الشيخ محمد الغزالي : مدرسة متكاملة في الفكر والدعوة والتجديد


الإسلام خارج أرضه .. طرقات “إزميل” الإصلاح

“مستقبل الإسلام خارج أرضه وكيف نفكر فيه؟” لفضيلة الشيخ محمد الغزالي كتاب يستحق القراءة مرات عديدة، يتناول فيه الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- صورة الإسلام الذي نقدمه للغرب، وهو يكتب كعادته بأسى وحرقة شديدة كالنائحة الثكلى، إنه يكتب هنا وكأنه يمسك بإزميل حاد، يطرق به بقوة، يحفر به ملامح وجه مشوه، محاولا تجميلها، إنها ملامح وجهنا الذي نأتي به الغرب، وهو ما حاولت أن ألخصه في هذه العجالة من خلال كلمات الشيخ:

الطرقة الأولى

دين لا صاحب له!!

“شعرت بأن الإسلام دين يتيم مضيم، ليس هناك من يحسن عرضه أو يدافع عنه أو يمحو القذى الذي يشوب حقائقه ويشوه ملامحه، كأنه دين لا صاحب له.. الباحثون عنه يلتقطونه حيث وجدوه؛ لأن أفئدتهم فارغة، وما يلمحون من صدقه يجتذبهم إليه، ولا عليهم أن يعتذروا عما التصق به من دَخَل،  فما سلم لهم من جوهره بعد ذلك أحظى لديهم مما ورثوه، وأدنى إلى الرشد مما عرفوه، لكن أين أصحاب هذه الرسالة يقدمونها بيضاء نقية؟ أين حملة هذا الدين من العلماء الراسخين يشرحون فطرة الله التي فطر الناس عليها؟ أين المكلفون بالبلاغ؟ كالشاهدون على الأمم؟ لا نراهم حين يُطلبون! إن ألوفا من “الخواجات” يبحثون عن دين يملأ شعاب أفئدتهم، ويروي عطشهم الروحي ونهمهم العقلي فلا يجدون!”

الطرقة الثانية

طلاب المتع ألجموا أفواهنا

“يوجد في إنجلترا نحو خمسة ملايين من المسلمين، كان في الإمكان أن يشرحوا بالإسلام صدورًا كثيرة، وأن يردوا شبهات منتشرة، أجل كان من المقدور أن يكونوا جسورا تعبر عليها الرحمة المهداة، ويشيم الأوروبيون فيها أنوارا هم أحوج الناس إليها في عقائدهم وخلائقهم، لا سيما ما يتصل بالعلاقات الجنسية، والتفرقة العنصرية.  إن شيئا من ذلك لم يقع، إن القادمين للارتزاق، أو لأغراض أخرى يحسونأنهم أدنى من أرباب الحضارة الحديثة.. ومن ثم فهم تابعون لا متبوعون، ومقودون لا قادة،  واليد العليا هنا ليست لأولئك المسلمين القادمين”.

ويضيف: “الصورة التي ارتسمت في أذهان الغربيين عن الإسلام وأمته تبعث على الخجل؛ فطلاب المتع من أغنيائنا ألجموا أفواهنا عن أي اعتذار.. المال الإسلامي يراق بسفه غريب في علب الليل، وموائد القمار والخمر، وأنواع التهتك التي تسبق الخيال والغربيون ليسوا أغبياء! إنهم يقولون: أمَا على هذا المال رقابة؟ من أين اكتُسب؟ وفيم أُنفق؟ وهم يعلمون أن جماهير غفيرة من المسلمين ذهبوا ضحايا الجفاف والقحط، ومن بقي منهم في آسيا أو أفريقية بقي جلدا على عظام، أو ملامح تصرخ بالبأساء والضراء.

أين المواساة التي يتحدثون عنها في دينهم؟ أين التواصي بالمرحمة؟ وقبل ذلك أين التقوى التي تحجز عن المحارم وتقهر هذا العهر السافر المشهود بالليل والنهار من شباب العربوشيبهم؟؟ الحق أن الصورة التي عرفت عنا لا تشرف ديناً ولا تغري بنظر فيه”.

الطرقة الثالثة :

خليط منكر لشعب الإيمان

“الكثير من مسلمي العصر جمعوا شُعب الإيمان في خليط منكر، كبروا فيه الصغير، وصغروا الكبير، وقدَّموا المتأخر، وأخَّروا المتقدم، وحذفوا شُعبا ذات بال، وأثبتوا محدثات ما أنزل الله بها من سلطان؛ فأصبح منظر الدين عجبا! لا.. بل أصبحت حقيقته نفسها حَرِيَّة بالرفض! ومن هنا صدف الأوروبيون عن الدين، لا لعيب فيه؛ بل في معتنقيه وعارضيه”.

ويقول أيضًا: “يوجد متدينون من المسلمين النازحين إلى أوربا وأمريكا، وفيهم بلا ريب من هزم تيارات الانحراف التي تجره إلى السقوط، غير أن كثيرا من هؤلاء يحمل جراثيم العلل التي شاعت في بلاده الأصلية، في إنجلترا دعاة للطريقة النقشبندية التقيت بأتباعهم من الإنجليز! وهناك من اجتهد فترجم موطأ مالك! فهو المذهب السائد في شمال أفريقية! وهناك من يحارب القباب والأضرحة في أمريكا، وهناك من يرى وضع اللثام على الوجه ويقرنه بكلمة التوحيد! وهناك من جعل شارة الإسلام الجلباب الأبيض كأننا في صحراء نجد! وهناك من حلق رأسه وشواربه بالموسى وأطلق شعر لحيته على نحو يشعرك بأن كل شعرة حرب على جارتها؛ فهناك امتداد وتنافر يثيران الدهشة”.

ويقول في موضع آخر: “سيطر عليَّ وأنا في كندا شعور من الكآبة والمرارة؛ لأن نزاعا حدث في أحد المساجد، أتقرأ سورة قبل خطبة الجمعة أم لا؟ إن النازحين إلى العالم الجديد حملوا معهم جراثيم العلل في عالمهم القديم! وبديهي أن يكونوا صورة للأقطار التي أتوا منها! (..)  لو كان للعقائد والأخلاق وجواهر العبادات لا صورها مكان عتيد لضاق المحل دون تضخم توافه كثيرة.

كان من المستطاع أن تكون الأقليات الإسلامية في أوربا وأمريكا وأستراليا رءوس جسور يعبر عليها الإسلام -وكل شيء هنالك يتطلبه ويهفو إليه- لو أن المسلمين يفقهون دينهم، ويصنعون من أنفسهم صورا وسيمة له. أما الاشتباك في حرب حياة أو موت من أجل التصوير الشمسي أو من أجل نقاب المرأة، فضلا عن حقوقها الطبيعية؛ فلا نتيجة له إلا الفشل”.

ويقول: “ما يلقاه الإسلام من سوء حظ في أواسط أفريقية يتكرر في أقطار أوربا وغيرها.. لماذا؟ لأن ناسًا لهم أمزجة شاذة ومعارف ضحلة هم الذين يدعون إليه ويعرفون به. إنهم يعسرون ولا ييسرون، وينفرون ولا يؤلفون، سنن العادات يجعلونها سنن عبادات، ويلزمون الناس بما لا يلزم! إذا اشتجرت الآراء في موضوع هل هو مباح أو مكروه.. رجحوا الكراهية، هل هو مكروه أو محرم؟ رجحوا التحريم. وقد يكون في الفقه الإسلامي ما يوافق بعض التقاليد السائدة في الأمم التي ندعوها إلى الإسلام، بيد أنهم يحاربون هذه التقاليد لأنهم أتباع مذهب يرى تحريمها.

الطرقة الرابعة :

ضمائم رهيبة لكلمة التوحيد

“يريد الإسلام أن ينطلق بأركانه السليمة ومعالمه الثابتة، فإذا ناس يقولون: ضموا إلى هذه الأركان والمعالم المقررات الآتية: الشورى لا تقيد الحاكم إداريا ولا وزاريا ولا قضائيا! وضموا كذلك إلى أركان الإسلام ومعالمه المقررات الآتية:  لبس البدلة الفرنجية حرام، كشف وجه المرأة حرام، والغناء حرام، والموسيقى حرام، التصوير حرام، الكلونيا حرام، إعلاء المباني حرام، ذهاب النساء إلى المساجد حرام… هذه الضمائم الرهيبة تضم إلى كلمة التوحيد، وقد تسبقها عند عرض الإسلام على الخلق؛ فكيف يتحرك الإسلام مع هذه الأثقال الفادحة؟ إنه -والحالة هذه- لن يكسب أرضا جديدة بل قد يفقد أرضه نفسها”.

ويقول أيضًا: “إن جر الحقائق من ذيلها يثير الضحك، وعرض الإسلام من فروعه البعيدة يثير الحزن. أساس ديننا كلمة التوحيد، والبناء الإسلامي الشامخ الذي ينهض عليها ويثبت للإنسان وللشعوب حقوقها في الإخاء والمساواة، والحرية تنفي الجبروت والقسوة وتكسر القيود والسدود، وتبوئ الإنسان مكان السيادة في الكون.. وآيات القرآن في هذا المجال تهدر بالحق.. فلماذا أُهمِلَت؟!”.

الطرقة الخامسة :

التوحيد بنظام الحزب الواحد

“أبرز الصفات التي ينسبها العالم المتحضر لنفسه أنه حر، وسواء كان هذا العالم الحر على مستوى هذا الوصف أم دونه عمليا؛ فذاك مثله الأعلى. فهل يرتضي الإسلام دينا إذا جاء من يقول له: الغِ نظام الأحزاب، وضع قيودا على الشورى تجعل يد السلطة مطلقة ويد الأمة مغلولة؟

إن إسرائيل طردت رئيس وزراء رأت في تصرف مالي له شائبة إدارية لا تمس النزاهة الخلقية؛ فماذا نقول نحن عن الحكم الإسلامي الذي يتولاه الصعاليك حينًا من الدهر فيخرجون وخزائنهم مثقلة؟ من حوسب منهم؟ ومن جرد من مال حرام؟”.

ويضيف أن “الأوربيين بذلوا دماء غزيرة حتى ظفروا بالحريات التي ظفروا بها؛ فهل يقبل أحدهم أن تعرض عليه عقيدة التوحيد مقرونة بنظام الحزب الواحد، ورفض المعارضات السياسية، ووضع قيود ثقيلة على مبدأ الشورى وسلطة الأمة؟؟ والمسلم الذي يعرض دينه بهذا اللون من الفكر أهو داعية لدينه حقا؟ أم جاهل كبير يريد أن ينقل للناس أمراضا عافاهم الله منها؟”.

الطرقة السادسة :

ألا فلتسقط العقبات

“إذا كان الأوربيون لا يألفون إلا أن يكون وجه المرأة سافرا فليسقط النقاب، ولتمضِ كلمة التوحيد في طريقها. وإذا كانوا يرون أنها تلي القضاء أو الوزارة؛ فمن يصدهم عن الإسلام لأن من فقهائنا من يمنع ذلك؟! ألا فليسلموا، ولتسقط العقبات التي تصدهم عن دين الله…”.

انتهى كلام الشيخ الغزالي، وانتهى رسم ملامح الصورة التي نقدمها للغرب عنا، وتبقى مهمتنا هي أن نزيل تلك الصورة التي نقدمها عن أنفسنا ونحن ندعوهم للإسلام، ونرسم ملامح صورة أخرى، عسى أن نتحدث عنها في موضوع آخر.

—–

د.مجدي سعيد

رئيس القسم العلمي والثقافي بالموقع

> عن موقع إسلام أونلاين

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *