قِسْتُه على مالك بن نبي ومحمود شاكر فاسترحت


قصة وفاة عبد الله الطيب من أغرب القصص التي ينبغي أن تسجل، لقد أخبرت مرارا أنه توفي، وأخبرت مرارا أنه ما توفي، كذلك كان الأمر مع شيخي الذي له علي فضل كبير في تربيتي أبو عمر محمد الدعوق المهندس الميكانيكي الذي أسس جماعة عباد الرحمان، وكان له أكبر الأثر في التربية الروحية وتكوين الرجال، إلى الآن يقال إنه لم يمت، وأُخبرت مرارا أنه مات، والأمر كذلك بالنسبة لأخينا أحمد ديدات الذي توفي يقينا هذه السنة.

وقد نشرت هذا الكلام في الشرق الأوسط، لكن صاحب الصفحة رجل حداثي لا يعجبه الكلام عن رجل مثل عبد الله الطيب، فاجتزأ الكلام فنشرته مرة ثانية في التجديد.

عبد الله الطيب حضر إلى المغرب وهو يحب أن يعيش فيه ويموت فيه، والفضل في مجيئه إلى  المغرب يعود إلى أخي الدكتور عباس الجراري، فقد ذهب هو والأخ العميد جعفر الكتاني حفظهم الله للإتيان بأساتذة من المشرق، عندما وقع في كلية الآداب بالرباط وفاس التصحيح والعودة إلى أصالتنا العربية بعدما كانت الأبواب موصدة في وجوه المشارقة، فاختاروا أساتذة كبارا في مجالات واختصاصات متعددة، منها الأدب الشعبي، الذي جاء الدكتور عبد الحق بنيونس لتدريسه وتدريس النقد، فكان من نصيبنا الدكتور عبد الله الطيب الذي بشرني بأنه آت وأنه وصل وأخي الدكتور عبد اللطيف السعداني.

حقيقة مجيء عبد الله الطيب إلى كلية الآداب أو إلى  المغرب كان من الأحداث العظيمة التي تذكرنا بمجيء زرياب إلى الأندلس وبمجيء عبد العلي القاني إلى الأندلس، وبانتقال الشافعي من بغداد إلى مصر وبانتقال القاضي عبد الوهاب إلى مصر. هذا الرجل كان فذا وكان من خوارق العادات، ولو توفرت له بعض الشروط لأصبح عبقريا، وعلامات العبقرية فيه  كثيرة جدا.

والرجل منذ صغره كان يريد أن يكون معلما وأستاذا، وقد نصحه أساتذته الأنجليز وبعض العرب أن يكون قاضيا، فأبى إلا أن يكون أستاذا، وقصته مذكورة في كتابه “الحقيبة”.

جاء إلى المغرب فاستقبلناه بحفاوة، وأنا درست عقلية الرجل بسرعة مذهلة، قسته على مالك بن نبي، وقسته على محمود شاكر فاسترحت، لأن هذا النوع من البشر يكون سلسا لينا، موافقا مطواعا، فهذه الأخلاق دمثة، لكنه إذا أصيب في بعض نقاط شخصيته تحول إلى أسد جسور وإلى مخلوق غضوب ويكسر السلاسل ويمزق الحجب ويتركك غير آسف، فلهذا كنت أعامله معاملة تليق به، قلت له : خذ ما تشاء من المواد، وضع لنفسك الجدول الذي يروقك ولك الحق في السفر في أي وقت شئت إلى الخارج بدون استشارتي شرط أن تعوض ذلك ، أنا أوقع لك من الآن، اختر المادة التي تريد والسنة، لأنه إذا أنت لم تعطه هذه الحرية وقيدته لم يعطك شيئا، فتركت له الحرية، قلت له أنا رئيس الشعبة ولكن بالنسبة إليك أنت رئيس نفسك، لذلك عندما عرض عليه -وكنت معه فيأوائل الثمانينات- أن نعمل في الرياض، إذ كانت أجرة كل واحد منا ثمانية  آلاف درهم، وعرضت علينا 60 ألف درهم، فقال الدكتور عبد الله الطيب أنا لا أستطيع أن أفرط في جوازي، فقال له مدير الجامعة : أترك لكما جوازكما، قال له أنا كثير السفر، قال له : أترك لك الحرية تدخل وتخرج متى  تشاء، قال له : أنا لا أفارق المغرب حتى أموت فيه.

فلما خرج قال : أنا أشعر في المغرب بالطلاب، فكيف تغريني المادة؟ (خمسة ملايين)؟! فأبى، وأنا طبعا أبيْتُ لأنني لما دخلتُ إلى المغرب صممتُ ألا أخرج منه حتى أموت، لأن رسالتي هنا لا خارج المغرب.

فالحقيقة، أنا لم أستغرب هذا، لأن الانسان الحر هو الذي يختار حريته ولو كان يعيش الفقر المدقع، والحرية شيء غال جدا لا يعرف قيمتها إلا الأحرار.

ماذا فعل في المغرب؟

في المغرب كان يدور في أربعة دوائر لنشاطه :

النشاط الأول : في الجامعة يدرس الأدب العربي وفي القسمالانجليزي. ومن أغرب ما تسمع أنه قرر على القسم الانجليزي كتاب “بغية الرائي” للقاضي عياض في شرح حديث أم زرع، وهذا الكتاب عبارة عن لغة حوشية صعبة، أستطيع أن أقول إنها  لغة في بداية تكوينها عند العرب، عندما افترقتْ عن أخواتها العبرية والآرمية وغيرها.

قرر هذا على القسم الانجليزي، فقرؤوها وفهموا اللغة وحفظوا الحديث وتجاوبوا معه وأعجبوا به لأنه تعرض لأحاديث النساء عن الرجال (رجالهن) وهذا شيء مشوق، أن تذكر المرأة أسرار زوجها.

الدائرة الثانية : التدريس في بيته.

ثالثا : في نشاطه في المغرب

رابعا : في سفراته إلى  الخارج

ويمكن إضافة دائرة خامسة هي نشاطه في بلده السودان.

في المغرب ماذا فعل؟

أولا درس السنوات الأربع وفي الدراسات العربية والدراسات الاسلامية في القسم الانجليزي. ومن أهم ما كان عبد الله الطيب يبدع فيه الإشراف على الرسائل الجامعية، وفي محاضراته الخاصة وفي المناقشات.

السؤال : هل استفاد المغاربة من عبد الله الطيب استفادة مهمة؟

أقول : لا، لم نأخذ من عبد الله الطيب إلا حوالي 5% وضيعنا 95% لأن الرجل كان منجما أو مناجم عظيمة من حيث العطاء العلمي الغزير.

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *