حُرِّيَتُنا فِي أَمَسِّ الحَاجَةِ لِلْحُرِّيَّةِ


إذا كان الله عز وجل هو مصدر الرحمة الحقيقية للإنسان، خلقه ورزقه، وهداه وعلمه ما لم يكن يعلم، وسخر له كل ما في الكون، أرض وسماء، وبحار وأنهار، ليتنعَّمَ بأنْعُمِ الله كيف شاء.

وإذا كان الله عز وجل هو مصدر التكريم الحقيقي للإنسان، وفَّرَ له كل وسائل العيش الكريم في الدنيا، وأنزل له التشريع الحكيم ليسعَد في الدنيا والأخرى إذا هو سار على منهجه القويم، فإن الله تعالى ـ أيضا ـ هو مصدرُ الإنعام الحقيقي على الإنسان، وأكبرُ نعمةٍ تكريمية تفضل الله تعالى بها على الإنسان، هي نعمة الحرية المسؤولة التي تتيح له :

1- عبادةَ الله تعالى عن رضا واختيار، أو الكفر به عن عناد وإصرار.

2- العيشَ الكريم في إطار الاحترام المتبادل لاختيارات الآخرين، وفي إطار المحافظة على مقومات الإنسان الضرورية والفطرية من دين وعقل وعِرْضٍ ومَالٍ ونَفْسٍ.

3- اختيارَ مَنْ يحكمه، ومَنْ يُمَثِّلُه، في إطار قوانين وتشريعات مصدرها الله عز وجل، المُنَزَّه عن الظلم والجور، أو مَصْدَرُها الإنسانُ العاقل المجتهد في دائرة المقاصد النبيلة المُكَرِّمَةِ للإنسان.

4- رَفْع صوته بالاستنكار لتصرفاتِ فَرْدٍ تَأَلَّهَ أو تجبَّر، فحاول تقليد المُتَجَبِّرِ المُتَأَلِّهِ الذي قال لقومه : {مَا أُرِيكُمُ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ}(غافر : 28)، فهذا المُتَأَلِّهُ  ـ على ظلمه وجَرِّهِ سفينة قومه للغرق ـ يريد من قومه أن يسكتوا سكوت الأموات قَبْلَ أن يموتوا، بدون أن يعلم أن حُريَّة التعبير هي الحياة حقا، فإذا لم يستطع الإنسان فضح الظُّلم، وفضحَ أصحابه، وإذا لم يستطع الإنسان كشف زيف المتألهين بغير حق، فماذا يُمَيِّزه عن الحيوان الأعجم الأبكم؟ !

وما يظن إنسان عاقل أن هناك إهانةً تُسَلَّطُ على الشعوب أكبر من مُصادرة حُرِّيَتها، فلا حق لها في استنكار سجن بغير تهمة، أو استنكار حُكم بتُهمِ ملفَّقة، أو استنكار اختطاف واغتيال كل معارض للمتألهين المزيَّفين، أو استنكار تكديس الثروة في يد أفراد قلائل وترك كافة المجتمع يلْعَقون التراب… إلى غير ذلك من التظلمات التي لا يحُدُّها الحصر في شعوب كُمِّمَت أفواهُها، وقُطِعت ألسنتها بالقيود والسجون والمعتقلات.

وأغرب من ذلك أن تكون هذه الشعوب مِنَ الشعوب الإسلامية التي عليها نزل الكتابُ المُحَرِّر للإنسانية جمعاء من كل قيود الذل والخوف والإهانة والتسلط.

والأغرب من ذلك أكثر فأكثر أن تكون هذه الأمة الإسلامية هي التي حَرَّرَت الإنسانية قديما من ذُلِّ العبودية المقيت، ثم عجزت أخيرا عن فك إسار قيدها المذل، في عصر تَنَادَتْ فيه كل المجتمعات والمحافل الدولية لتمكين الإنسان من حرية اختياره،واحترام إرادته.

وهل هناك أعجب من قومدينهم يقول لهم :{أَلَمْ تَرَ إِِلَى الذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}(النساء : 47)، ويقول لهم : {ويُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسِبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ العَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(آل عمران : 187)، ومع ذلك تجد كبار القوم الذين جثَموا على صدور شعوبهم عقودا وأجيالا مازالوا يكذبون على شعوبهم عن طريق تصنيع أحزاب وأجواق وفضائيات مهمتها : المدحُ والثناءُ والتزكية لمن فرض على قومه قانون الطوارئ لعقود، ورَكَّعه ـ بدون حق ـ لأعدائه لعقود، وبذَّر ثروته في تصنيع الجلادين والعملاء وبناء دهاليز التعذيب الهمجي لعدة عقود. ومع ذلك يدعون ـ في وقاحة وصفاقة ـ أنهم الذين أنقذوا الشعوب الإسلامية من الانهيار، وأنهم الذين قدَّموها وحضروها {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}(الكهف : 4).

إن شعوبنا الإسلامية شرَّفَها الله تعالى بالإسلام الكفيل بتحريرها من كل ظلم محلي أو دولي، وشرفها الله تعالى بالحرية المحدودة بإطار الشرع والطاعة لله تعالى وحده، بدون الخضوع لمن دونه إلا من كانت طاعته طاعةً لله تعالى كالآباء والأساتذة والمسؤولين العادلين، المسؤولين عن تنفيذ أوامر الله تعالى ونواهيه، وغيرهم مِمَّن أمرنا الله تعالى بطاعتهم لجعل الأسر والمجتمعات والشعوب تتعاون على الحق، وتتعاون على الصبر عليه.

أَمَّا غير ذلك من الحرِّيات المزعومة، والمؤطرة بهوى المتألهين والمتجبرين، فإنها في حاجة هي أيضا للتحرر من الهوى لتنطلق الشعوب بانية لمستقبلها الدنيوي والأخروي على عين الله تعالى ورضاه.

إن حَقَّ استنكار الفسادِ والظلمِ الاجتماعي والسياسي أمرٌ ربَّانيٌّ، أذِن الله تعالى فيه وتوعَّدَ بالعقاب كُلَّ مجتمع تواطأ على بطلانه، ورضي بسيادة المنكر بين أوساطه ومؤسساته {لُعِنَ الذِين كَفَرُوا من بني إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِيسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُون}(المائدة ـ 79)وهل هناك عقوبةٌ أكبرُ من لعنةِ الله تعالى وغضبِه؟فلعنةُ الله تحتها ما يُتَصوَّر وما لا يُتَصَوَّرُ من العقوبات، تحتها : الظُّلم الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية على كل صعيد، وتحتها المسخُ للإنسان ـ رجلا كان أم امرأة ـ الذي أصْبَح يُمارِسُ الدَّعارة مُصَوَّرًة بمختلف بشاعتِها التي يتنزَّهُ عنها حتى الحيوان.

وإذا كان الفقهاء ـ قديما ـ ناقشوا مسألة إِتْيان الذَّكَرِ ـ وليس الرجل ـ الإنساني للحيوان، وخرجوا بحكم التَّعْزير الذي يُسْنَدُ أمره للقاضي ليُؤَدِّبَهُ بِمَا يَرَاهُ زَاجِراً له، فماذا سيقول الفقهاء في امرأتين باعتا نفسَيْهما لسائح أجنبي ليُصَوِّر لهما شريطا دَاعِراً تُمارِسان فيه الجنس مع كلبه المُدَلَّلِ المُدرَّبِ على مثل هذا النوع من الممارسات؟

فهل هناك مَسْخٌ أكبرُ من هذا؟ وهل هناك إِذلال لكرامة الإنسان أكبر من هذا؟ وهل هناك عقوبة ربَّانية أردعُ وأَزْجَرُ من تفشِّي مرض الكلاب بين بني البشر؟.

هذه مجرد أمثلة لبعض اللعنات الربانية التي لم تكن معروفة، ولكن التقدم في عِلْمِ التصوير كشف عبقرية الإنسان الهابط  في  ممارسة الفاحشة ونشرها والمتاجرة فيها، والدعاية لها، تحت شعارات براقة من الحرية والتَّحرُّرِ والتحرير، وهي لم تزد على جَعْلِ الإنسان أقل في مستواه من البغال والحمير.

إن الحرية في الإسلام  عبارة عن وظائف اجتماعية متعددة الاختصاصات تستهدف كُلُّها إعلاءَ كلمة الله تعالى بين الرجل والمرأة، بين الأسرة والمجتمع، بين الشعب والحكومة، فهي ليست مكسَباً شخصيّاً يستهدف استمتاعاً شخصيّاً على حَسََب الأهواء والميُولات المريضة، ولكن الحرية في الإسلام أمانةٌ وتكليفٌ ومسؤوليَّةٌ يحاسَبُ عليها كُلُّ من فرط فيها أو حرَّفَها عن وِجْهَتِها، فقد عاقب الله عز وجل قوم فرعون لأنهم أطاعوه في تألُّهه وطُغْيانه {فَاسْتَخَفَّ قوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِين فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُم فأغْرَقْنَاهُمْ أجْمَعِين}(الزخرف : 53).

ورحم الله عمر بن الخطاب الذي قال لمن تجاوز قدْرَه فطغى وظلم >مَتَى اسْتَعْبدْتُم النّاس وقَدْ ولَدَتْهُم أمَّهَاتُهم أحْراراً< وأعاذَنا الله منْ أمثال من قال : >لا دِينَ في السِّياسة ولا سِيَاسَةَ في الدِّين< فالله تعالى خلقَ الإنسان جسداً وروحاً، وكفَل لهُ غذَاءَ الجسدِ والروحِ معاً، فمن أيْن جاءت بِدْعة شطْر الإنسان وتقسيمه إلى نصْفين متخاصِمَيْن، جسدٌ يتغذى من زرق الله، وروحٌ تتغذى من مائدة الشياطين الإنسانية كُفْراً بالله وتنكّراً لإحسانه؟!.

سارقُ البُيُوتِ والجُيُوب يستحق قطْعَ الأيدي الممتدّة للسرقة، فماذا يَسْتَحِقُّ سارق الحرية ومغتصِبُ الإراداتِ، ومُهينُ الكرامات؟! إرَادَاتِ الشعوب، وكرامة الأمة، وقد ضَمِن الله تعالى لها حُرّية الرأي، وحرّية الإرادة، بأمْرِه الصريح {ولْتَكُنْ مِنْكُم أمَّةٌ يَدْعُون إلى الخَيْرِ ويَامُرُونَ بالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المفْلِحُونَ}(آل عمران : 104).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *