من نفائس خزانة القرويين بفاس في السيرة النبوية


الدر المنظم في مولد النبي المعظم لصاحبه أبي العباس العزفي السبتي

تحيي الأمة الإسلامية في شهر ربيع الأول المبارك ذكرى مولد نبي الرحمة ورسول الهدى، وتستحضر جهاده في سبيل الدعوة ومواجهة جحافل البغي والطغيان، والتصدي لجبروت المعاندين، بمنهج رشيد وأسلوب بليغ، وإيمان صادق بسمو المهمة التي بعثه الله من أجل إبلاغها إلى العالم، وشرحها لعامة الناس؛ كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، أبيضهم وأسودهم، ذكرانهم وإناثهم.

وتختلف طقوس الاحتفالات بهذه الذكرى الكريمة من بلد لآخر، ولكن قلوب المسلمين تلتقي في خشوعها وإيمانها، وتتوحد مشاعرها وتستلهم نفحاته  فيتجدد الإيمان، وتتوطد العرى، وتلتئم النفوس، وتتوحد الهموم، فهل يتوحدون قلبا وقالبا كما توحد غيرهم.

وقد عرف المغاربة الاحتفال الرسمي قيادة وشعبا بذكرى المولد النبوي الشريف منذ القديم، وكانت الذكرى الغالية مناسبة للإبداع شعرا ونثرا وتأليفا، وقد بلغ ذلك أوجه منذ العصر الموحدي على الأقل، ومن الطريف أن تكون مدينة سبتة السليبة، -أعادها الله للإسلام-، منطلقا لهذا الحدث الهام وسباقة ورائدة، فهذا ابنها البار وعالمها ومحدثها ابن دحية السبتي المتوفى سنة 633 هـ، الذي تنقل بين مختلف البقاع المشرقية، يؤلف للمشارقة كتابا في الموضوع سماه : (التنوير في مولد السراج المنير)، كما ألف معظم كتبه لتعريف المشارقة بأدب المغاربة وثقافتهم، وفي مقدمتها كتابه المشهور : (المطرب من أشعار أهل المغرب)، وفي الفترة ذاتها أو قُبَيلها بقليل، ظهر واحد من أبرز أعلام سبتة، من بيت العزفيين الذين توالوا على حكمها هي وما حولها مدة من الزمن، واكتسبوا مجدا وحصَّلوا علما وأدبا، واشتهرت أنباؤهم، هو أبو العباس العزفي الذي ألف كتابا مهما سماه : (الذر المنظم في مولد النبي المعظم)، ويبدوأن المنية عاجلته قبل إتمامه، فتولى ابنه أبو القاسم محمد العزفي عملية إتمام مهمة والده على نهجه، وكلا الكتابين على أهميتهما، لم ينالا ما يستحقانه، تعريفا وتحقيقا ودراسة، إلا على نطاق محدود، ولمَّا يُطبع أي منهما لحد الآن، حسب علمي، ولتعميم الانتفاع بما في كل منهما من أخبار ونصوص، ولاسيما وقد ضمّا ما تفرق في غيرهما من وقائع وأحداث، وتميز كتاب العزفي بتدوين مجموعة من الأشعار الأندلسية الرائعة في مناقبه ، وذكر معجزاته وما ورد من الخوارق في مولده الشريف، وإن كان القسم الأول منه قد نال حظا من الاهتمام الأكاديمي في رحاب الجامعة المغربية، فكان موضوعا للتحقيق في أطروحة جامعية منذ سنوات مضت.

أما مؤلفه المشهور الذي تولى عمل والده فهو أمير سبتة الشيخ الفقيه الجليل أبو القاسم محمد ابن الشيخ الإمام القاضي المحدث أبي أحمد بن محمد بن الحسن بن علي اللخمي السبتي، وكانت ولادته سنة 607 للهجرة، وتولى إمارة سبتة في رمضان من سنة 647 للهجرة، حسب ما في أزهار الرياض لأبي العباس المقري، وكان ذلك في دولة عمر المرتضى على عهد الدولة الموحدية، وتوفي بسبتة عام سبعة وسبعين وستمائة، وهو في السبعين من عمره، وبذلك تكون دولته قد استمرت زهاء ثلاثين سنة.

موضوع الكتاب

وأما موضوع الكتاب فهو ذكر بعض ما خص الله تعالى به نبيه ، وفضله به على كل من تقدم من خلقه أو تأخر، وما امتن به عليه وعلى أمته، في أن جعله أفضل الأنبياء، وجعلهم أفضل الأمم من بين ولد آدم، ليتخذوا مولده الكريم موسما يتركون به ما كانوا يقيمون من أعياد النصارى وعوائدهم التي يجب لمغانيها أن تُعطَّل…(1).

وقد تضمن القسم الأول كثيرا مما ورد في كتب السيرة النبوية، وفي قسمه الأول هذا بصفة خاصة حشد من القصص والأخبار عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وأبي الحسن البكري وغيرهم من رواة الأخبار.

وأما القسم الثاني فإنه سار على نهج القسم الأول، إلا أنه يحتوي على مجموعة من القصائد البديعة في مدح الرسول، ورثاء جنابه الشريف، معظمها لعدد من الشعراء الأندلسيين، وبعضهم من غير المعروفين الذين تُتَداول أسماؤهم ونصوصهم في مصادر الأدب الأندلسي، مثل ابن رُميلة وابن الجنان وابن العسال وابن حمص المالقي  وابن أبي الخصال وغيرهم، إضافة إلى عدد من الشعراء المشارقة.

دواعي تأليف هذا الكتاب

لقد قام مؤلف كتاب (الدر المنظم في مولد النبي المعظم) أبو العباس أحمد العزفي السبتي  بتأليف هذا الكتاب لِمَا شاهده من تصرفات لم ترقه من أهل بلده سبتة، فقد كانوا يعطلون أشغالهم ويحتفلون احتفالا رائعا أيام النيروز والمهرجان والعنصرة والعجوز، وراعه ذلك الاندماج في أعياد المسيحية وإهمال المناسبات الإسلامية، وبعد تفكير رأى أن أحسنَ حل للقضاء على هذه البدع إقدامُه على تأليف كتاب خاص يشرح فيه معجزاتالرسول  ويُذكِّر بإرهاصات نبوته، مع ذكر ما ورد من الخوارق في مولده الشريف، حتى يتوجه المسلمون هذه الوجهة المباركة، ويَعْدِلوا عن مشاركتهم في أعياد أجنبية عنهم(2)، كما قام ببث الفكرة بين صبيان الكتاتيب، وجعل ذكرى المولد النبوي الشريف يوم عطلة، ليؤثروا في آبائهم، فلما شرع في إنجاز الكتاب كما تصوره وقطع أشواطا فيه، حالت المنية بينه وبين إتمام غرضه بإنجاز هذا العمل، فأكمل ابنه أبو القاسم محمد تأليف الكتاب على النحو الذي نحاه والده، وقد تضمنت مقدمة الكتاب شرحا لتلك الدواعي، وذكرا لعادات أهل سبتة في احتفالاتهم التي رأى المؤلف فيها خروجا عن روح دينهم، كما عاد إليها أبو القاسم في الخاتمة أيضا في إيجاز للتذكير بها.

حجم الكتاب وأبوابه

يقع الكتاب في صورته النهائية في سفر ضخم تبلغ صفحاته 397 صفحة، وبلغت أبوابه بعد المقدمة واحدا وأربعين بابا، أولها :

الفصل الأول : في وجوب معرفة مولده على كافة أمته، وأن يكون من فروض الكفاية على علماء أمته

الفصل الثاني : في ابتداء خلقه وذكر ما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار.

الفصل الثالث : في ذكر نسبه وانتقاله من أصلاب أمهاته إلى بطون أمهاته الطاهرات الأرحام.

الفصل الرابع : في خبر تزويج عبد الله بن عبد المطلب وذكر النور والغرة التي كانت في وجه أبيه.

الفصل الخامس : في أمر الله لرضوان عند إرادة الله خلق النبيبفتح أبواب الجنة.

الفصل السادس : في تعيين مولده باليوم والشهر والسنة، بل الساعة…

وتتوالى فصول الكتاب على هذا النمط، مع تخصيص كل فصل لموضوع معين، كتخصيص الفصل السادس عشر لما بُشِّر به من أنه وُلد مختونا مسرورا ، وجعل الفصل الأربعين في فضل الصلاة على النبي الكريم وذكر ما ورد في كيفية الصلاة عليه والتسليم  صلاة دائمة مقبولة تؤدي بها عنا حقه العظيم.

وأما الفصل الحادي والأربعون والأخير فهو في ذكر وفاته وما أصيب به المسلمون من فقد ذاته وعدم حياته، وعموم الرزء به لأهل ملته، وخلال ذلك ذكر ما تيسر من مرثياته .

وقد استهل مؤلفه الأول الفصل الأول من الكتاب بإثبات سنده في رواية الأخبار انطلاقا من شيوخه المباشرين إلى الأقدم والأعلى، مع تحلية كل منهم بما يليق به، بطريقة تنم عن أسلوبه وتعبيره فقال :

حدثنا الأشياخ الأجلة، سُرُجُ الإسلام ومصابيح الملة، فيما أذنوا لي فيه وكتبوه : الفقيهان المحدثان الناقدان: الخطيب أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله الحجري، والقاضي الخطيب أبو القاسم عبد الرحمان بن يوسف بن حُبَيْش الأنصاري، والأستاذان العلامتان الجليلان الفاضلان الناقدان : أبو زيد عبد الرحمان بن أبي الحسن الخثعمي، وأبو عبد الله محمد بن حَميد، وغير واحد، قالوا : حدثنا القاضي العالم أبو بكر محمد بن عبد الله بن المعافري، قال : حدثنا الشيخ الزاهد أبوالفتح نصر بن إبراهيم بن فتح المقدسي…إلخ …

خاتمة الكتاب

وقد ختم أبو القاسم العزفي الكتاب مذكرا بالدافع الذي جعل والده يقدم على هذا التأليف، على سبيل التذكير، فقال في آخر النسخة التي تحتوي عليها خزانة القرويين من الكتاب، مشيرا إلى صنيعه ومنهجه في إكمال عمل والده :

” قلت : وإلى هنا انتهى بنا الكلام والحمد لله على الدوام.

وكان الذي حمل أبي رضي الله عنه ونضر وجهه، على تأليفه والإقبال بكليته على وضعه وتصنيفه، ما قد ذكره في أول الكتاب، من متابعة أهل هذا الوقت في إقامة النيروز والمهرجان لأهل الكتاب، فكان في ذلك من الخير العظيم الاعتناء بهذا المولد الكريم، وضمُّ ما انتشر فيه وتفرق في كتب المؤلفين في الحديث والقديم، وقد تلطف في هذا المنزع اللطيف في نقلهم عن هذه الأمور الصعاب التي توعَّدَ الشارع فاعلها بالعقاب، كما وَعَدَ تاركها من أجله بالأجر والثواب، وقبول توبته إذا تاب وأناب، فأحسن في ذلك رضي الله عنه ما شاء وأصاب، ثم اخْتَرَمَتُه المنية قبل بلوغ الأمل في إكماله والأمنية، فأكملته ورتبته وخرجته من المُبْيَضَّةِ وخلَّصته وهذَّبته على النوع الذي قصده بمعونة من الله الذي يقهر عدوَّه ويُظهر وَلِيَّه، ويُؤيِّدُ كل من أطاعه على الحق كُلَّ الطاعة وأطاع نبيه، والحمد لله على النعمة الهنية  والهِبة السنية.

وإني لأرجو منه سبحانه أن ينفعني وإياه من ذلك بما انعقدت عليه النية، وهو نسختان : صغرى قد رُويت عني، وكبرى وهي هذه، وقد تمت بحمد الله وكملت، وميزتُ في هذه الكبرى بين ما هو من كلام أبي رضي الله عنه وتأليفه، وبين ما زدته أنا فيه عند تخريجه وتصنيفه، بأن ترجمت على كلامه رحمه الله بـ : قال المؤلف، وعلى كلامي بـ : قلتُ، وقطعتُ بين كلامه وكلامي هذا حتى يعلمه من أراد ذلك، وفصلتُ وبذلتُ جهدي وجَهدتُ نفسي في كل ما توليتُ من ذلك، وعملت فما وافق منه الصواب فبفضل الله ورحمته، ثم ببركة هذا النبي الكريم، وما كان فيه من خطإ أو ارتياب فمني، وأستغفر الله.

وهذا المورد معين، ومكان القول فيه ذو سعة للمتتبعين، ولكني جنحت فيه للتقريب والاختصار، ولم أعدل عما أشار إليه أبي رحمه الله في صدر الكتاب من ذلك إلى الإكثار، ولقصور تقصيري عن استيفاء ما ورد في ذلك من الأخبار والآثار.

وقد جاء بحمد الله غريبا في معناه، عجيبا في منحاه، آخذا بقلب كل من سمعه ووعاه، كافيا لمن أراد الاعتماد عليه والاقتصار، واشتمل مع صغر حجمه على ما تفرق في الدواوين الكبار.

والحمد لله اللطيف الذي يسر لنا مرامه من دون تكليف، وتلك عادته مع المستسلم الضعيف.

قال المؤلف رضي الله عنه وأجزل ثوابه ونضر وجهه : فمن نظر بعين الانصاف وكان له بالذكاء والاعتدال اتصاف، فوفى النظر حقه، وبلغ به إياه، علم أنه في معناه، وما… في شعاع سناه، وبالأسوة الحسنة والقدوة البينة يبلغ التقي مناه،والله تعالى يمن علينا بتوبة … تلحفنا برداء تقواه، وينفعنا به وينفع المسلمين، خالصا لوجهه الكريم، آمين بفضله لا رب سواه”(3).

وصف عام للنسخة

تقع النسخة الموجودة بخزانة القرويين من كتاب (الدر المنظم في مولد النبي المعظم) في حوالي 200 ورقة، (397 صفحة)، في سفر ضخم يتكون من قسمين بالنظر إلى ورقه وخطه :

القسم الأول : مكتوب بخط مغربي، من الورقة الأولى إلى الورقة 84، وأوراقه عادية، وقد أصاب هذا القسم تنقيعٌ أدى إلى محو عدد من الكلمات والأسطر، كما تلاشت أطراف بعض أوراقه وتآكلت، وكُتبت رؤوس مسائله بالأحمر.

القسم الثاني : وهو الأكبر من حيث الحجم، يبتدئ من الورقة 85 إلى الأخير، مكتوب بخط أندلسي جيد في ورق يميل إلى الحمرة، مما جعل الكتابة تبدو باهتة، ورؤوس مسائله وتراجمه بخط غليظ واضح أسود.

والنسخة عارية من اسم الناسخ ومن تاريخ النسخومكانه.

وهي من تحبيس السلطان مولاي رشيد العلوي على خزانته التي أنشأها بالمسجد الأعظم بفاس العليا (فاس الجديد)، حسب براءة التحبيس بأول النسخة، وهي وثيقة عارية من التاريخ ومن علامة الشاهدين على الحيازة.

———–

1- أزهار الرياض أبي العباس المقري : 2/ 367- 377.

2- انظر مقدمة كتاب الدر المنظم في مولد النبي المعظم، النسخة المخطوطة بخزانة القرويين، والفهرس الوصفي لخزانة القرويين، إعداد محمد العابد الفاسي : 4 / 342 .

3- الدر النظم في مولد النبي المعظم : 397 .

د.علي لغزيوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *