على هامش فتنة إمامة المرأة للرجال في كنيسة أمريكية :


من زرع الحنظل حصد المرارة

من فلتات التاريخ ما نقل  -إن صح-  عن عمران بن حطان الخارجي-وقد كان رأس الخوارج في خلافة عبد الملك بن مروان- حينما بلغ في الانحراف الفكري  أوجه، فقدم أمه إمامة بأهل بدعته، وما كنا نظن أن ذلك سيتكرر في تاريخ هذه الأمة، ولكنه وقع أكبر من ذلك  في أيامنا هذه، حيث قدم (مسلمون) أمريكيون امرأة لخطبة الجمعة وإمامة الصلاة، ونحمد الله nتعالى- أن مراسيم تلك (الصلاة) وقعت في كنيسة، ولم تقع في مسجد!!

وأنا لا يهمني أن تتولى المرأة (المسلمة) وظيفة الإمامة بالرجال والنساء، أو بالرجال وحدهم، ولا أن تتولى وظيفة خطبة الجمعة بمحضر من الذكور والإناث.. فقد انقلب وضع المرأة المسلمة كما انقلب وضع الرجل سواء.. فهاهي ذي تلك المرأة (المسلمة) تحترف الغناء وتعلن به في المجامع الكبرى، والمحافل الغاصة بأشباهالرجال وأشباه النساء،وهي وسط تلك الجموع تتمايل ذات اليمين وذات الشمال، وقد كشفت عن مفاتنها، وخضعت بصوتها، والمعجبون يصفرون، ويصفقون.. وهلم جرا. وهاهي ذي تلك المرأة (المسلمة) تحترف الرقص بين الرجال عارية حينا، وشبه عارية حينا آخر، ولا تسل عن عدد المتفرجين عن قرب وعن بعد -أيضا- من (المسلمين والمسلمات)!! وهاهي ذي تلك المرأة (المسلمة) تسبح مختلطة مع الذكور -وهي عارية إلا من…- في المسابح العامة والخاصة وشواطئ البحار في البلدان (الإسلامية)..

فكيف يستغرب مسغرب -والحالة هذه- أن يرى المرأة (المسلمة) فوق منبر الجمعة (خطئية) خاطبة لا (خطيبة).

إن المسغرب -حقا- هو سكوت علماء الأمة عن مثل هذه المنزلاقات منذ زمن بعيد،والتي أوصلت المجتمع الإسلامي إلى ما وصل إليه. وإن أغرب من ذلك، هو انخراط بعض من يحسبون على الدعوة الإسلامية في تشجيع السير في  تلك المنزلاقات بعلم أو بغير علم، وكلاهما مصيبة عظيمة. على حد قول القائل:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة

وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

لقد استهان  الناس مذ ظهور (الصحوة الإسلامية) بجملة من المسلمات في الثقافة الإسلامية، وهونوا من شأن جملة من القواعد العلمية، والركائز الفقهية.. لقد سمعنا -ولا نزال نسمع- أن الفقه الإسلامي -الذي هو  تفسير للقرآن والسنة، واستنباط للأحكام منهما بقواعد علمية صارمة- قسيم للسنة،  مما حدا  ببعض الغلاة في هذا الباب، أن يفتوا بوجوب إحراق كتب الفروع الفقهية!! ولقد سمعنا -أيضا- من يقول عن علم أصول الفقه -الذي هو الآلة اللغوية النقلية العقلية لضبط الاستنباط- : إن علم الأصول أفسد حديث الرسول. وهذا قول الغلاة أو الجهلة، وكلاهما بمحل واحد، أما المتنورون من رجال الدعوة، فإنهم يسعون إلى تجديد علم أصول الفقه، لينتج ما نرى ونسمع..!! أما الحديث النبوي، فقد تعرض لمحنة عظيمة، لعله لم يتعرض لها في تاريخ الإسلام قط، فلقد عدا عليه بعض من  لا يحسن تركيب جملة صحيحة، وبدءوا إعادة تركيبه من جديد، فصححوا ما بدا لهم تصحيحه، وضعفوا ما ظهر لهم تضعيفه، وقرنوا بين الضعيف والموضوع في سلك واحد..!! وصار كل من قرأ صحيفة، أو جلس في مجلس ليلة أو صبيحة. محدثا كبيرا، يهدم ما بناه البناة الأشداء كمالك وأبي حنيفة، بحجة أن أحاديثهم ضعيفة -ولربما قال موضوعة-. مما جرأ بعض من لا خلاق لهم على الطعن في أصح كتب الحديث عند الأمة الإسلامية…قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-وكأنما يتحدث بلسان زماننا- : “وقد استفرغت طائفة من أهل زماننا وسعها في كتب الأحاديث والمثابرة على جمعها من غير أن يسلكوا مسلك المتقدمين، وينظروا نظر السلف الماضين، في حال الراوي والمروي، وتمييز سبيل المرذول والمرضي، واستنباط ما في السنن من الأحكام، وإثارة المستودع فيها من الفقه بالحلال والحرام، بل قنعوا من الحديث باسمه، واقتصروا على كتبه في الصحف ورسمه، فهم أغمار وحملة أسفار…”(1).

أو ما علم هؤلاء : أن تتبع الرخص، والتلفيق بين المذاهب تبعا لذلك، فسق لا يحل، وجرحة في فاعله؟ وأن فعل ذلك مؤد إلى تهوين أمر الشريعة ونقض بنيانها؟ قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: أخبرنا عبد الوارث بن سفيان -وساق بسنده – عن سليمان التيمي قال: “لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع في الشر كله”. قال ابن عبد البر: “وهذا إجماع لا أعلم فيه خلافا”(2).

وقال الشاطبي : “فإنه- أي التلفيق بين المذاهب- يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي.وقد حكى ابن حزم الإجماع  على أن ذلك فسق لا يحل”(3).

وقال الذهبي : “من تتبع رخص المذاهب وزلات المجتهدين فقد رق دينه كما قال الأوزاعي وغيره : من أخذ بقول المكيين في المتعة والكوفيين في النبيذ والمدنيين في الغناء والشاميين في عصمة الخلفاء. فقد جمع الشر .وكذامن أخذ في البيوع الربوية بمن يتحيل عليها ، وفي الطلاق والنكاح التحليل بمن توسع فيه وشبه ذلك ، فقد تعرض للانحلال فنسأل الله العافية والتوفيق”(4).

أما بخصوص المسألة المثارة، فإن الحق فيها : عدم جواز إمامة المرأة للرجال  بحال، وإليك تقرير ذلك من مظان الفقه المعتمدة .

قال الإمام القدوري الحنفي : “ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة..”. قال الشارح : “مطلقا، ولو في جنازة أو نفل في الأصح”(5).

وقال الشيخ أبو محمد القيرواني شيخ المالكية في زمانه في (الرسالة) ممزوجا بشرح أبي الحسن : “ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة، لا رجالا ولا نساء، فإن ائتم بها أحد أعاد أبدا على المذهب. فالذكورة شرط في صحة الإمامة”(6).

وقال الإمام النووي الشافعي: “قال المصنف رحمه الله تعالى : “ولا يجوز للرجل أن يصلي خلف المرأة لما روى جابر ] قال : خطبنا رسول الله   فقال: لا تؤمن المرأة رجلاً؛ فإن صلى خلفها ولم يعلم ثم علم لزمه الإعادة لأن عليها أمارة تدل على أنها امرأة، فلم يعذر في صلاته خلفها..”. الشرح حديث جابر رواه ابن ماجه والبيهقي بإسناد ضعيف، واتفق أصحابنا على أنه لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة حكاه عنهم القاضي أبو الطيب و العبدري،  وسواء في منع إمامة المرأة للرجال صلاة الفرض والتراويح وسائر النوافل، هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف رحمهم الله، وحكاه البيهقي عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وسفيان وأحمد وداود وقال أبو ثور والمزني وابن جرير تصح صلاة الرجال وراءها، حكاه عنهم القاضي أبو الطيب والعبدري، وقال الشيخ أبو حامد مذهب الفقهاء كافة أنه لا تصح صلاة الرجال وراءها إلا أبا ثور والله أعلم”(7).

وقال العلامة ابن قدامة الحنبلي:” وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال في فرض ولانافلة في قول عامة الفقهاء ..”(8).

وقال الشوكاني في تقرير مذهب أهل الحديث : “وأما عدم صحة   إمامة المرأة  بالرجل فلأنها عورة وناقصة عقل ودين. والرجال قوامون على النساء. ولن يفلح قوم لوا أمرهم امرأة. كما ثبت في الصحيح. ومن ائتم بالمرأة فقد ولاها أمر صلاته”(9).

وقال العلامة ابن حزم في تقرير مذهب أهل الظاهر: ” …بل صلاة المرأة بالنساء داخل تحت قول رسول الله  إن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة . فإن قيل: فهلا جعلتم ذلك فرضا بقوله عليه السلام إذا حضرت الصلاة فليؤمكم أكبركم قلنا لو كان هذا لكان جائزا أن تؤمنا، وهذا محال. وهذا خطاب منه عليه السلام لا يتوجه ألبتة إلى نساء لا رجل معهن، لأنه لحن في العربية متيقن، ومن المحال الممتنع أن يكون عليه السلام يلحن”(10). ولما سبق تقريره، حكى بعض أهل العلم انعقاد الإجماع على عدم صحة إمامة المرأة للرجال مطلقا، قالالعلامة ابن القطان الفاسي: ” إن المرأة لا تؤم الرجال nوهو يعلمون أنها امرأi-وإن فعلوا، فصلاتهم فاسدة بإجماع”(11). ولا يرد على هذا، ما نقل عن بعض الأئمة من جواز ذلك مطلق أو في بعض الأحوال، إذ غاية ذلك : أن يكون شذوذا، والعلم لا عبرة فيه بالشذوذ. وقد كان ابن رشد (الحفيد) دقيقا جدا عندما قال:” بداية المجتهد اختلفوا في   إمامة المرأة ، فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال، واختلفوا في إمامتها النساء. فأجاز ذلك الشافعي ومنع ذلك مالك. وشذ أبو ثور والطبري فأجازا إمامتها على الإطلاق(12) أو يكون ذلك من زلات العلماء التي حذرنا منها رسول الله  فعن معاذ بن جبل ] عن النبي  قال: ( ان اخوف ما أخاف عليكم ثلاث : جدال منافق بالقرآن، وزلة العالم، ودنيا تقطع اعناقكم)(13).

ولله در ابن عبد البر حينما قال : ” وقال أحمد بن شعيب:” إن أول من أحل المسكر من الأنبذة، إبراهيم النخعي”. وهذه زلة من عالم. وقد حذرنا من   زلة العالم،  ولا حجة في قول أحد مع السنة”(14).

هب : أن فلانا من العلماء خالف في هذه المسألة أو تلك، أيكون مجرد الاختلاف مسوغا للخلاف، وحجة يحتج بها على الجواز أو المنع؟ ذلك ما أنكره العلماء وردوه على قائله.

قال الشاطبي : “وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية، حتى صار الخلاف فى المسائل معدودا فى حجج الإباحة ، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان ،الاعتماد فى جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم- لا بمعنى مراعاة الخلاف فإن له نظرا آخر- بل فى غير ذلك، فربما وقع الإفتاء فى المسألة بالمنع، فيقال: لم تمنع والمسألة  مختلف فيها؟ فيجعل الخلاف حجة فى الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة، حيث جعل ما ليس بمعتمد متعمدا، وما ليس بحجة حجة”(15).

كل ما سبق كان الحديث فيه محصورا في إمامة المرأة مطلقا، أما بخصوص النازلة الجديدة، وهي : أن تكون المرأة خطيبة، فإن عامة الفقهاء متفقون على عدم جوازها، ومطبقون على اشتراط الذكورة فيها.. ولم يعلم في ذلك مخالف.”(16)  والله تعالى أعلم.

—————-

1- ( الكفاية في علم الرواية) للخطيب البغدادي. فقد ذكر ذلك في مقدمة كتابه هذا..

2- ( جامع بيان  العم وفضله ) 2/112.

3- ( الموافقات) 4/72-81

4- (سير أعلام النبلاء)8/90.

5- ( اللباب في شرح الكتاب)للشيخ عبد الغني الميداني. 1/80.

6- (كفاية الطالب الرباني في شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني) 1/376-377.

7- (المجموع شرح المهذب) 4/222.

8- (المغني) 2/15.

9- ( الدراري المضية )1/134.

10- (المحلى) 3/128.

11- (الإقناع في مسائل الإجماع) 1/406. تح: د. فاروق حمادة.ط-1- دار القلم، دمشق. 1424.

12- (بداية المجتهد )1/

13- (العلل المتناهية) لابن الجوزي.1/139. و الحديث موقوف، وقد صحح  الدارقطني وقفه.

24- (التمهيد..) 1/255.

15- (الموافقات) 4/ 141.

16- (الفقه الإسلامي وأدلته) 2/282..

ذ.محمد العمراوي السجلماسي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *