الموسوعي ذو الروافد الثقافية الإسلامية والغربية


في بداية هذه الشهادة سأصرح بأن ما جمعني بالأستاذ عبد الله الطيب ليس من ذلك الكم من المعرفة الذي يتيح لي أن أقول شيئا كثيراً عن هذه الشخصية العلمية الأدبية، الفكرية التاريخية، الحضارية، لماذا؟ لأن الذي يستطيع أن يقدم شهادة في عمق أي إنسان، هو ذلك الذي يصاحبه في حله وترحاله، ويعايشه في طفولته ومراحل شبابه، وفي مختلف محطات حياته، ولكن مع ذلك فإن هذا العبد الضعيف جمعته بالمرحوم الأستاذ عبد الله الطيب، محطات كثيرة، وسأتحدث عن بعضها فقط.

> المحطة الأولى هي تلك التي جمعتنا نحن وجماعة من مؤسسي كلية الآداب بوجدة من روادها المجموعة التي كانت تتكون من ثلاثة عشر أستاذاً، في ذلك اليوم من مايو 1978 حين جلست وكنت أسمع عنه وأنا طالب في الجامعة وأقرأ ما يُكتب عنه وعن شعره في إطار نقد الأدب الحديث ولكن لم أكن أعرفه معرفة شخصية عن قرب شديد حتى تلك اللحظة وأنا يُلقى إلي بنسخة الأغاني المطبوعة على الحجر من قبل لجنة تتكون من خمسة أساتذة، وهم الدكتور عبد الله الطيب والدكتور عبد السلام الهراس، والدكتور الشاهد البوشيخي، والدكتور محمد الكتاني، والدكتور محمد السرغيني. ألقى إلي الدكتور عبد الله الطيب بهذه النسخة وقال لي اقرأ بل قبل ذلك قال لي ماذا تحفظ ماذا تقرأ؟ قلت له أنا « أحفظ القرآن وأقرأ القرآن، فضحك ضحكة جميلة وتبسم، ثم قرأت ولم يعلق لا هو ولا الآخرون لمدة عشر إلى خمسة عشر دقيقة، ثم قال : انصرف.

تبينت يومها في الرجل ذلك العلم، ذلك الشيخ، ذلك المربي،  ذلك الموجه الذي يساهم في انتقاء العناصر التي ستنهض بالدرس وبالتربية والتعليم وبالتكوين في هذه الكلية، وهذه الجامعة، أدركت فعلا أنني أمام بحر كبير، هذه هي المحطة الأولى التي جمعتني بالأستاذ عبد الله الطيب وانشرح صدري لهذا الرجل الذي ألتقي به لأول مرة، وحقيقة لم يكتب لي أن أتتلمذ على يديه في مستوى الإجازة، وفي مستويات أخرى، ولكن تأكد لدي بالملموس بأن الدكتور عبد الله الطيب كل ما قيل عنه وفيه وعليه كل ذلك يمكن أن يكون صحيحا إلى حد ما.

> المحطة الثانية، وهي محطة مساهمة الدكتور عبد الله الطيب في مناقشة رسالتي لنيل دبلوم الدراسات العليا، وقد كانت في موضوع « شعر الثورة في الأدب العربي المعاصر » والموضوع أثار ما أثار من اللغط في جامعة فاس في كلية الآداب ظهر المهراز، وكان من وراء تلك الضجة بعض الناس الذين تخوفوا من الموضوع وخاصة الإداريين منهم في تلك الكلية.

لكن الدكتور عبد الله الطيب أصر على أن يقرأ هذه الرسالة وأن يشرفني بمناقشتها، وأذكر أنه كان قد حدد يوم 5 يوليوز 1983 لأناقش هذه الرسالة ثم يتغيب عضو مهم هو رئيس اللجنة، وهو الأستاذ محمد الكتاني، الذي كان له ارتباط مهم في الرباط وكان علي أن أنتظر بعدذلك خمسة أشهر. خرج  الدكتور عبد الله الطيب من باب الكلية وقال بالحرف : هذا حرام، هذا حرام، ثلاث مرات، يعني أن يؤجل موعد مناقشة هذه الرسالة.

إذن  الدكتور عبد الله الطيب انتفض وصرخ بأعلى صوته، مما يدل على أن الرجل كان له حدب خاص على أبناء هذه الكلية وعلى عناصر تلك المجموعة التي كان هو ممن انتقوا عناصرها، هذه محطة أخرى أمر بها سريعا.

> المحطة الثالثة، وهي التي جاد بها الزمان على هامش الدروس الحسنية الرمضانية فقد كان يحضر، وكنت أحيانا أنفرد به في غرفته لأسأله عن صحته وعن عائلته عن السوادن وأحواله، فكنت تحس أن الرجل فعلا يعيش هموم هذه الأمة، يعيش منغصاتها وتمخضاتها الكبرى.

هذا الرجل كما قلنا، رجل أمة، رجل إلى جانب علمه، وثقله وتبحره في القراءات، كانت أيضا الهموم العامة تسكنه، وكان يرى أن على المثقفين، على المتنورين من هذه الأمة أن ينهضوا، أن يقدموا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، الشفاء والدواء النافع، وهذا الدواء لا يكون إلا في أرضية إسلامية ربانية قرآنية.

كذلك محطة أخيرة سبق لي وأنا يومئذ أسير شعبة اللغة العربية وآدابها سنة 85 86- 87 أن مثلت شعبة اللغة العربية وآدابها في تكريم الأستاذ المرحوم عبد الله الطيب في شعبة اللغة العربية وآدابها بكلية ظهر المهراز بفاس، حضرت إلى جانب الدكتور عبد السلام الهراس، وآخرين والأستاذ العميد عبد الوهاب التازي، وقلت كلمة باسم الشعبة، وأحسست يومها أنها هي الفترة الأخيرة له في المغرب، في سنة 1986 انتهت عقدته مع جامعة سيدي محمد بن عبد الله وعاد إلى السودان، أحسست بأن ما يحمله بين جوانحه لوجدة بالخصوص شيء غريب، لا يكاد يذكر وجدة وأهلها حتى ترى عينيه تذرفان دمعا، لست أدري لماذا؟ لأن هناك فعلا علاقات خاصة وشيجة ربطت بينه وبين وجدة.

وهناك هوامش أخرى كثيرة يمكن أن أشير إليها سريعا، تتعلق بصفاته الخلقية : الرجل مبتسم أبداً لا ترى على ملامحه اشمئزازاً أو انقباضا، الرجل كريم كرما زائداً، وقد ذكر د.بنحمزة إكرامه لتلميذه د. حسن الأمراني بمنزله بفاس وأضيف بخصوص هذه النقطة إلى ما قاله الدكتور بنحمزة أن الذي دعا أهل وجدة هو عبد ربه بطلب من حرمه السيدة جوهرة فقالت، لي : السيد عبد الرحمان أدع أهل وجدة كلهم ليكون العشاء في منزلنا، فدعوت أهل وجدة وقلت لهم إنكم مدعوون هذ المساء إلى بيت الأستاذ عبد الله الطيب، ثم إن الرجل يتسم بسماحة وتسامح عال جداً.

وباختصار فإن الأستاذ عبد الله الطيب رجل كما قال إخواني موسوعي رجل عالم، رجل متواضع، رجل بحر تصب فيه روافد علمية ثقافية عربية وإسلامية وغربية ولذلك فإن الثقافة العربية والأدب العربي والنقد العربي والجامعة العربية حقيقة فقدت علما بارزاً من أعلام الفكر والثقافة والأدب والنقد والقراءات والعلوم المختلفة في شخص هذا الرجل..

د.عبد الرحمن حوطش

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *