أوضاعنا في رحاب المولد النبوي


….عباد الله

يحتفل المغاربة بيوم مولد الرسول ، وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، والعامة يعدون هذا اليوم عيدا دينيا، ويحسبون أن الاحتفال بهذا اليوم عبادة يتقربون بها إلى الله تعالى ورسوله.

فهل تحبون عباد الله أن تعرفوا موقف الشرع وحكمه في الاحتفال بهذا اليوم العظيم. فلنبدأ بهذا السؤال أولا :

هل الاحتفال بيوم مولد الرسول  هو عيد ديني؟

فإذا أجبتم بنعم، قيل لكم : هل كان هذا الاحتفال عيدا دينيا عند الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين، والأئمة المقتدين؟ فإن أجبتم بنعم. طولبتم بالحجة ولا حجة لكم، وإن أجبتم بلا، قيل لكم : كيف صار الاحتفال بهذا اليوم عيدا دينيا بعد أن لم يكن عيدا دينيا عند خيرالناس؟ قال  : >خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم<.

لقد ترك لنا رسول الله  عيدين دينيين فقط. هما : عيد الفطر، وعيد الأضحى. فإذا كنا نحتفل بهذا اليوم على أنه عيد ديني فهذه عبادة لم يعرفها السلف المقتدَى بهم.

وإذا كنا نحتفل به كيوم خير وبركة على البشرية، ولا نعده عيدا دينيا. فلماذا لم يحتفل به الصحابة والتابعون والأئمة، أي خير الناس؟

فهل نحن أشد حبا لرسول الله  من الصحابة والتابعين؟ وهل نحن أحرص منهم على العبادة والطاعات والقربات؟ وهل نحن أعلم منهم بما يجلب لنا الخير والبركات ويكفر عنا الذنوب والسيئات؟ وهل كان المغاربة يحتفلون بهذا اليوم منذ فجر الاسلام؟

وإذا كان الاحتفال بهذا اليوم ظهر في المغرب على عهد الدولة المرينية، وبقي إلى يومنا هذا، فهل يرضى رسول اللهبهذه الكيفية التي يحتفل بها المغاربة؟

1- هل يفرح رسول الله  بأتباعه الذين جعلوا القرآن والسنة وراء ظهورهم، واقتدوا بالقوانين البشرية وجعلوها أمامهم يهتدون بها.

2- هل يَنظر رسول الله  إلى من يستحل الخمر والربا والزنى ويشجععلى البدعة والشرك والرشوة؟

3- هل يرضى رسول الله  بمن يستهزئ بالله وكتابه ورسوله والصالحين المصلحين من عباده؟

4- هل يُسَرُّ رسول الله  بمن يوافق الأعداء ويساعدهم على ضرب الإسلام والمسلمين، واتهامهم بأقبح التهم.

5- هل يفاخر رسول الله  بالذين يُعَرون نساءهم وبناتهم ويبيعون أعراضهم وكرامتهم بعرض من الدنيا؟

6- هل يباهي رسول الله  بالذين تخلوا عن المسجد الأقصى والأراضي المباركة، وسلموا أرض الإسلام والمجاهدين للأيادي النجسة القذرة.

7- هل يحمد رسول الله  سيرة قوم قطعوا صلتهم بربهم، وحافظوا على علاقاتهم بأعدائه وأعداء رسوله وعباده.

8- هل يلتفت رسول الله  إلى الذين يجلسون حول الموائد المنمقة، ويوقدون البخور الفواحة، ويتلون الأمداح الصَّدَّاحة، ويميلون بالرؤوس، ويُسَلون النفوس ومنهم الجاهل والمنافق والكاذب والغادر والخائن والمزور، والنجس العفن، وتارك الصلاة، وعاشق الكؤوس. وهل رسول الله  تعجبه أشكال الفولكلور ومشاهد الرقص والانتاج السياحي السخيف والأغاني الساقطة وغيرها مما نسميه نحن طقوسا دينية؟.

üüüüüü

… قد يسأل البعض: هل الاحتفال بهذا اليوم وإظهار الفرح والسرور فيه بدعة وحرام؟ وقبل الجواب نسأل : ما معنى الحفاوة والاحتفال؟ يقال : احتفل بكذا : أي اعتنى به واهتم به وأكرمه وأعطاه، فما هو وجه الإكرام والاهتمام والعناية برسول الله   فيما يفعله المغاربة؟

إن الفرح بيوم مولد الرسول ليس حراما ولا بدعة، إذا لم يُعتقَد عيدا ولا عبادة ولا إحياء للسنة ولا نصرة لدين الله، ولكن هناك أيام هي أعظم من يوم الميلاد : يوم البعثة، ويوم الهجرة، ويوم بدر. وكل أيام رسول الله يجب أ ن يحييها المسلمون، فلماذا خصصوا يوم المولد، ونسُوا وغفلوا عن أيامه الأخرى، وهي التي يزكيها القرآن وتشهد لها السنة، وتؤيدها السيرة العطرة. لعل الذين يعتبرون هذا الاحتفال بدعة محدثة انطلقوا من قوله  : >من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد<. عن عائشة رضي الله عنها.

ونظروا إلى تخصيص هذا اليوم بالاحتفال، فإنه لم يخصه السلف المقتدى بهم بشيء دون سائر أيام الرسول .

ولعل الذين تمسكوا بهذا الاحتفال، رأوا فيه فرصة للتعبير عن فرحهم وسرورهم كلما عاد اليوم الذي ولد فيه الرسول ، وكأنهم يعتبرون هذا اليوم هو يوم ميلاد النور والهداية، يوم ميلاد الحرية والعدل، يوم ميلاد الإسلام ويوم موت الشرك والعبودية وانعتاق الإنسانية من قيود الأرض، لتطير بأجنحة التقوى حتى تنزل على ربى الجنان. لكن هل غابت هذه المعاني عن الصحابة والتابعين، وخفيت عنهم تلك المميزات التي نسبوها فقط لهذا اليوم؟

عباد الله تعالوا بنا نقف على مشاهد من محبة الصحابة لرسول اللهلنقارن بين ما نزعمه نحن من محبة الله ورسوله وبين محبتهم لله ورسوله.

لما ولي أبو بكر الصديق ] خلافة المسلمين أنفذ الجيش الذي كان الرسولأمر به لغزو بلاد الروم وأمّر عليه أسامة بن زيد بن حارثة وقد رأى بعض شيوخ الصحابة أن تُسند إمارة الجيش إلى أحدهم دون أسامة، وكلموا عمر في ذلك.

ولما انطلق الجيش شيعه أبو بكر خليفة رسول اللهماشيا، وأسامة راكبا فقال أسامة : يا خليفة رسول الله، والله لتركبن، أولأنزلن. فقال أبو بكر : والله لا تنزل، ووالله لا أركب. وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة. ثم مال أبو بكر على أسامة يستعطفه قائلا : إن رأيت أن تعينني بعمر فأذن له بالبقاء معي، فأذن أسامة لعمر بالبقاء مع أبي بكر خليفة رسول الله.

وكان عبد الرحمن بن عوف يوما صائما، فلما حان الفطور جيء بطعام، فنظر إليه ثم قال : لقد قُتل مصعب بن عمير ـ وهو خير مني ـ فما وجدنا له إلا كفنا إن غطى رأسه بدت رجلاه، وإن غطى رجليه، بدا رأسُه، ثم بَسَط الله لنا من الدنيا ما بسط.. وإنيلأخشى أن يكون ثوابنا قد عُجل لنا. ثم جعل يبكي وينشج حتى عاف الطعام وتركه.

ولما زار عمر بن الخطاب أبا الدرداء بدمشق، دفع عمر الباب فإذا هو بغير غلق، فدخل في بيت مظلم لا ضوء فيه، فلما سمع أبو الدرداء حسه قام إليه، ورحب به وأجلسه. وأخذ عمر وأبو الدرداء يتبادلان الكلام، والظلام يحجب كلا منهما عن صاحبه. فجَسَّ عُمَرُ وِسَادَ أبي الدرداء، فإذا هو بَرذعة، وجَسَّ فراشه فإذا هو حَصى، وجَسَّ دِثاره فإذا هو رقيقٌ لا ينفع شيئا في بَرْدِ دمشق. فقال عمر لأبي الدرداء : رحمك الله، ألم أوسع عليك؟ ألم أبعث إليك؟ فقال له أبو الدرداء: أتذكر يا عمر حديثا حدثناه رسول الله ؟ قال عمر: وما هو؟ قال : ألم يقل : >ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد راكب<، قال : بلى. قال أبو الدرداء : فماذا فعلنا بعده يا عمر؟. فبكى عمر، وبكى أبو الدرداء. وما زالا يتجاوبان بالبكاء حتى طلع عليهما الصبح.

فما الذي فعله عمر وأبو الدرداء بعد رسول الله، حتى بكيا الليل كله، كم نبكي نحن لو فَطِنَّا لما فطن له عمر وصاحبه؟

فهل رأيتم عباد الله محبة الصحابة لرسول الله؟ فاحكُموا أنتم على محبتنا واحتفالنا واهتمامنا المزعوم برسول الله ، لقد كان الفطناء حريصين على أقواله وأفعاله وأحواله، يتذاكرون كل أوقاته وأيامه، ويحاسبون أنفسهم على كل تغير طرأ بعده   في حياتهم.

لقد كانت قدوته  لا تغيب عن أذهانهم، يحبون أن يروها ممثلة في كل جوانب معيشتهم وعبادتهم وجهادهم. فرضي الله عنهم وأرضاهم، كانت محبتهم لرسول الله صادقة وكان اهتمامهم بسنته متمكنا، وإكرامهم لمواقفه متجددا، واحتفالهم بأيامه متواصلا وحرصهم على خيره  شاملا وتمسكهم بهديه  مستقيما.

ذ.محمد أبياط

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *