4- معرفة الحقوق والواجبات وأداؤهما بِيُسْر وتلقائية يساعد على الاستقرار الأسري والاجتماعي


 

1-مَفْهوم الحقّ والوَاجِب :

الحقوق والواجبات تتنوّعُ بحسب تنوُّع العلاقات والجوانب والارتباطات، فهناك الحقوق والواجبات بحسب ارتباطك وعلاقتك بربك، أو علاقتك بأقاربك خاصة، أو علاقتك بالزوج أو الزوجة، أو علاقتك بالعمل الذي تؤديه وظيفة أو تجارة أو صناعة، أو تعلما وتعليما، أو علاقتك بمجتمعك وكيف تؤدي واجبك وكيف تصان حقوقك فيه… إلى غير ذلك من مختلف التنوعات، فالحق والواجب يختلف مفهومُه وتعريفه بحسب الجهة المرتبطة بالحق والواجب.

والذي يهمنا في الموضوع الذي نحن بصدده هو معرفة الحق والواجب في إطار العلاقة التي تربط العبدَ بربه، وفي إطار العلاقة الرابطة بين الفرد المسلم ومجتمعه المسلم، لأن الموضوع كله ينطلق من النظرة الإسلامية للعلاقات الأسرية، ولا مصداقية لهذه النظرة إذا لم تكن منطلقة من المرجعية الإسلامية، وأساسُ المرجعية أداءُ حقوق الله تعالى كاملة، لأن في أدائها أخْذاً لكُلِّ الحقوق الفردية والاجتماعية بيُسر وسماحة، حيث في إطار العبودية لله تعالى يسْهُل أن تؤدَّى الحقوقُ والواجباتُ بعفوية وتلقائية، لأنها تؤَدَّى طاعةً لله تعالى وعبادةً له وحْده، حتى لو كانت هذه الحقوق والواجبات مقنَّنةً أو مُدَسترةً، إذ المُهِمُّ في حِسِّ المسلم وشعوره ألاَّ يكون القانونُ أو الدستورُ مُخالفاً للمرجعيّة التي يدين بها، لأنه إذا أطاع القانون المخالف للمرجعية التي يومن بها شعر بالقلقِ والحرجِ والتناقضِ لعصيانه للّه تعالى، وهذا الشعورُ يجعل الفردَ والمجتمع غيْرَ مطمئنَّين لما يؤدِّيانه خارجَ المرجعيَّة الإسلامية، وهذا التناقضُ بين المرجعيّة والقانون إذا وَقَع سوْف يحْرِمُ الأسرة من السَّكَنِ الذي هو النعمة الكبرى التي امتنَّ الله تعالى بها على عباده البَانِين والمؤسّسين للأُسر على أساس التّرابط الإسلامي، وهي نعمة لا توجد إلا في ظِلِّ الإسلام.

والحقوق المتبادلة بين الله عز وجل وعبادته هي الحقوق التي تضمّنها الحديث القدسي الذي قال فيه رسول الله  : >يَا مُعاذُ هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ الله على العِبادِ وما حَقُّ العِبَادِ على اللَّهِ؟> قلت : الله ورسوله أعلم. قال : >فَإِنَّ حَقِّ اللَّهِ على العِبادِ أن يَعْبُدُوه لا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وحَقَّ العِبَاد على الله عزّ وجلّ ألاَّ يُعَذِّبَ من لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً< قلت : يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟! قال : >لا تُبَشِّرْهُم فَيَتَّكِلُوا<(1) وفي رواية : وأخْبَر بها معاذٌ عند موته تأثُّماً(2).

فعَدَمُ الإشراك بالله شيئا هو الحق الكبير أو الأكبر لله على عباده، أو بعبارة أخرى هو الواجب الأكبر على العباد أمام خالقهم، وذلك في الحقيقة هو الدين كله، إذِ الدّىن في حقيقته طاعة الأوامر الربانية، واجتناب النواهي الربانية فرداً كان العبد أم أسرةً، أم مجتمعاً، أم دولة، أم أمة، وليس -كما يفهم المتديّنون المزيَّفون- قولا باللسان وعصيانا بالجوارح واللسان والسّنان، أي أنهم يدّعون الإيمان ويحاربون الدين زندقة وانحرافاً وإعلاما وتعليما وثقافة وتقنينا.

أما مفهوم الحقوق في عُرْف المجتمع المسلم فهو عبارةٌ عن ضمَانِ المصالح الشرعية التي بها يقُوم كيانُ الفرد والمجتمع، ويُصانُ من العَبث والإهانة، سواء كانت الإهانة مادية أم معنوية. لأن الله تعالى خلق الإنسان مكرما فينبغي أن يبقى مكرما لا يُحْرَم من أيّ حَقٍّ ينْقص من كرامته.

والحق نوعان :

أ- حق طبيعي : مثل حق الأكل والشرب، وحق اللباس، وحق الزواج والتناسل، وحق قضاء الحاجة.

ب- حق وضعي : وهو ما تقرره القوانين والنظم الاجتماعية، مثل حث الإنسان على التعلم، والرعاية الصحية، وحق العمل، وحق التأمين ضد العجز، والبطالة والشيخوخة، وحق العدالة الاجتماعية، وحق إبداء الرأي في القضايا التي تُهِم المجتمع، وحق النصيحة، وحق مقاومة المهدِّمات لبنيان المجتمع وحق الحدود المرعية والمسموح بها قانونا وأخلاقا.

والإسلام كَفَل للإنسان عموما هذين الحقَّين، وكفل للمرأة أيضا هذين الحقَّيْن بصفتها إنساناً أولا، وبصفتها عِدْلاً للرّجُل ثانيا، لا يمكن أن تقوم الحياة وتستمر بدونها، كفل لها ذلك من خلال منهج لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، منهج يُحقِّق لها كافة مصالحها في الدنيا والآخرة، منهج يحقق لها كافة حرياتها في الفكر والعقيدة، وفي إبداء الرأي والتعبير، وفي العمل، والعلم، والتعلم. منهج يحقِّقُ لها كافة حقوقها بمُخْتلفِ صفاتها : بنتا، وزوجة، وأختا، وأما، وقريبة من القريبات، وجارة من الجارات.. إنه منهج الإسلام الذي أنزله الله تعالى لينير الطريق القويم أمام الإنسان رجلا كان أم امرأة(3).

أما مفهوم الواجب في عُرف المجتمع المسلم : فهو عبارة عن التكاليف التي يتحملها الإنسان إمّا بصفته حاملاً لأمانة من الأمانات التي طوّقه الله تعالى بها بصفته أباً، أو زوجاً، أو حاكما، أو رجل أمْنٍ، أو موظفا إلى غير ذلك من التكاليف الاجتماعية والفردية التي يؤديها المسلم طاعة لربّه، ويؤديها مطلق الإنسان حفظا لكرامته وأداءً لدوره في المجتمع.

والإسلام أوجب على المرأة واجبات كثيرة، وجعل في أدائها لهذه الواجباتِ مرضاةً لربها، ومصلحة لذاتها وللمجتمع الذي تعيش فيه.

والواجب كذلك نوعان :

أ- واجب خُلُقي : تقرره المبادئ والقواعد الضرورية التي يوجبها الانتماء للإسلام، وتوجبها المسؤولية الاجتماعية في ظل الإسلام، أو في ظل الحياة الاجتماعية الكريمة، كواجب صلة الأرحام، وتنشئة الأولاد تنشئة إسلامية صالحة، وواجب الإخلاص في العمل والوظيف والصناعة..

ب- واجب قانوني : هو الواجب الذي تنشئه الدساتير والقوانين المنظِّمة للقوانين الدستورية وما يتفرع عنها من تنظيمات سياسية واجتماعية واستشارية وانتخابية وتجارية وأمنية، وقوانين طُرُقية، وقوانين منظمة للتعليم والصحة والصيد والفلاحة إلى غير ذلك من القوانين المنظمة لشؤون الحياة كلها.

فإن الواجب سواء كان واجبا أخلاقيا أو واجباً قانونيا نابعاً من أصول الإسلام فإنه يلزم الرجل والمرأة على السواء إلا ما كان من اختصاص المرأة وحْدها كالحمل والرضاع والحضانة أو اختصاص الرجل وحده كالإنفاق على الأسرة بصفته قوّاماً، فهو المسؤول أمام الشرع عن هذا الواجب، لأنه حق المرأة، وحق الأولاد.

والواجب كذلك يمكن أن يكون واجباً عَيْنِيّاً على كل فردٍ أن يؤدِّيه كالصلاة والصيام فهما زكاة البَدن، والزكاة واجب عيْنِيٌّ كذلك على كل من بلغ النِّصَاب، فتلك زكاة المال، إلاَّ أن تنفيذها يمكن أن يقوم به من يُكَلِّفُه صاحِبُ المال بإخراجها، أما الصلاة فلا يقوم بها إلا صاحبُها المكلَّف سواء كان صحيحا أو مريضاً أو مسافراً، مسالما أم محارباً…

ويمكن أن يكون الواجب كِفائِيا إذا قام به البعضُ سقط عن الباقين الذين لم يؤدُّوه، كتجهيز الميت والصلاة عليه ودفنه، وكتعلُّم الصناعات والمِهن ومختلف أنواع العلوم النافعة للمجتمع.

وبالنسبة للواجبات الأسرية فهناك واجبات عينيّة لا تُقْبل فيها النيابة أبداً، وهناك واجبات تُراعى فيها المقاصِد، فإذا حَصَلَ المقصُود فلا داعِيَ للمشاحَّة فيه، مع حُسْن التفاهم طبعا.

فبالنسبة للزوجة يجب عليها تمْكِينُ زَوْجِها من نفسها، لأن ذلك هو حَقُّه الشرعي والطبيعي، وكذلك الأمرُ بالنسبة للزوج فعليه تمتيعُ زوجته بنفسه تمتيعا كاملا، فذلك حقها الشرعي والفطري والطبيعي، فمثل هذه الحقوق لا تُقْبل فيها النيابة أبداً. بل إن هذه الحاجات إذا أُشبِعَت خارج الإطَار الشرعي اعتُبرتْ خيانةً زوجية تتبَعُها عقوبات دنيوية وأخروية، شرعية وقانونية.

أما مسألة العناية بالخِدْمة في البيت، ورعاية شؤون الأسرة نظافة وتعهداً وتوفيراً لأساسات الاستقرار الأسري، فيمكن أن تقوم بكل ذلك الزوجة أو الزوج أو من ينوب عنهما على حسب التفاهم والاستشارة في التدبير الأسري.

فما هو وضع المرأة بين الأمس واليوم في علاقتها بالحق والواجب من منظور إسلامي؟

——

1- رواه الشيخان، التاج الجامع للأصول لحديث الرسول 32631/1، فحقّ الله على العباد معناه : واجبُهم أمامَه. أما حَقّ العباد على الله فليس معناه أنه يجب عليه شيء، لأن الله عز وجل لا يجب عليه شيء، ولكن الكلامَ من نوع المقابلة بين حَقٍّ وحَقٍّ كقول الرسول  >من سَتَر مُسْلِما ستَرَهُ الله في الدنيا والآخرة< أما المعنى الحقيقي فهو : من أطاع الله تعالى استحق أن يتكرم الله عليه بالجنة، ويتفضلعليه برضوانه، ويغفر ذنوبه، فهذا من نوع : {كَتَبَ ربُّكُم على نفسِه الرحْمة أنَّه من عَمِلَ منكم سُوءاً بجَهَالَةٍ ثُمّ تَابَ من بَعْدِه وأصْلَحَ فإنَّهُ غَفُورٌ رَحِيم}(الأنعام : 54). فالله عز وجل كتب على نفسه الرحمة بدون أن يوجبها عليه أحَدٌ، لأنه فوق ذلك، وأعلى من ذلك، فهو سبحانه وتعالى أعلم وأحكم وأرحم وأحْلم بصفاته وأسمائه المقدسة. ولكن البشر الأعوج يحتاج إلى ضغوط ومقاومة ليستقيم ويعطي الحقوق، أما الله تعالى ذِكره فقد تقدس وتنزه عن كل صفات البشر، فهو كما قال هود عليه السلام {إنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُسْتَقِيم}(هود : 54).

2- تأثُّماً : خروجا من الإثم أي من ذَنْبِ وإثم كتمان العلم.

3- انظر المرأة المسلمة وفقه الدّعوة إلى الله لـ”د. علي عبد الحليم محمود” ص : 79.

د.المفضل فلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *