غربة العربية في دارها


تتناسل المرافق والمحلات التي تتوخى تقديم خدماتها للمواطنين، من متاجر متنوعة للمواد الغذائية، والملابس، والأكلات الخفيفة، والأواني المنزلية وهلم جرا، ومن مقاه ومقاصف ومحلات للاستراحة، والظاهرة اللافتة للانتباه هو الدرجة العليا من التنافس في التأنق واختيار الألوان والأشكال المتعددة، وكذلك في اختيار الأسماء التي تبدو غريبة على ثقافتنا وأعلامنا وبيئتنا، لكن الأغرب من ذلك هو أن أسماء المحلات هنا وهناك متفقة مع النية المبيتة على لغة واحدة، هي لغة موليير، مع التفنن في اختيار الحروف وتشكيل الألفاظ من هذا البنط أو ذاك، أما اللغة العربية فغائبة غيابا تاما، ومن يتأمل اللافتات الإشهارية لهذه المحلات التي تكاد تعم مختلف الشوارع والأزقة، سرعان ما يصدم  بما يشاهد ويقرأ، حتى إن الشك ليتسرب إلى نفسه فيتساءل : هل هو بالفعل في بلده العربي الذي يقر دستورهبأن العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، يجب استعمالها في مختلف الخطابات والمرافق العمومية، وتداولها في مختلف الواجهات، ولا بأس من توأمتها بلغة أخرى تكون ثانية لا سابقة إن كانت الحاجة ماسة إلى ذلك، والضرورة ملزمة؟، ولكن أن تغيب نهائيا في قاعات الشاي والمقاهي والمشروبات، وواجهات المتاجر فهذا أمر يحتاج إلى نظر، ويستدعي التعليل، سواء تعلق الأمر بصاحب المحل نفسه باعتباره هو صاحب الاختيار، أم بمن رخص له بوضع لافتة الإشهار بلغة أجنبية منفردة دون لغة الوطن، علما بأن هذه اللافتات مؤدى عنها، وذلك يعني أنها خاضعة للمراقبة شكلا ومضمونا وحجما.

لقد كنا ولا زلنا نتفكه بقراءة تلك العبارات البئيسة التي تحملها حافلات النقل الحضري في مختلف مدن المغرب، من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، وهي : (النهائي الهبوط قبل الوقوف)، ولكن تفكهنا لا يخلو من مرارة وأسى على هذه الاستهانة بلغتنا التي نعتز بها، وطالما تساءلنا ولا زلنا نتساءل : لأي قاعدة من قواعد التركيب خضعت صياغة مثل هذه العبارة التي نصابحها ونماسيها.

ويبدو أن هذا الوضع أفضل من لا شيء كما يقال، فأن تكون العربية حاضرة ولو مكسرة الضلوع والأسنان، أحسن من غيابها تماما، ولا يحتاج المقام إلى ضرب الأمثلة لتشبت الشعوب بلغاتها مهما كانت طبيعتها ومنزلتها، فبالأحرى  إن كانت لغة شريفة مفضلة كالعربية، فلا كلام إلا بلغة الوطن في كل مكان، ولا من لغة تسبق اللغة الوطنية في أي واجهة، والظاهرة تستفحل وتزداد فشوا وانتشارا.

ولا يعني ما تحمله هذه الأسطر رفضا مطلقا لاستعمال لغة أخرى كيفما كانت، لأن الانغلاق مذموم في هذا المجال، ولكن الأنسب والأليق أن تقدم العربية على غيرها من اللغات المستعملة  التي يعتز المغاربة منذ القديم بإتقانهم لكثير منها، مع صحة نطق، وصواب عبارة، وسلامة أسلوب بدون مركب كمال ولا مركب نقص.

ولعل العربية لم تعرف مثل هذه المحنة في بلدها في أي عصر من العصور، بل إنها لم تعرف مثل هذا الإقصاء حتى في أحلك مراحل التاريخ، وفي مقدمتها عهد الحماية، حيث كان يُفسح المجال للغة البلاد، ولو في رتبة ثانية، مراعاة لشعور المواطنين واستئناسا لهم.

ولعل الأمر مجرد انجراف مع التيار العارم دون تَرَوٍّ، وإلا فإنه بقليل من التأمل، وببعض الحكمة وبعد النظر، ومراعاة لمقومات الهوية التي يعتز بها الجميع، يمكن تزيين مختلف الواجهات بحروف جميلة من لغة الضاد التي أكد غير الناطقين بها بأنها من أجمل اللغات، بل جاء في المعجم الفرنسي الفلسفي لالاند بأن العربية أكمل اللغات، وقد كانت في كثير من مراحل التاريخ لغة الحضارة السائدة ولغة الموضة التي يتهافت عليها الشباب الأوربي في عدة جهات، ويسعون إلى تعلمها والحديث بها وكتابة الرسائل الوجدانية وغيرها بأسلوبها العاطفي المؤثر، ولا نملك اليوم إلا أن نذكر، لعل الذكرى تنفع المومنين، وطوبى للغرباء.

د.علي لغزيوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *