بمناسبة المولد النبوي الشريف : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الانبياء :107)


 

تشرق علينا هذه الأيام ذكرى مولد الرسول ، وبمولده  كان الحد الفاصل بين الظلام الذي خيم على البشرية والنور الذي كشف لها الطريق، وأنار أمامها الحياة، وبمولده  كان الحد الفاصل بين ما كانت فيه البشرية من جهل واستبداد وخضوع لغير الله، وبين ماارتفعت إليه من سماء العلم والرشاد، فكان رحمة للعالمين. فتحولت الدنيا من جهل إلى علم، ومن فساد إلى خير، ومن شرك إلى توحيد، ومن فوضى إلى نظام. وهكذا كانت الرسالة التي حملها المصطفى .

في شهر ربيع الأول من كل عام تتجه القلوب بدافع الحب والولاء إلى الاحتفاء بذكرى سيد الخلق محمد ، فيعيش المسلمون في مشارق الارض ومغاربها يوما عطرا. في اليوم الثاني عشر من هذا الشهر أطل على الدنيا طفل صغير شاءت إرادة الله وقدرته أن يصبح معلم البشرية وهاديها ومنقذها منالهلاك والدمار وموجهها إلى الهداية والنور. فكان إيذانا بطلوع فجر اشتد ظلا مه، ومن مكة المكرمة تفجر النبع الطهور، يغسل  أدران الجاهلية، ويعيد الفطرة إلى الصفاء والنقاء كما خلقها الله.

وجاء المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ليكون الرحمة المهداة للبشرية ونموذجها الفريد والأكمل لحُسن الخلق وطهارة النفس والقلب، ومعلمها الفذ الذي لا معلم مثله ولا  نظير سواه. {لقد جاءكم رسول من أنفسكم}(الجمعة : 2) {لقد من الله على المومنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}(آل عمران : 164).

أربعون عاما قبل النبوة

ولد   في شعب بني هاشم سيدة المدائن “مكة المكرمة” باختيار العناية الربانية والقدرة الالهية مبرأ من كل عيب يوم الاثنين للتاسع أو الثاني عشر من شهر ربيع الأول الموافق للعشرين من أبريل عام 571م في عام الفيل.

وقد واكبت هذه الولادة المباركة مقدمات كثيرة مؤكدة بحياة هذا النبي المختار. فمن هذه المقدمات أو الارهاصات التي واكبت مولده  :

بزوغ نجم مضيء في السماء، وانطفاء نيران فارس التي يعبدها المجوس، وتصدع إيوان كسرى، وانكباب أصنام الكعبة على وجوهها لأنه  دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، وصفوة سلا لة قريش، ونخبة بني هاشم وأشرف العرب، وسيد ولد آدم، وخيار من خيار من خيار.

مات أبوه وهو جنين في بطن أمه آمنة بنت وهب. دخل به عبد المطلب الكعبة المشرفة فرحا وشاكرا. سماه محمدا، استرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، ترعرع بين الأطفال. شق جبريل صدره الشريف. في السادسة أصبح يتيم الأبوين.

نزلت عليه أول آية “اقرأ” “ثلاثا” ليرجع إلى الوفية خديجة تزمله, تطمئنه لتكون المصدقة الأولى والبلسم الشافي رضي الله عنها,

شمائله

نشأ  أميا ما خطت يداه كلمة، ولم يتردد إلى معهد. عرفه قومه بالصادق الأمين. واستقامة السيرة ورجاحة العقل، وحكمة في الرأي والتدبير. نأى عن جميع الضلالات وكل الخرافات، امتاز بأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة.

كان  أفضل الناس مروءة، وأصدقهم حيث، وألينهم عريكة، وأعفهم نفسا، وأخلصهم عملا وأوفاهم عهدا وآمنهم أمانة، يحمل الكَل، يكسب المصدوم، يقري الضيف، يعين على نوائب الحق.. فرسالته حوت الخير كله، وصفه ربه بقوله : {وإنك لعلى خلق عظيم}ويصف نفسه بقوله  : >أدَّبَني ربي فأحسن تأديبي< وقوله : >إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق<.

استخلاص العبر من نشأته

إن نشأة الرسول جديرة بالتأمل والنظر واستخلاص العبر منها :

1- شاءت إرادة الله أن ينشأ النبي يتيما كي يحس بآلام الفقراء والمحتاجين. لذا فقد جاءت الرسالة المحمدية لتزيح الأعباء عن كواهلهم وتعيد إليهم حقوقهم المهضومة أو المغتصبة. وكان اليُتم طريقا لترسيخ هذه الأحاسيس في وجدان النبي ، ولا عجب أن يكون هؤلاء الفقراء والمحتاجون والمظلومون هم أول من آمنوا بالنبي وآزروه وساروا تحت لوائه غير عابئين بما يصيبهم من تعب ونصب.

2- بعد أن شب النبي وبلغ مبلغ الصبا اشتغل برعي الأغنام، وهي مهنة كل الرسل من قبله تقريبا. وقد يكون ذلك إشارة مبكرة للنبي  إلى أهمية عنصر العمل في حياته المستقبلية.

3- وحينما بلغ النبي مبلغ الرجال، وتزوج السيدة خديجة رضي الله عنها اشتغل بالتجارة في مال زوجته، وقد تكون هذه إشارة أخرى إلى أهمية الاقتصاد -والتجارة دعامته الأولى- كعنصر اساسي في حياة الأمم والشعوب.

كيف نحيي ذكرى مولد الرسول الأكرم؟

إن أفضل السبل لإحياء ذكرى  مولد سيد الخلق هي في تمثل صفات النبي وأخلاقه، والسير على نهجه وهديه، لا في إسراج المصابيح، وإقامة المأدبات والمواسم والحفلات. {لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة}.

وتتعدد صفات الرسول الشخصية وشمائله التي لا مجال للإفاضة فيها، ونركز على بعضها :

1- التناصح والعفو عند المقدرة : وذلك هو المطلوب من كل فرد مسلم، لأن التناصح والعفو هما الطريق الأمثل لكسب مزيد من الاصدقاء والمريدين، بل وتحويل الأعداء إلى أصدقاء {ادفع بالتي هي أحسن}(فصلت : 34) {والكاظمين الغيظ}(آل عمران : 134).

2- الرحمة والحِلْم : إن الرحمة هي الحد الفاصل بين الوحشية والانسانية، وهي الصفة اللازمة للانسان      تجاه جميع خلق الله {فبما رحمة من الله لنت لهم}(آل عمران 159)

3- التواضع : كان  مثالا للتواضع في جميع حياته. ومن الثابت أنه انتقل إلى جوار ربه وهو لايملك من متاع الدنيا شيئا. وهكذا يجب أن يكون الداعية إلى الاسلام لأن تمسكه بالتواضع يجعله أقرب إلى القلوب، وأكثر تأثيرا فيهم.

4- الكرم : وهو من أهم صفات المصطفى  كان كريما مع أهله، ومع ضيوفه، ومع الناس جميعا. والشخص الكريم يكون محبوبا بين أفراد مجتمعه وأسرته وعشيرته.

5- الصدق والأمانة : لقد اشتهر الرسول الكريم بالصدق والأمانة حتى قبل التكليف حتى  أطلقت عليه قريش لقب : الصادق الأمين.

6-  الصبر: صبر  على إذاية قريش ومعارضتهم لدعوته، وصبر على إعلاء كلمة الحق.

7- الشجاعة والبأس : تتجلى في رفضه  لكل الإغراءات التي عرضت عليه من قومه كي يترك دينه مؤكدا لهم: >…لو وضعوا الشمس في يمينه….< الحديث.

ذ.عمر فارس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *