وإذا أمينة سئلت لأي سبب انتحرت مقدمة في تراجيديا الحكام


والنفحات المحمدية تعطر فضاءات المنارات والمساجد والبيوت المغربية في ذكرى مولد خير البرية فتهيل عليها أجواء من المهابة والأشواق  للزمن الماجد، وتشع في  الأنفس عزة وفخارا، بل حنينا  للسيرة المحمدية العبقرية المعاني والمحطات، وأثناء اضطرام كل هذه المشاعر العجيبة الكريمة الإشعاعات بأنفس المغاربة،كان جثمان أمينة  يوارى تحت التراب ملعونا مذموما من طرف ذكور العائلة، مغسولا بدموع غبـن النساء وعلى رأسهن أمها المكلومة.

والفالق للكبد أن أب أمينة، رفض أن تقام “للكلبة “، كما سماها، جنازة، كما رفض أن تدفن في مسقط رأسها حيث تقيم عائلتها وهدد بإشهار السلاح في وجه كل من يعزيه فيها!!. والأنكى من ذلك، منـعه لوالدتها من حضور مراسيم دفنها بالدار البيضاء أو “الدار الكحلا” كما يسميها، حيث تطوع أحد أفراد العائلة، فتكفل بمصاريف المأتم.

ألهذا الحد خطيرة هي الأفعال المنسوبة لأمينة؟!

وبالمناسبة دعوني إخوتي القراء أسر لكم أنني كنت في ورقة هذا الأسبوع أحمل لكم تفاصيل حكاية عجائبية حول امرأة من بلادنا صنع منها حبها لدينها امرأة استثنائية، سبحان الله، لكن تراجيديا موت أمينة جعلتني أستعجل الكتابة إليكم في هذه النازلة الأليمة، على أن نلتقي في محطة قادمة مع سيرة هذه المرأة الفريدة السيرة.

تفاصيل موت قاس

لا يتعلق الأمر قارئي، بموت عادي بل بانتحار، ونهاية مأساوية، وضعت فيها أمينة حدا لحياتها الصعبة الشقية بتناول ماء الآسيد (الما القاطع) كما نسميه نحن المغاربة. ومن المؤكد أنه ليس بإمكان أي شخص سوي يعرف مخاطر هذا السائل الجهنمية أن يمسه بأصابعه، فكيف يصل به الأمر إلى وضعه في فمه وتسريبه إلى معدته. إن الأمر أشبه بوضع جمرة ملتهبة في الفم !! فكيف استطاعت أمينة أن تمتلك كل هذه القدرة الهائلة علىالزهد في حياتها، بل في فمها، وكل أعضائها الباطنية لسقيها بالماء الناري. إن مجرد تخيل هذا السائل وهو يمتد إلى الفم، يجعل المرء يشعر بالقشعريرة، ويسأل الله سبحانه أن ينجيه من موقف عدمي كهذا…

الذين رأوا جسد أمينة من العائلة قبل دفنها، قالوا بأن فمها كان متهرئا ممزقا!!، وأنه تم جمع أطرافه من طرف الأطباء باللصاق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون. فما الذي دفع أمينة إلى استرخاص جسدها إلى هذا الحد؟؟..

إن الإنسان ليطغى

أمينة ككل صبايا هذا البلد، تفيق صباحا على مسلسل برازيلي، وتستهل ضحى اليوم بمسلسل مكسيكي، وتتناول وجبة الغذاء على وقع دراما مصرية تتجدد من مسلسل إلى مسلسل، وتنهي وجبة الغذاء ليتلقفها مسلسل مصري، ثم لا تسدل الشمس أرديتها ليلج الليل في النهار، حتى تكون ابتلعت مسلسلا برازيليا ومصريا، فإذا جلست ليلا صحبة العائلة داهمهاالفيلم الأمريكي والمغربي والمصري دائما !!.. واللقطات هي اللقطات والسيناريو هو السيناريو : حب ثم حب ثم حب فخيانة فانكسار فحب ثم حب وحياة دنيوية سكرى بالمغريات التي لا تقدر لها الأرواح القفراء الجرداء من المعرفة بالله سبحانه ردا، فكيف لقلب أمينة وكل صبايا البلد اللواتي يشبهنها في عنفوانها وحجم حرمانها، وهي الآتية من القرية..كيف لِقَلبها أن يظل آمنا فلا تسكنه عفاريت الغواية والحنين إلى الجنس الآخر، وبهارات الإغراء ومصيداته لا تفتأ تتلون بكل الصور الخلابة؟؟!..

وانتقلت أمينة من الدروس النظرية إلى الحصص التجريبية، فصارت تقف عند المرآة بشكل أكبر، وتخرج أكثر من المعتاد، بحثا عن ظل بطل عابر من أبطالها المفضلين بالتلفاز. والذين يعرفون أمينة عن قرب قالوا إنها كانت مهووسة بالزواج والاستقرار لا الانحراف. وأخيرا التقت ببطلها، وابتدأ مسلسلها هو الآخر في السريان حلقة حلقة،وكانت تسر لمعارفها بأنها (حاضية راسها )؟؟  (وذلك مبلغها من العلم ) !. وفي إحدى الحلقات جلست البطلة أمينة مع بطلها بأحد المقاهي وقبل أن يرتد إليها طرفها وجدت الأب والأخ ينقضان عليها ويشبعانها رفسا وركلا ثم يجرجرانها إلى قسم الشرطة بتهمة الزنا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تركاها في الحبس لمدة ثلاثة أيام، منعا عنها فيها الأكل وأجريا لها فحوصات طبية أكدت أنها بكر، ومع ذلك فقد أعاد عمها الفحص لشكه في الشهادة الأولى !!، والمأساوي أكثر أنها عندما أنهت مدة حبسها وخرجت، وجدت أباها وأخاها يتبرآن منها وينكران صلتهما بها كتابة، في المخفر!!..

وإذا المنتحرة سئلت بأي ذنب أنكرت

أمينة الطريدة كانت جائعة ومهانة ومترعة بمشاعر الإقصاء و”الحكرة”، وكانت القشة القاسية التي قصمت ظهرها، هي التنكر لها من طرف أهلها والرمي بها في الشارع.

أمينة التفتت يمينا فلم تجد بطل مسلسلاتهاينتظرها خارج بوابة السجن بالسيارة الأمريكية والأزهار الوردية، والتفتت يسارا فلم تجد صدور العائلة الحانية، ورأت فقط شوارع موحشة وذئابا في العتمات، يشحذون الأنياب للمأدبة المجانية.. ولا أحد.. لا أحد  يحدث أمينة عن الله الغفور الرحيم، وعن العفة المثمرة واليقين في الله سبحانه الذي يزوج من يشاء ويحرم الزواج من شاء، وعن عدل وإحسان الإسلام الذي جعل  الرسول  حتى في حالات الزنا البَوَاح لا يستعجل تطبيق الحد في الزانية ..

الجميع باسم فضيلة لم يُرَبُّوهَا فيها أصلا !، تنكروا لأمينة، ولا أحد كلف نفسه من أهلها عناء طرح السؤال الكبير : من المسؤول؟؟؟؟؟

وسارت أمينة في الشارع الطويل خارج مخفر الشرطة عزلاء، ينهشها الجوع واليتم والحرمان، إلى أول بقال، ووضعت قنينة ماء النار بكل شجاعة وجرأة اليأس والإقصاء في فيها، وأحرقت فمها وحلقها ومعدتها !! وأيام قليلة بعدها، وصبيحة يوم ليسكسائر الأيام، يوم مبارك يوم مولد معلم الناس الخير، العبقري الأعظم، سيدي وحبيبي محمد رسول الله عليه أزكى الصلاة والسلام، الذي جاء بأكمل الرسالات رسالة الإسلام، رسالة إخراج المرأة من تحت الأرض إلى أديم الأرض الدافق بالهواء والإنسانية المكلفة الراشدة، وسبحان الله في ذلك كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، صبيحة ذكرى المولد النبوي، كانت الأوراق الإدارية السلحفاتية الإعداد والخاصة بالإذن بالدفن جاهزة، فانطلق الموكب الجنائزي اليتيم حاملا أمينـة المنبوذة إلى مثواها الأخير، لا في موطن مولد ها بل في ( الدار الكحلا )!!..

فيا ألله.. يا ألله.. يا ألله  وأينك يا عمر الحق رضي الله عنك، أينك وقولتك العجيبة العبقرية (لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله، لما لم أمهد لها الطريق).. هاهم أحفاد رسول الله [ الجدد، يضيعون أبناءهم صغارا ويقتلونهم بوحشيتهم كبارا، نـاسين أن الأرض التي تزرع زَقُّوما لا يمكن أن تزهر تفاحا أو موزا !!O

لنتوقف عند إحدى أروع لوحات الرحمة في سيرة رسول الله [، ونستخلص العبر من الرحيق النبوي الأغر، ف (عن أسامة بن  زيد رضي الله عنهما  أن رسول  رفع إليه ابن ابنته وهو في الموت ففاضت عينا رسول الله [ فقال له سعد : ما هذا يا رسول الله قال : هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده وإنـما يرحم الله من عباده الرحماء).

وفي مشهد آخر نتريث عند موقف والد أمينة الذي حين حدثوه عن مصاريف الاستشفاء لأمينة، قال لهم بكل قسوة :” لـوحـو الكلبـة ” !!، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون “.ألهذا الحد ابتعدت النسخة عن الأصل؟؟

ومع ذلك هل يعفينا من المسؤولية أمام الله سبحانه أن نجرم الأب والإخوة والتلفاز وابن الجيران،وحتى أمريكا وإسرائيل! ثم ننفض أيدينا بطمأنينة مطلقة ونحن نردد ما يقوله المثل المغربي :(اللي دارها بيديه يفكها بسنيه)؟؟، ذلك ما سنراه في حلقة قادمة بإذن الله.

ذة.فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *