، رقم 1618.

14  – مصنف عبد الرزاق : 1/ 318.

15-أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالله ورسوله، باب : الاقتداء بسنن رسول الله، رقم 6744.

16  – الحج في الفقه المالكي، ص : 126 n 128.

17 – المغني، 3/ 405.

18  – فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، 3/ 505.

19  – فقه المناسك، ص : 211.

ذة. فاطمة ملول

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *