الطائفية.. خيار رابح لأمريكا وخاسر للعراق


تَجسد بقوة عبر عامين من الاحتلال، وقد يتكرر في دول عربية أخرى :

هل يتحول العراق لدولة طائفية؟..

ظل هذا السؤال يسيطر على أذهان الكثير من المحللين السياسيين منذ الغزو الأمريكي، وقد سعى الاحتلال لخطب ود كل طائفة دينية وعرقية على حساب الآخرين لضمان القبول به والتمكين له، وبالمقابل كان النفي هو الرد العلني المتكرر على هذا السؤال من جانب كافة القوى العراقية رغم المخاوف التي في الصدور.

وفي 8 ديسمبر 2004 كشف وفد “القوى الوطنية العراقية المناهضة للاحتلال” الذي يضم 185 شخصية وحزبا عراقيا من كافة الأطياف السنية والشيعية والكردية -في بيان يعارض فيه الانتخابات التي نظمتها قوات الاحتلال- لأول مرة خطة الاحتلال لنشر الطائفية والعرقية، قائلا: إن خطة الاحتلال “تهدف إلى بذر الفتن الطائفية والعرقية بين أبناء العراق والسعي لإعادة تركيبالمؤسسات السياسية والإدارية العراقية على قواعد استحدثتها للتقسيم العرقي والطائفي والمذهبي”، كما تهدف هذه الخطة إلى “طمس الهوية الحضارية والثقافية والوطنية لشعب العراق وإضعاف انتمائه الوطني والقومي والديني”.

وبعد عامين من احتلال العراق..

وقائع وشواهد عدة تثبت بشكل أقوى أن خيار الطائفية كان خيار الاحتلال أولا وأخيرا لوقف المقاومة وضرب العراقيين بعضهم ببعض ولا عزاء للفيدرالية أو “الاتحادية” العراقية التي نص عليها الدستور المؤقت هنا، إذ بدأ الأمر بحملة من قبل الاحتلال لاستمالة الشيعة والأكراد على حساب السنة العرب، وانتهى الأمر لتوزيع طائفي/ عرقي للمناصب السياسية يشكل في جوهره فتيل الاشتعال لحرب أهلية طائفية.

وما يؤكد هذا هو أن الانقسام استهدف العرق “العربي” في العراق دون غيرهم من باقي الأعراق مثل: الأكراد والتركمان وغيرهم، حيث انقسم (أو تم تقسيم) العرب فقط إلى سنة وشيعة، ولم ينقسم الأكراد إلى شيعة وسنة أيضا، كما لم ينقسم التركمان، بل جرى إخراجهم هم وغيرهم من المعادلة الطائفية والعرقية أصلا.

بعبارة أخرى كان التقسيم الذي اعتمده الاحتلال للشعب العراقي مشبوها منذ البداية -وهو بالمناسبة نفس التقسيم الموجود على موقع المخابرات الأمريكية- حيث قُسم العراق على أسس مختلطة طائفية وعرقية (سنة وشيعة وأكراد) ولم يجر اعتماد تقسيم واحد طائفي فقط أو عرقي فقط مثلا، رغم أنه بين الأكراد سنة وشيعة، كما أن غالبية الأكراد سنة مثل عرب العراق السنة فلماذا تقسيمهم بعيدا عن سنة العراق العرب.

وفي أعقاب انتخابات الجمعية الوطنية التي جرت في يناير 2004 وقاطعها السنة العرب -باستثناء أحزاب سنية صغيرة- أصبحت الخريطة الطائفية /العرقية أكثر وضوحا خصوصا في ظل عدم وجود إحصاء رسمي للسكان يحسم ما يقال حول أغلبية عددية للشيعة أو السنة.

فالشيعة يعتبرون أنهم غالبية السكان وتعدادهم يزيد عن 55% من السكان، وبالمقابل يقول السنة العرب بأن تعداد كل سنة العراق (عرب وأكراد وغيرهم) يصل إلى 54%، وكان تدخل الاحتلال لتكريس التقسيم الطائفي/العرقي المزدوج للعراق يستهدف بشكل واضح تهميش السنة من البداية، وهو ما أدى لتقسم العراق على أسس طائفية وليس على أسس فيدرالية.

وبدأت حقائق تترتب على الأرض بناء على هذا التقسيم، أبرزها دعوة الأكراد لإخراج العرب والتركمان السنة من مناطق ذات أغلبية كردية (كركوك) رغم أنه لو كان الحكم فيدراليا حقيقيا -لا طائفيا- لسُمح لأي عراقي بالانتقال لأي مكان يرغب في العيش فيه.

انتزاع منصب الرئيس من العرب

والأخطر أنه جرى نزع منصب الرئيس (الذي كان يتولاه غازي الياور) من سُنة العراق العرب، عقب مقاطعتهم انتخابات يناير 2005 بدعوى أن نسبة مناصبهم في البرلمان ضعيفة ولا تتعدى 20 مقعدا من 275، وأسند المنصب إلى أبرز زعيم كردي عراقي، ليصبح جلال طالباني هو رئيس جمهورية العراق باعتبار أن الانتخابات قالت بأن الأكراد هم ثاني أكبر طائفة وأكبر من عرب العراق، ويصبح نائبه الأول شيعي (عادل عبد المهدي)، ونائبه الثاني سني عربي (غازي الياور)، ويذهب منصب رئيس الوزراء وهو الأهم للشيعة.

ورغم الاستقرار منذ البداية على أن يكون منصب رئيس الدولة لسني عربي بدليل تعيين غازي الياور في هذا المنصب مؤقتا، فقد حدثت صفقات كردية شيعية شجعها الاحتلال -نتيجة المقاطعة العربية السنية للانتخابات- لإعطاء هذا المنصب للأكراد، وإعطاء منصب رئيس البرلمان الذي كان مخصصا للأكراد إلى العرب السنة (حاجم الحسني) ربما لعقابهم على عدم المشاركة في الانتخابات، أو لمزيد من التهميش لهم، أو لوضع شخصية أكثر تعاونا مع الاحتلال على رأس الدولة بصرف النظر عما قد يترتب على هذا من المساعدة على تنفيذ مخططات كردية لـ”تكريد” مدن في شمال العراق.

ومن الطبيعي والوضع هكذا أن يفتح هذا التوزيع الطائفي للمناصب باب الخلافات على مصراعيه بين الطوائف الدينية في العراق (على الطريقة اللبنانية) لأن العرب السنة سيزيدون من أعمال المقاومة المسلحة وربما يستمرون فيها حتى لو خرج الاحتلال الأمريكي من العراق طالما أحسوا بالظلم بحيث تتحول المقاومة العراقية إلى مقاومة على الطريقة اللبنانية.

بل إن التقسيمة الوزارية المتوقعة التي يجري التفاوض فيها بين الشيعة والأكراد تكاد تستقر على التوزيع التالي: 16 إلى 17 وزارة للشيعة، 7 إلى 8 وزارات للأكراد، 4 إلى 6 وزارات للسنة، وزارة لكل من المسيحيين والتركمان، وهو تقسيم لا يختلف عما جرى في لبنان على يد الاحتلال الفرنسي الذي ساهم في وضع دستور طائفي يضمن له السيطرة على البلاد بعد الانسحاب منها.

وخطورة هذه التقسيمات المناصبية السياسية -التي سوف تنعكس بالتأكيد على المناصب الاقتصادية والقضائية والعسكرية (التي ذهب أغلبها بالفعل لقادة عسكريين من ألوية بدر الشيعية)- أنها تنهي فكرة الدولة القومية الموحدة، وتحول العراق إلى دولة طوائف وأعراق يصعب توحيدها مستقبلا بدون حرب أهلية طاحنة على الطريقة اللبنانية.

آثار سلبية للتقسيم الطائفي

ولا شك أن هناك جملة آثار سلبية يمكن رصدها لهذه الفتنة والتقسيم الطائفي للحياة السياسية في العراق يرجح أن قوات الاحتلال أخذتها في الحسبان وهي تزرع هذه التفرقة الطائفية مثل:

< هناك مخاوف من تأثير هذه الفتنة والتقسيم الطائفي على أداء واستمرارية المقاومة العراقية (غالبيتها سنية)، وأن يكون هذا التقسيم الطائفي فكرة وضعها الاحتلال من الأساس كعوائق وحواجز تستهدف إضعاف المقاومة أو إلهائها عن مهماتها الأساسية في ضرب الاحتلال الذي لا يزال يعاني من تساقط جنوده بين قتلى وجرحى بفعل ضربات المقاومة، أي تحويلالصراع من صراع بين المقاومة والاحتلال، لصراع عراقي داخلي طائفي.

< يضاف إلى ذلك أن تحويل الصراع في العراق من (عراقي/أمريكي) إلى (عراقي /عراقي) بفعل هذا التقسيم الطائفي والعرقي ينذر بدخول العراق في نفق حرب أهلية طائفية على غرار ما حدث في لبنان وأخطر على اعتبار أن هناك -عكس لبنان- مناطق عراقية جاهزة للانفصال أو هي منفصلة بالفعل.

< إشعال فتيل حرب أهلية بين الشيعة والسنة، على حد قول صحيفة “برين” اليونانية اليسارية في مارس 2004، “يوفر مبررات لإطالة أمد احتلال البلاد من قبل الأمريكيين، وربما حلف الناتو لاحقا، بحجة تجنيب البلاد “كارثة إنسانية”، وبدعوى “المحافظة على الأمن والنظام”.

<  هناك تصور لدى بعض الإسلاميين العراقيين السنة أن يكون هدف إشعال حرب طوائف وأعراق أمرا مرتبا من البداية ومقصودا من أصحاب وراسمي مشروع “القرن الأمريكي الجديد”، وأنه ليس قاصرا على العراق فقط، ولكنه سيناريو قابل للتكرار في باقي المنطقة العربية كحل ناجح لتفتيت هذه الدول وإلهائها في صراعات داخلية تعوق مقاومتها، فلا تنشغل بحرب خارجية أو تزعج أمريكا.

وهذا التصور الأخير رجحه أيضا د.محمد صالح المسفر (القدس العربي 5/4/2005) عندما تحدث عن العراق كنموذج لتفتيت الوطن العربي على أسس طائفية ضمن مشروع الإدارة الأمريكية القاضي بإعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط طبقا للمشروع الصهيو-أمريكي.

فماذا لو قلبت واشنطن الأوضاع في المملكة السعودية كما فعلت بالعراق؟ هل سيطرد النجديون من عسير والحجاز والمنطقة الشرقية، وكذلك يفعل بأهل الحجاز القاطنين في نجد وكل أنحاء المملكة؟ وهل سيطالب أهل المنطقة الشرقية بحقهم في تحديد حدود تلك المنطقة للاستئثار بخيرات منطقتهم أسوة بما تم في جنوب السودان وكما يحدث في العراق اليوم (كركوك)؟.

وماذا عن سوريا ووحدة أراضيها، مملكة حلب، ومملكة دمشق والكرد والعلويين، وماذا عن الطوائف الأخرى في سوريا، خصوصا أن ما يجري حول سوريا اليوم يوحي بأنها المحطة القادمة.

وما هو سر التفجيرات الحادثة في شرق بيروت (حيث أغلبية مسيحية مارونية) إلا أن يكون نذير شؤم يوحي بالتوجه لدعوة قوات دولية -فرنسية أمريكية بالتأكيد- من أجل التدخل لحماية المسيحيين اللبنانيين من المسلمين خاصة حزب الله.

وحتى مصر ربما لا تسلم من هذا المشروع الأمريكي، خصوصا أن هناك ندوات مشبوهة سابقة تحدثت عن دولة نوبية في الجنوب، وأخرى قبطية في صعيد مصر، وثالثة إسلامية في الشمال، أما في السودان واليمن فالحالة تبدو أخطر والوقود جاهز.

السؤال لن يكون بالتالي: ماذا كسب العراقيون من الاحتلال والتقسيم الطائفي للحياة السياسية، ولكن: ماذا خسر -أو سيخسر- العرب من احتلال العراق وتحويله لحرب طوائف وأعراق؟.

محمد جمال عرفة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *