جـيل : (الله يعـطيك غَـبَّـارة ) وحصاد الهشيم


أصابتني خلال هذا الأسبوع، رجات نفسية جعلتني أشبه بملاكم مهزوم داخل حلبة، تصرعه اللكمة تلو اللكمة، فلا يستطيع أن يصلب جسمه، بَلَْهَ يُرتب الأشياء داخل دماغه ليَكِرَّ على خصمه . وبصيغة أخرى، فقد كنت مستغرقة بالانتحار الباهظ للصبية أمينة، التي حدثتك قارئي عن “تراجيديا” ضياعها في الحلقة الماضية، حين سمعت بخبرين دراميين جديدين يتعلقان بانتحار شاب وشابة بنفس المدينة، أي الدار البيضاء . ثم وأنا أعالج دوخاتي تلك في غمرة تساؤل ممض غدا يطوقني حول الدوافع الكامنة في كراهية الحياة بين شبابنا، كما هي ظاهرة كره الوطن بينهم من خلال ما يسمى “بالحريك”، حاصرتني اليوميات والأسبوعيات الصحفية بخبر وتفاصيل زيارة استثنائية بكل المقاييس، زيارة حصدت فيها مغنية لبنانية مال وعقل الشباب المغربي وانصرفت سالمة غانمة! كما تؤكد هذه الصحف، فآلمتني في البدء  صور ولوحات تسيب حسبت بلادنا معصومة من طوفانها الآتي من الغرب، فإذا بشبابنا في هياجهم وحجم الإغماءات بينهم وزعيقهم ورقصهم الجماعي وجذباتهم  نسخة غير بعيدة من تلك الأمواج الهائلة من الشباب الغربي الذي يؤثث فسحات لا يسعها البصر، ويملؤها زعيقا وسكرا ومخدرات وجنسا وإغماءات، عشقا  لمطربيه، وفرقه الموسيقية المخبولة في الكثير من مظاهرها وخطاب أغانيها العدمي.وحقا كما يقول المثل المغربي 🙁 اللي تعجب يتبلا )، وأي بلاء هذا الذي بات يرمي بشبابنا من الانتحار إلى الانقذاف بالمئات في جوف المحيطات هربا من قطران البلد، كما يتوهمون إلى الإنحشار بالآلاف ذكورا وإناثا ( كأسياخ السردين بعلب التصبير ) في ساحة عملاقة الشساعة “كجامع الفنا” لهز الوسط ولا شيء غير الوسط!؟؟..

وعطفا على تساؤلي، سيقول أصحاب عقلية ” علقو الحجام ” من الذين “قطعو الواد ونشفو رجليهم”، ومن الذين فيعماهم لا يرون إلا حدبة الآخرين : سقطت الأخلاق علقوا الشباب وكوكبهم الغنائي الجديد : “نانسي عجرم  “، وسيقولون بأن أجيالا بهذه التركيبة الكيماوية المائعة الهشة هالكة لا محالة، وسيهلك معها البلد!، وقد قال رسول   أو كما قال ( من قال هلك الناس فهو أهلكهم ). فهل الحدث إياه بهذه البساطة لنتـعبـه تنظيرا وثرثرة استعلائية، من فوق منابرنا العاجية، ومن داخل منطق الفرقة الناجية؟؟ ألا يقول المثل المغربي البليغ (قَالْ لِيهْ مْنِينْ ذَاكْ الفْرِيَعْ قَالْ لِيهْ مْنْ ذَاكْ الغْصِيْنْ) ثم ألا يقول المثل الآخر الحصيف : (قال ليه أباك طاح قال ليه من الخيمة خرج مايل) ؟!

1-  اْخْرُجْ الله يْعْطِيكْ غْبَّارَة

قال الإمام أحمد ] : حدثنا يسار حدثنا حفص، حدثنا ثابت قال كان داود عليه السلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصليفيها قال فعمهم تبارك وتعالى في هذه الآية : {اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور} .

هكذا هي البيوت النموذجية المحصنة ضد زوابع الانحرافات، بيوت وصفها رسول الله  بالحية : فعن أبي موسى الأشعري ] من رواية لمسلم، قال رسول الله  (مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت)، ومن شأن هذه البيوت التي يذكر فيها الله سبحانه عبادة وسلوكا حضاريا، قوامه المودة والرحمة والتقدير وشيوع مظاهر الحب والدفء أن تنتج لا محالة، أفرادا راشدين متوازنين، كما سطر خارطة الطريق التعبدية والسلوكية،المنهاج النبوي العبقري، فكان أن صنعت الحياة التي عبدت الطريق للأمجاد.

وإذا كان هذا هو حال النموذج الراشد فكيف هي أحوال بلادنا، وقد نبتت على أديمها كل حالات العنف واليأس والقنوط والعبث ؟؟ ولنقرب العدسة قليلا من واقعنا، حيث الآباء في واد والأبناء في واد، فليست تجمع الكثير من الأسر إلا موائد الأكل وبدرجات! وأسرة النوم، وحتى هذه الأخيرة فيها نظر!! وفي أسر أخرى هامشية، وحيث لا حد لفداحة الإذقاع، ينام أفراد البيت بالتقسيط وبالدور، (النـوبـة)!! ففوج ينام حتى مطلع الفجر، وفوج ينام بعد آذان الفجر وإلى آذان الظهر، وكلمة السر التي تنظم وتدبر هذه الأجواء البئيسة هي (الدعاء الصالح) : (اخرج الله يعطيك غبـارة)! فلا غرابة أن تكون أبواب السماء مفتوحة، فيستجاب الدعاء. ومن المؤكد أن أدعية لا مسؤولة تنطلق، راجمات فوق رؤوس الأبناء الأبرياء، بمناسبة وبغير مناسبة، من طرف الآباء، هي مستجابة، لأن النعم كما قال سبحانه تزول بجحودها، “ولا أجمل من نعمة الأبناء”، والدليل على نجاعة هذا الدعاء، امتلاء  الأزقة والحيطان والشوارع “بصناع موت”، كان بالإمكان أن يكونوا “صناع حياة “، صناع موت صدق فيهم (الدعاء المستجاب) : “الله يعطيك غبارة”،  فاختفوا فعلا في “غبارات” بلا عد ولا حساب، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، وعن أي تبديل أو بديل يمكن الحديث وشوارع السوء إذا أعيتهم قذفت بهم إلى أوكار السوء، حيث الشقاق والعنف والعنف المضاد والقصف المضاد بين آباء وأمهات أعرضوا عن المنهاج الرباني في تحمل مسؤولية رعاية أبنائهم وبيوتهم، فكانت لهم معيشة الضنك، والعياذ بالله، ولا تسل عن التلفاز فتلك قصة أخرى .

2- من يزرع الرياح يجني العاصفة

وتحضرني في السياق حكاية هندية عجيبة لرجل أراد الزواج فاشترطت عليه المرأة التي سيتزوجها وكانت متحجبة، أن لا يزيل حجابها وأن لا تخرج من بيتها فقبل الرجل فولدت له في السنة الأولى ولدا، وفي السنة الثانية وضعت ولدا ثانيا، فألزمها الزوج بالخروج للعمل معه في الحقل لتتحمل معه مصاريف البيت، وهناك في الحقول التقت برفقاء السوء فتردت أخلاقها فـنـزعت حجابها، وفي السنة الثالثة وضعت ولدا ثالثا وظل حالها كذلك مع زوجها، ومر زهاء عشرين عاما على زواجهما، وذات يوم سألها الزوج مستفـزا، : خرجت من البيت ونزعت الحجاب ولم يحدث أي مشكل، فما سر إصرارك على شرط الاحتفاظ بالحجاب وعدم الخروج من البيت عند زواجنا ؟  فأجابته الزوجة : أتريد أن تعرف؟! اختبئ وراء هذه الستارة، وارقب ما يجري. ثم إنها مزقت ملابسها التي ترتديها، ونفشت شعرها وبدأت تصرخ فدخل ابنها الصغير فقال مالك يا أمي فأجابته : إنه أبوك الذي فعل بي هكذا، فاحتد الصغير واستشاط غضبا وقال لها : لا عليك سأقتله شر قتلة فاصبري، وخرج وعادت هي للصراخ فدخل عليها الإبن الأوسط فسألها فأجابته بنفس الجواب فقال لها بهياج : هذا الرجل تجاوز كل الحدود وأنا أعد له زلاته وسأضربه ذات يوم حتى الموت، وخرج. فعادت للصراخ فجاء الإبن الأكبر على استحياء مشفقا جزوعا فحكت له الحكاية إياها، فقال لها يا أمي، إنه أبي وله علي واجب الطاعة والاحترام كما علمتني صغيرا، وأنت كذلك، علي طاعتك فاصبري واحتسبي  وسيحدث لك الله في صبرك خيرا، وانصرف.

وخرج الأب باكيا نادما متحسرا على ما أضاع من زمن في الانصراف عن تربية ابنيه الصغير والمتوسط ركضا وراء الدنيا، وبحرمان الأم من التزامها بدينها وبمسئوليتها في تربية أبنائها، وعرف بعد فوات الأوان قيمة الدين والتربية الإيمانية في حياة الأبناء، من خلال نموذج ابنه الأكبر الراشد الذي نشأ في ظل أم حاضرة في تكوين ابنها وتشكيل حصانته ومناعته، وإن كان الأب مقصرا في حصته من الرعاية.

قال سبحانه وتعالى : {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون}(الأعراف 58 ).

وإذا كان هذا حال المؤطرين البيولوجيين، ونعني بهم الآباء، ودورهم في نحت شخصيات أبنائهم إيجابا أو سلبا، فماذا عن الطليعة، أو بتسمية أكثر واقعية : طامة الأمة الكبرى (مع استثناء النبتات الطيبة في هذه الطليعة) وللحديث بقية بإذن الله.

ذة.فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *